ايام زمان

“التلجة الكبيرة” 1911 حقيقة أم أساطير جدّات

الاتحاد برس

إعداد عبير صارم

لم يكن يخلو بيت سوريّ في الأيام الماضية من المؤونة والحطب لمدة قد تكفي الشتاء كلّه، خاصة في الأرياف التي تتسم بقساوة العيش فيها. كانت الجدات والأجداد في ذلك الزمن يشبهون مجتمع النمل يحصدون في الصيف ويخبئون مؤونة كافية لأيام البرد القارس،

ووفقًا لحكايات الجدّات، كان الشتاء قاسيًا، والثلج المتساقط يوصد الأبواب، لأنّ ارتفاعه يصل إلى عدة أمتار، أمّا العائلات فكانت تبقى حبيسة البيوت، ملتفّة حول مدفأة الحطب الكبيرة تنشد الدفء في الليالي الباردة، ولم يكن أي أحد قادر على الخروج إلا بعد أن يزيل الثلج المتراكم على الأبواب بواسطة المجارف اليدوية.

كثيرًا ما تذكرني تلك المشاهد بأفلام الرسوم المتحرّكة، إذ كان للجلوس بجانب المدفأة وتبادل الأحاديث والحكايات دفء آخر لا يشبه دفء اليوم الذي لايمكن وصفه سوى أنه دفء بارد خالٍ من الملامح.

و”التلجة الكبيرة” إحدى الحكايات المتناقلة على ألسنة الجدّات، وللحقيقة، أنا لم أسمع بها من جدتي، وإنما رأيتُ العنوان على مواقع التواصل الإجتماعي، وأثار فضولي ، على إثره قررت البحث في تفاصيله عبر الانترنت، ووجدت العديد من المواقع قد تحدّثت عنه.

ومعظمها يقول بأن ” التلجة الكبيرة” حدثت في مطلع عام 1911 ” 20/1/1911 – 1/3/1911 “و بدأت الثلوج تتساقط بغزارة و واستمرّ هطولها مدّة أربعين يومًا فكان الناس يفتحون أبواب بيوتهم ليجدوها مسدودة بالثلج، ووقع برد شديد بعدها و عمّ الجليد الى ما بعد شهر مارس ![1].

وحينها غُمرت حلب و ريفها بالصقيع ووصلت الحرارة إلى درجة عشرة تحت الصفر، وأحيانًا إلى السابعة والعشرين تحت الصفر، وهي درجة الحرارة في سيبيريا شمال روسيا ، كما توقفت القطارات بين حلب و دمشق ثلاثين يوماً، وانقطع سير القوافل، وأظهرت صور ارتفاعًا كبيرًا للثلج في الشوارع والأزقة.

تبدو المعلومات الواردة أعلاه مبالغ فيها، على الرغم من انتشار صور عبر الإنترنت مصدرها كتاب تاريخ حلب المصور أواخر العهد العثماني.

والبعض فنّد مزاعم “التلجة الكبيرة” بطريقة علمية، مثبتًا أنه لا يمكن للثلج أن يتساقط 40 يومًا متتاليًا بشكل مستمر وقارن المعلومات مع ما يسمّى “ثلجة الأربعين” التي حدثت في 1940 و قد غرقت دمشق بالثلوج لمدة 4 أيام فقط لا غير , وكانت الثلوج غزيرة فعلاً وغير مسبوقة بالسماكات وانقطعت الطرق وأطلقوا عليها ” ثلجة الأربعين ” لأنهم عانوا بعدها من إنخفاض كبير على الحرارة بطقس جاف بارد “

ويمكن القول أن بلاد الشام عمومًا بحسب موقع الأرصاد الجوية تعاني من المنخفض السيبيري، وهو منخفض قطبي تصحبه هطول امطار شديدة ومتواصلة لأيام، وكذلك يكون محمل بالثلوج وتنخفض درجات الحرارة العظمى عند مرور هذا المنخفض الى حوالي 7درجات أو أقل، ومصدر المنخفض هو سيبيريا وهذا المنخفض ينشط بنهاية فصل الخريف ويستمر طيلة فصل الشتاء ببعض السنوات.

تتابع حكاية “التلجة الكبيرة” بأنّ  الفقراء عانوا من قلة القوت و الوقود بعدما يبست الأشجار وندر وجود الفحم للتدفئة،و ارتفعت الاسعار بشكل جنوني و توقفت الافران عن انتاج الخبز لعدم توفر الوقود !

ولم تنعم أي دولة من تركيا أو سوريا وبلاد الشام عامةً بيوم واحد خلال الأربعين يومًا بدرجة حرارة تزيد عن صفر مئوي ! كما لم تنعم حتي شهر مارس من عام 1911 بيوم واحد بلا جليد في الشوارع أو ثلوج تغطي المنازل !

إن كانت ” التلجة الكبيرة” حقيقة أم أسطورة من أساطير الجدات المبالغ فيها، لايمكن أن نغفل أبدًا الشتاءات القاسية التي مرّت على جداتنا وأجدادنا في وقت كان كل شئ شحيح وصعب أن يؤمّن، والأساطير في معظمها تُخلق من المعاناة.

[1]_ تاريخ حلب المصور أواخر العهد العثماني


الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق