قلم توك

فقهاء الموت

بينما كان فمي ينزف و شفتاي متورمتين من الضرب، نطقتُ بالشهادتين مرغمة حين اختطفني ذلك الداعشي وأنا في الثامنة عشر من عمري. عندما تحررت وعدت إلى شنكال، تطهرت بماء زمزم، ولبست الزيّ الأيزيدي مع قراءة أدعية لم أفهمها من بابا شاويش و بابا شيخ في لالش منذ الآن أنا أؤمن بالإنسانية، البشر لا دين لهم.

تعيش حلا سيفيل مع أخواتها الثلاثة وأخوها في مخيم بيرسفي بزاخو في شمال كردستان. عائلة حوّلها عنف داعش من ثلاثة عشر فردًا إلى خمسة إخوة فقط، بين قتلى و مخطوفين. تحكي بحنق عن المجزرة التي ارتكبها “داعش” أثناء هجومهم على قرية “قني” عام ٢٠١٤، حيث قتل فيها أكثر من مئة رجل من الأيزيدين بينهم أخوها ووالدها. قالت إنّ أثر المجزرة كان ظاهرًا على ملابسهم المصبوغة بدماء المقتولين، حيث كانت محبوسة في مكان آخر وسمعت أصوات الرصاص تملئ الأفق. نجا أخوها الآخر من تلك المجزرة حيث ضاعت ملامحه مع ملامح الضحايا الذين كانوا يتساقطون برصاص داعش الواحد تلو الآخر أثناء عملية الإعدام التي نفذها كما أخبرها أخوها فيما بعد.

تردف حلا كلامها و كأن صور الحدث يظهر أمام أنظارها و عادت إلى الحدث نفسه قائلة:
” حين عرفت أنهم قتلوا والدي وأخي، لم أبكِ، لم أحزن، انعدمت أحاسيسي، كنت في حالة انتظار مع أسوأ شيء قد يحدث لي و أمي وأخوتي، شيء غامض و مرعب لم أعرفه”.

فرّقوا النساء المتزوجات عن الفتيات في مدرسة بتل أعفر، ليتم نقلهم إلى الموصل، وقاموا ببيع كل واحدةٍ منهن بسعر خاص و بعضهنّ كهدايا على شكل عروض بيع و شراء. وهنّ يسرن جيئة و ذهابًا مرغمات أمام الرجال الداعشيين، تقول والبكاء يقطع حديثها لتصمت في كل حين، تتابع قائلة:

” توسّلت إلى ذلك الداعشي الذي اشتراني أن أعانق أمي التي كانت تمد يديها بجنون لتحضنني من نافذة السيارة ليتم نقلي إلى بيته، كيف لي أن أنسى تلك اللحظة و هي تركض، تتعثر، وتنهض من جديد لتلحق بالسيارة لكن دون جدوى”.


نهار معتمٌ شوه التوقيت بعنفه ذكرى سنوية يحيى. هاجم تنظيم داعش شنكال في الثالث من آب عام ٢٠١٤، و تجتاح بعدها مناطق سوريا و تسيطر على ثلت البلاد كالظلام.

تعدّل حلا من جلستها بتوتر وكأنما سقطت في الحدث من جديد في تلك اللحظة لكن بصورة أكثر وجعاً قائلة:
“حين قيدني ذلك الوحش بسلاسل حديدية بسرير غرفة النوم في بيته، تذكرت مصاص الدماء المرعب في القصص. شعرت أن الحياة ستنتهي و لن تستمر، وراودني إحساس آخر أنه لن يحصل ما كنت أخاف منه. صرخت و ناديت أمي و إخوتي استنجد بهم، لكن لم يسمع أحد، حين صحوت رأيت آثارًا لم أفهم بعضها على جسدي بعد أن كنت فاقدةً للوعي، حينها صرخت بأعلى صوتي كان مبحوحًا، في تلك اللحظة شعرت حتى صوتي لم يعد يسمعني”.

تتحدث حلا أنها حاولت الانتحار عدة مرات في الأماكن التي تتنقل إليها في دير الزور و الرقة وغيرها، مرة تجرعت تسعين حبة، وأخرى قامت بقطع شرايين معصمها، إلى أن قامت إمرأة داعشية بجلدها كعقوبة لإقدامها على الانتحار.

تقول وهي تنظر إلى صور المخطوفين من أفراد عائلتها في هاتفها النقال بعينيها البنيتين و المنكّستين قائلة:
” كان ألمي سيكون أخف بكثير لو كانت أمي أو أهلي بجانبي حين كنت أتعذب تحت ضربات سياط الجلد، و ذلك السلك الكهربائي الذي كان يحييني و يميتني ألماً في كل ثانية”.

تحكي حلا عن حياة المخيم بأنه يشبه الجحيم، و أنه منذ لحظة تحريرها في عام ٢٠١٧، تعيش شكل آخر من ذلك الجحيم الذي يعيد إلى ذاكرتها الوجع وما حصل لها خلال الخمس سنوات في ظل عنف وقهر داعش، تقول أنها لن تعود إلى قريتهم في تل قصب لأن رائحة عظام الموتى تفوح من كل مكان، حيث بقي الكثير منها تحت أنقاض البيوت المدمرة.

تقول بابتسامة ساخرة وحزينة رسمت شفتيها الممتلئتين: “في الذكرة السنوية للإبادة الجماعية التي ارتكبها داعش بحقنا، قام هؤلاء بالهجوم على قريتنا في ذات اليوم الذي يصادف الذكرى، هل هذه ذكرى أم إعادة إحياء الموت؟
لن أعود إلى قريتي و لن أعيش مع ذكريات الموتى التي تسكن في كل زاوية”.

قطع البكاء حديث حلا بنوبة هز جسدها، اعتذرت أنها لم تعد قادرة على متابعة حديثها بعد أن قالت:
” أكره المنبه، لأنه يوقظني في كل صباح و يبعدني عن أمي التي أراها دائماً في أحلامي، أذهب إلى عملي في المشفى، تمنيت أن أخطفها من حلمي بيد سحرية، ولكن..”

ظلّت صامتة، وبتوتر تجلس القرفصاء حينًا، وأخرى تلفّ قدميها بيديها الخشنتين اللتين أتعبتهما الأعمال الشاقة عندما كانت مخطوفة، إضافة إلى وظيفتها المتعبة في المشفى ومسؤولية الاعتناء بإخوتها في المخيم.

“يوماً ما سأموت.. سأظل بانتظار ذلك اليوم الجميل..
أين أنتم أيها المخطوفون، هل ما زلتم على قيد الحياة.. هل صراخي يزيد من صمت العالم؟”

هذا آخر ما كتبته حلا على حالتها في تطبيق الوتس آب بهاتفها النقال، علّها تخفف من أصوات المختطفين و الغائبين الذي يتردد صدى ضحكاتهم و بكائهم في أذنها و مخيلتها. هي الآن تعيش في المخيم الذي يفتقد أبسط متطلبات الحياة، منها عدم توفر المواد الغذائية و الطبية، حاضر متعب و شاق يعيد في خاطرها مآسي الماضي في كل جديد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق