السلايد الرئيسيتحقيق

يامسهرني أرخصها والكوكائين أغلاها..تجارة المخدرات وتعاطيها تضرب العاصمة دمشق وكميات ضخمة للمضبوطات

الاتحاد برس _ دمشق
وديع فرح

منذ حضارة سومر الرافدية، ومن بعدها بردح طائفة الحشاشين العربية المشرقية، مروراً بـ”مملكة بابلو إسكوبار الكولومبية”، ووصولاً للمافيات الإيطالية والأمريكية واللبنانية التي ما تزال تنشط إلى يومنا هذا، عانت البشرية من أعتى السموم النباتية والكيميائية التي شهدها العالم.

يعتقد البعض منّا بأن للقنّب الهندي والأفيون الأفغاني والميروانا الأمريكية الشمالية استعمالات طبيّة لا غنى عنها، ويذهب البعض إلى استبشار ثورة طبيّة لا مثيل لها إذا ما استمر الإنسان بالاستفادة من هذه الأنواع النباتية وتلك العناصر الكيميائية. ولكن ثمّة وجهة نظر أخرى، من الصعب تجاهلها، ترى بأنّ شباب العالم عموماً والشباب العربي خصوصاً يمرّ بأكثر المراحل حساسيةً وترقباً وتخوّفاً منذ الأزل بسبب انتشار، لا سابق لهُ في المنطقة، للمواد المخدّرة والمنشّطة المذهبة للعقل.

إنّ هذا الانتشار، بحسب وجهة النظر هذه، يُعدّ سبباً جذرياً وعميقاً من أسباب الكثير من الظواهر الاجتماعية المأساوية انطلاقاً من البطالة والفقر المعرفي والكسل البدني والتطرّف الفكري وليس انتهاءاً بشتى أنواع الجريمة كالقتل والسرقة وتهريب المخدرات والإتجار بها.

تشهد سوريا، منذ اندلاع الحرب عام 2012\ 2013، انفجاراً لظاهرة اجتماعية بالغة الخطورة لم تكن واضحة، في وقت من الأوقات، في المجتمع السوري كما هي اليوم.

فتعاطي المخدرات وترويجها والاتجار بها ظاهرة ضربت العاصمة السورية وريفها خلال تسعة سنوات حرب خاضتها البلاد، وفي ذلك استعرضت وزارة الداخلية السورية، على موقعها الإلكتروني، عدد القضايا المسجّلة بصدد التعاطي والاتجار في المخدرات منذ بداية عام 2016 وإلى غاية الشهر السابع من العام ذاته، وبلغ عدد هذه القضايا 2490 قضية، وتمّ القبض بموجبها على 3127 متهماً، وقدّرت الكميات التي تمّ مصادرتها بالتالي:

الحشيش المُخدِّر: 494 كيلو غرام
الهروئين: قُرابة الـ4 كيلو غرام
الكوكايين: 71 غراماً
حبوب دوائية نفسية: 2،000،000 حبّة
حبوب الكابتاغون: 2،200،000 حبّة

وإلى غاية اليوم ما تزال الوزارة تُدرج منشورات على صفحتها في الفيس بوك تستعرض فيها كميات ضخمة من مضبوطات الحشيش والكابتاغون استطاعت وحدات المكافحة مصادرتها.

الحشيشة و “يا مسهرّني” .. الأبخس ثمناً والأكثر مبيعاً !!

كان لابد لإجراء هذا التحقيق من ابتداع حيلة مكّنتنا بالفعل من الوصول إلى رقم أحد موزّعي المخدرات في دمشق، يسمّي نفسه “الحاج أبو رابح”. اتصلنا بهِ بصفتنا زبائن نريد أن نشتري منه بضاعة. دارت بيننا محادثة حَذِرة سألنا فيها عن المصدر الذي زودنا برقمه وما الذي نريده، كما غلب على المكالمة طابع الاستنكار والريبة، فأنكر أبو راشد صلته بالمخدرات أوّل الأمر.

بعد الالتفاف والمواربة، اقنعناه بأنّنا زبائن حقيقيون ونود لو نتقصّى عن الأسعار في حال أردنا كميات كبيرة. استجاب الحاج بعد أن اطمئن إلى نيتنا.
فحدّثنا أبو راشد عن بضاعتهِ ونوعياتها قائلاً: ” يوجد لدي كلّ شيء ابتداءاً من الأغراض (الحشيشة) وصولاً إلى المالبورو (الكوكائين) وكلّه من أجود النوعيات”.

أمّا عن الأسعار فأخبرنا:
” من أرخص المواد هي الأغراض (الحشيشة) بحيث يصل سعر ال12 غرام كحد أدنى للشراء إلى الـ6500 ليرة سورية، أمّا يا مسهرّني (حَب الكابتاغون أو كما في الدارج الكابتيكول) فتتراوح أسعارها بحسب أصنافها، فلديك “الكابتشينو” وهي أرخصهم وسعر الحبّة الواحدة 600 ليرة، وهناك “الكريستال” وسعر الواحدة 1200 ليرة، وأخيراً “الليمونيّة” فسعرها يتراوح بين الـ1400 والـ1700 ليرة حسب الكميّة. أمّا المالبورو (الكوكائين) فيتراوح سعر الغرام الواحد ما بين الـ17،000 والـ 40،000 ليرة سورية بحسب الجودة.”

وبالنسبة لأماكن الوصول إلى المادة يقول أبو راشد:
” يمكنك الصعود إلى “ركن الدين” في حال كنت تريد كمية كبيرة، أمّا إذا كان مرادك شخصيّ فيمكننا أن “(نزبّطك)\نُلبيك” في كلّ من “الدخانية” و”جديدة عرطوز” و”جرمانا” وغيرها حسب وجهتك” .

وبالرغم من أنّنا لم نسأل عن مصدر هذه المواد بشكل مباشر، إلا أنّ أجوبة أبو راشد، حول نوعيات هذه المواد، كانت كفيلة بتدليلنا على المصادر التي تأتي منها إلى سوريا. فيقول : ” لديك الأغراض (الحشيشة) “البعلبكية الحمراء” ولديك “الأفغانية الزرقاء والسوداء”. ”

زراعة الحشيش في بعلبك

وفي ما يخصّ حبّ “الكابتاغون”، وبحسب المرصد الفرنسي للمخدرات، تنشط صناعة هذا الحبّ في مناطق عدّة في لبنان، أبرزها في البقاع. كما يُصنّع في سوريا والعراق ويصدّر بشكل خاص إلى السعودية. وفي تحقيق للـ” “B.B.Cعربية في 25 أغسطس 2015 تمّ الكشف عن عدّة مصانع مجهّزة في لبنان تابعة لشبكة تصنيع وبيع وتوزيع إلى مختلف البلاد العربية بما فيها سوريا.

وفي ذات السياق، نذكر أنّه تمّ ضبط 3000 حبّة كابتاغون، و 14 كيلو غرام من الحشيش في نوفمبر 2019 من قِبل فرع مكافحة المخدرات في دمشق.

“الفراولة والقشطة” .. فواكه من نوعٍ آخر

في أثناء تحضيراتنا لهذا التحقيق تكشّف لنا نوعٌ من التعاطي وُصِفَ بالـ”نظاميّ”، وهو تعاطي “الفرولة” أو (حبّة الترامادول) التي حدّثنا عنها أحد مدمنيها السابقين. فيقول إيميل للاتحاد برس بصدد تجربته:

” لقد كنت، في بداية الأمر، اتناول نصف حبّة أو ما يُعادل 125 ملغرام من الترامادول يومياً. أمّا في السهرات الشبابيّة فأشرب حبّة، مُقسمّاً إياها أربعة أرباع لأتناولها على عدّة مراحل في السهرة وتساوي الأرباع مجتمعةً ما يعادل 225 ملغرام. وبعد خمسة شهور من هذا النظام في التعاطي بدأتْ تتفلّت زمام الأمور مني ليصل مقدار ما اتعاطاه يومياً إلى 600 ملغرام أو ما يزيد، وعند هذا الحدّ بالذات أدركتُ مدى عجزي أمام هذه المادة، بالإضافة لما اتحمّله من عوارض “(القَطْعَة)\ انسحاب المادة” من ألم أسنان ووخز في الظهر وسيلان أنفيّ وتشنجات عضليّة وغيرها ممّا لا أذكر.

ترامادول

ويُوصَف هذا التعاطي بالـ”نظاميّ” لأنّهُ يُبتاع من الصيدليات مباشرة. فأنا مثلاً كنت اشتري الظروف من بعض الصيدليات في كلّ من حيّ الغساني والقصاع في دمشق بالإضافة إلى عدد من الصيدليات في مدينة جرمانا.”

أمّا عن سؤالنا إياه عن الطريقة التي يُقنع بها الصيدلي بمنحه الدواء وهو لا يحوز إلا بوصفة طبيّة يجيب: ” ثمة صيدليات في الأماكن التي ذَكرت تقوم ببيعك الترامادول بأسعار مضاعفة مرة أو اثنتين في حال عدم حيازتك على وصفة طبيّة، كما يوجد بعض الشباب الذين يتعاملون مع هذه الصيدليات فيجيئون بعدد لا بأس به من العُلب ويبيعونها مقابل ربح معقول.”

وعن إقلاعه وأماكن رواج المادة يحدّثنا إيميل :
” آخر حبّة تناولتها كانت في ابريل /نيسان من عام 2019. وإلى ذلك الحين كنّا نتعاطى هذه المادة باستمرار وبشكل شبه يوميّ في الجلسات المسائية في بيوت الأصدقاء، وفي السهرات “الصَبّاحيّة”، وحتى بعد الجامعة في المقاهي التي نجلس فيها. كان انتشارها كبيراً بحيث لا نستطيع تجاهلها فواحد من أصل 8 أشخاص أعرفهم كان يتعاطى الترامادول.

كانت علاقاتي كثيرة ومتشعّبة بين دمشق (مزة، قدسيا، باب شرقي، قصاع، باب توما) وبين الأرياف (جرمانا، الجديدة، قطنا .. وكثير من المدن الأخرى). ومعظم متعاطيّ هذه المادة، ممِّن كنت أجالسهم، تتراوح أعمارهم بين الـ17 والـ24 عاماً. منهم من هو جامعيّ ومنهم من هو عاطل عن العمل، ولكن الصفة التي كانت تنطبق على الجميع، وبشكل غرائبيّ، هي البطالة. ولم أكن أعلم من أين يجيئون بالمال لشراء “الفراولة” فالطلبة يوفّرون مصروفهم الجامعيّ، أمّا البقية فلا أعلم! .”

تامول xx

ويضيف: ” إنّ تأثير الحبّة سحريّ، فبالإضافة لقدرتها العالية على عزلك عن العالم الواقعيّ، يمكنها أن تُشعرك، ولو لوهلة، بشعور غامض يشبه الطيران أو الارتفاع عن الأرض.

وكلّ الأشياء العادية التي أمارسها في حياتي يمكن أن تتحوّل إلى شيء ما جديد ومُلفت، فالموسيقى الصاخبة تصير أكثر صخباً وإمتاعاً، والأحاديث العادية تأخذ طابعاً لا مثيل لهُ من الخصوصيّة. هذا عدا عن شعورك الباهر بالتميُّز والانفراد عن سائر البشر في مجتمعك. إنّه ببساطة شعور عظيم يستحيل إلى فخّ لابد يقعُ فيه المرء غير الواعي.”

وعن أصنافٍ أخرى عرفها ولم يعتدها يقول إيميل:
” بالإضافة “للفرولة” هناك “القشطة” والتي هي (إكس إكس تامول) وهناك البنزكسول والبارا زولام وبيوباغلين (ليركا) والإكس تي سي وغيرها من الأنواع المنتشرة.”

الإدمان مسؤولية الجميع .. وبمن فيهم أنتم!

التقت الاتحاد برس، في ظلّ البحث عن تأثير هذه الظاهرة مجتمعياً، بالباحث والأكاديمي الاجتماعي إيلي عوض. ويحكي عوض عن أسباب انتشار المخدرات في دمشق قائلاً:
” إنّ مجتمعاً من المجتمعات، مهما كانت طبيعته، يرتهن إلى التطورات السياسية والاقتصادية التي تحدث في قريته .. مدينته .. دولتهِ أيّاً كانت حدوده. وفي سوريا وليست دمشق وحدها حدثت كارثة سياسية واقتصادية انعكست سلباً على المجتمع.

فلا يبدأ الأمر وأقصد هنا الإدمان بانزياح وانحراف مباشر ناحية التعاطي من قبل الشباب; ولكن يبدأ من ظواهر أقلّ وضوحاً كالبطالة وانحسار مساحة حرية الشاب نتيجة لنقص المال من جهة وحرص الأهل في ظلّ الحرب من جهة أخرى، هذا علاوة على أنّ البلاد وصلت لمرحلة جدّ صعبة وخطيرة من ناحية حرية الحركة، فهذا وما سأسميه الانغلاق الاجتماعي يولّد نوعاً من الفراغ لا بدّ للشباب من سبيل لملئهِ.

breaking bad

والإدمان، في ظلّ توفّر كلّ هذه العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية، بالإضافة لانتشار المادة بكثرة بسبب الإرهاب والحرب، يكون حلّاً مغرياً لسدّ هذا الفراغ أو تلك الفجوة الاجتماعية. هذا إذا ما تناسينا معظم الإيحاءات المنبعثة عن الأفلام والمسلسلات والأغاني التجارية التي تُشجّع، بشكل أو بآخر، على تجريب هذه المواد من خلال غزوها عقول الشباب.”

وما هي المخاطر المجتمعية التي يسفر عنها الإدمان في رأيك؟

“الإدمان سرطانٌ اجتماعي بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى; لأن المجتمع يجدّد نفسه ويبدع موارده الثقافية والعلمية والفنية والاقتصادية معتمداً على شبابه وطاقاتهم، والإدمان يستهدف هذه الشريحة الشرهة على الإبداع والتجديد، وبالتالي يحرم الإدمان المجتمع من كذا الإمكانيات والأفكار والمشاريع الممكنة في المستقبل، وليس هذا وحسب، ولكنّه كفيل بتحويل هذه المشاريع الشبابية المفيدة إلى مجتمع الجريمة والبطالة والانحلال الأخلاقي والانكماش في التفكير النقدي، وبطبيعة الحال بكلّ ما هو خليق بتفكيك المجتمع وإفقاره وتقزيمه إقليمياً ودولياً.”

وما هو دور مؤسسات المجتمع والدولة في مثل هذه الحالات ؟

الإدمان مسؤولية الجميع بمن فيهم أنتم كإعلام وصحافة، فبالإضافة لمجهود الدول في حلّ مثل هذه الظواهر من خلال مؤسسات الرعاية الاجتماعية والنفسية ومراكز العلاج من الإدمان، ثمة دور توعوي وحسّاس للغاية يجب على الإعلام الاضطلاع به عبر تمريره لموادٍ تثقيفية وتحذيرية تسلّط الضوء على الحالات المتضرّرة وتكشف الحلول وتروي عن خواتيم الإدمان. كما أنّ على الأسرة مراقبة نشاطات الفتيان وخاصة المراهقين منهم، فمن خلال الملاحظة يبدو أنّ من لا يتعاطى فهو يدخّن تبغاً مُسرطناً وهو ما يزال في المرحلة الإعدادية. فهنا، في مثل هذه الحالات، المسؤولية وكلّ المسؤولية ملقاة على عاتق الأهل!

ولا يسعنا في الختام إلا التحذير من مضار الإدمان، وأثره البالغ على العقل البشري والجسد الاجتماعي، ناصحين الشباب بالابتعاد عن كلّ ما هو زاغ ومنحرف يترصد لهم في مسيرتهم نحو الرشد وحسن الخلق والحياة الكريمة تحت سلطان العقل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق