أكاديمياالسلايد الرئيسيدراسات

ثورة تشرين الأول العراقية لعام 2019 والصراع الإيراني الأميركي

الاتحاد برس – ترجمة ولاء تميم

الكاتب: ديرك أدريانسينس – Global Reaserch

خوفٌ كبير يسود الشرق الأوسط والعالم من تحوّل العراق لساحة حربٍ بين الولايات المتحدة الأميركيّة وإيران. كون الأول هو دائرة صراعٍ على شفير النار وموطنٌ لآلاف القوات الأميركية والميليشيات القوية المدعومة من إيران.

الثورات التي اجتاحت العراق منذ 1 تشرين الأول / أكتوبر 2019 أتت في لحظة حرجة من التوتر المتزايد بين إيران والولايات المتحدة الأميركية واللتان تعتبران حليفًا للحكومة العراقية.

ازدياد التنافس والصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران

في 29 آب / أغسطس 2019، نشرت مجموعة إدارة الأزمات الدولية (منظمة غير حكومية مستقلة وغير ربحية ملتزمة بمنع نشوب النزاعات الفتاكة وإيجاد الحلول لها) نشرت تقريرًا يدعو إلى عدم تسوية الصراع الأميركي الإيراني في العراق.

في حزيران / يونيو تم إطلاق صواريخ مختلفة على المنشآت الأميركية في العراق، وفي تموز / يوليو-آب/ أغسطس، دمرت الانفجارات مواقع تخزين الأسلحة وقافلة من التجمعات شبه العسكرية العراقية المرتبطة بإيران، وساعدت هذه الحوادث في دفع التوترات الأميركية الإيرانية إلى حافة المواجهة وأكدت على خطورة الوضع في العراق والخليج.

على الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية وإيران لم تصطدما بشكل مباشر حتى الآن، إلا أنهما يجبران الحكومة العراقية على الوقوف جانبًا على الحياد ويعمل القادة العراقيون من جهتهم بجد للحفاظ على حالة حياد البلاد لكن الضغط الخارجي المتزايد والاستقطاب الداخلي يهددان بقاء الحكومة.

ما يجب القيام به؟

يتعين على الولايات المتحدة وإيران الامتناع عن إشراك العراق في تنافسهما، لأن هذا الأمر من شأنه أن يقوض استقرار العراق الضعيف بعد الحرب ضد “داعش” بمساعدة الأطراف الدولية الفاعلة، وينبغي للعراق هنا أن يواصل جهوده السياسية والدبلوماسية الداخلية ليبقى محايدًا.

لأسباب جغرافية وتاريخية، العراق اليوم في قلب العاصفة حيث وضعت حملة “الضغط الأقصى” لواشنطن على إيران وردّ طهران ضغطًا شديدًا على الحكومة العراقية _الشريك لكليهما-،  وتتوقع الولايات المتحدة هنا من بغداد أن تقاوم إيران، و إيران تتوقع من بغداد أن تقاوم الولايات المتحدة، وهذا يعتبر موقفًا ووضعًا شبه مستحيل.

لطالما كانت العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران ذات طابع مزدوج في العراق، حيث كان هناك تعاون بين البلدين منذ الغزو الأجنبي عام 2003 لتهدئة العراق. وفي الوقت نفسه، العلاقات بين البلدين متضاربة للغاية حيث يقاتل الندّان بعضهما البعض من أجل مدّ النفوذ في الشرق الأوسط، وهنا نستطيع الإشارة إلى انسحاب حكومة “ترامب” في أيار/ مايو 2018 من الصفقة النووية وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران في تشرين الثاني / نوفمبر 2018 قد فجّر الوضع برمتّه و في منتصف عام 2019، في أعقاب قرار واشنطن بتشديد العقوبات على إيران مرة أخرى فقد فُتح المجال لسلسلة من الحوادث التي مهدت الطريق أمام حرب جديدة قد تغمر الشرق الأوسط بأكمله.

بعد عام 2003، استغلت إيران فراغ كرسيّ السلطة الذي خلقه الغزو للاستثمار بكثافة في النظام السياسي والاقتصادي والأمني في العراق. وتم دمج العديد من الميليشيات الشيعية وفرق الموت المتحالفة مع إيران مثل “كتائب بدر” في الشرطة الوطنية الطائفية التي أنشأتها الولايات المتحدة الأميركية. وقاتلت هذه الفرق والجماعات جنبًا إلى جنب مع أميركا ضدّ حركة المقاومة الوطنية وفي ذات الوقت كانوا يقاومون وجود الغزو الأجنبيّ، ونشير هنا إلى أنّ  واشنطن وطهران عملتا وقاتلتا جنبا إلى جنب بشكل وثيق خلال معركة استمرت أربع سنوات لهزيمة  تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” (2014-2017).

الميليشيات الشيعية العراقية التابعة لإيران شكلت حينها جوهر “الحشد الشعبي” (قوات التعبئة الشعبية) وهي مزيج من القوات شبه العسكرية التي استجابت لدعوة “آية الله العظمى علي السيستاني” عام 2014 لمحاربة “داعش.”

في أعقاب الغزو الأميركي عام 2003 والقتال اللاحق ضد “داعش” امتلكت بغداد أكبر سفارة أميركية في الشرق الأوسط وأكبر عدد من القوات والجنود الأميركان (أكثر من 5000 جنديّ) في ست قواعد عسكرية لا زالت تعمل حاليًا:

  • قاعدة العمليات الأولى “أبو غريب” و هي واحدة من أولى القواعد العسكرية التي أنشأتها الولايات المتحدة الأميركية في العراق و تقع القاعدة في منطقة أبو غريب في محافظة الأنبار وتبعد 32 كم فقط عن وسط بغداد و 15 كم فقط عن المطار الدولي للعاصمة العراقية.
  • قاعدة معسكر القاعدة في الكاظمية – العراق معسكر العدالة، المعروف سابقًا باسم معسكر بانزاي.
  • قاعدة العمليات الأولى (FOB Sykes) في محافظة نينوى شمال العراق، والتي تقع على بعد بضعة أميال خارج تلعفر وتم استخدام القاعدة كموقع استراتيجي للعمليات القتالية والتكتيكية للولايات المتحدة أثناء عملية تحرير العراق.
  • معسكر التاجي في العراق -المعروف أيضًا باسم Camp Cooke –  والذي يقع في المنطقة المجاورة مباشرةً على بعد 30 كم فقط من بغداد ويتم استخدام القاعدة الخاصة به من قبل قوات التحالف في العراق وليس فقط من قبل الولايات المتحدة.
  • قاعدة البلد المشتركة وهي واحدة من المنشآت العسكرية العديدة التي تحتفظ بها وتستخدمها الولايات المتحدة في العراق كانت معروفة بأسماء متعددة بما في ذلك قاعدة بلد الجوية، قاعدة البكر الجوية، معسكر أناكوندا أو إل إس أي أناكوندا وهي واحدة من أكبر القواعد الأميركية.
  • مجمع قاعدة النصر  المعروف أيضًا باسم “في بي سي”  هو مزيج من المنشآت العسكرية حول مطار بغداد الدولي يضم المجمع 10 قواعد:  فيكتوري فيول بوينت، سلاير، سترايكر، كروبر، ليبرتي، قصر رضوانية، دبلن، قاعدة سثر الجوية، قاعدة لوجستيات سيتز والنصر، وأهم قاعدة من بينها هو معسكر النصر ويضم مقرًا لجميع العمليات الأميركية في العراق ويتضمن أيضًا قصر الفاو.

نهاية الوفاق الأميركي الإيراني

لقد أدت هزيمة تنظيم “داعش” وتنصيب الرئيس “دونالد ترامب” إلى وضع حد للصمت الأميركي الإيراني في العراق، مما فتح الباب أمام فترة من التنافس المتصاعد، وفي أعقاب الانتخابات البرلمانية العراقية في أيار /مايو 2018، أصبح التنافس واضحًا للغاية. وحاولت حينها كل من واشنطن وطهران ممارسة وبسط النفوذ من خلال المؤدين المفضلين لديهم. واستمرت خلافاتهم حول تشكيل الحكومة ثلاثة عشر شهراً، وأسفرت المفاوضات عن قائمة من الشخصيات المقبولة نسبيًا، لكنها ضعيفة نوعًا ما حتى داخل الأحزاب السياسية التي تنتمي إليها والتي تفتقر إلى الدعم القوي. وتمّ حينها في تشرين الأول/  أكتوبر 2018 تعيين رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” والرئيس العراقي “برهم صالح” وهما سياسيان منطويان بعض الشيء.

عادل عبد المهدي” والذي يعتبر تجسيدًا للنظام السياسي المفلس والفساد الذي فرضته الإمبريالية الأميركية، بدأ حياته المهنية كعضو في حزب البعث، ثم أصبح عضوًا قياديًا في الحزب الشيوعي العراقي، وذهب بعد ذلك إلى المنفى في إيران كموالٍ لـ”آية الله الخميني بعد ذلك عاد “عبد المهدي” إلى العراق على ظهر الدبابات الأميركية وانضم إلى الحكومة العميلة في عام 2004 كوزير للمالية.

المجلس الأميركي للعلاقات الخارجية قال في وصف “المهدي” أنه “تكنوقراطي معتدل ومفيد للمصالح الأميركية” مثل سابقيه منذ عام 2004، وساعد في تنظيم نهب ثروة العراق النفطية لإثراء الشركات الأجنبية والأوليغارشية الحاكمة (الطبقة التي تمتلك النفوذ) والفاسدين السياسيين وأنصارهم.

في ذلك الحين، ظلت وظيفة وزير الداخلية والدفاع والعدل مفتوحة لمدة ثمانية أشهر، ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى التنافس المستمر بين إيران والولايات المتحدة الأميركية لاستمرار الصراع ولعبة شد الحبل بين البلدين منذ عام 2003، لأن على كل من الولايات المتحدة وإيران الموافقة على تشكيل الحكومة بعد كل انتخابات مجراة وإن دلّ هذا على شيء فإنه يدلّ على أن السيادة على العراق لا تزال حلمًا بعيد المنال.

نستطيع أن نشير هنا إلى أنّ السياسة الأميركية تجاه إيران فرضت ضغطًا قويًا على حكومة “عبد المهدي“. وعندما أعادت واشنطن تنشيط العقوبات ضد إيران في تشرين الثاني/  نوفمبر 2018 ، دعت حينها الولايات المتحدة الحكومة العراقية إلى وقف المستحقات إلى طهران مقابل الغاز الطبيعي والكهرباء وتنويع وإرداتها من الطاقة من خلال عقود مع شركات أميركية، وطلبت بغداد حينها من واشنطن المزيد من الوقت للبحث عن البدائل خوفاً من انتقام إيران الذي قد يؤدي إلى عجزٍ في الحصول على الكهرباء، و سمحت فترة المهلة المؤقتة من حكومة “ترامب” بغداد بمواصلة استيراد الغاز والكهرباء من إيران، لكن الولايات المتحدة واصلت حث بغداد على توقيع عقود البنية التحتية للطاقة مع الشركات الأميركية.

وبالرغم من ذلك، أبرم “عبد المهدي” صفقة كهرباء بقيمة 284 مليون دولار مع شركة ألمانية بدلاً من شركة أميركية ورفض رئيس الوزراء العراقي الالتزام بالعقوبات الأميركية وصمم على متابعة شراء الكهرباء من إيران كما سمح بتوسيع التجارة بين البلدين، التجارة التي أنتجت كميات كبيرة من العملات الأجنبية التي حفزت الاقتصاد الإيراني.

في ذلك الوقت أيضًا، أعلن “عبد المهدي” استعداده لشراء منظومات S-400 الدفاعية وغيرها من المعدات العسكرية من روسيا. وقد وقع اتفاقية مع الصين لإعادة بناء البنية التحتية الأساسية العراقية مقابل النفط، وأخيرًا حاول التوسط بين إيران والمملكة العربية السعودية وأظهر عزمه أن ينأى بنفسه عن السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، كل هذه القرارات جعلت “عبد المهدي” محطّ أنظار إعصار أميركا الذي أطاح به لاحقًا.

إسرائيل تتدخل علنًا في العراق

بعد أميركا وإيران، دخلت إسرائيل على خطّ التدخل في العراق من أوسع أبوابه، واستخدمت مقاتلات الشبح طراز F-35i لمهاجمة أهداف إيرانية في العراق في شهري تموز/ يوليو وأب / أغسطس، مما ألحق أضرارًا جسيمة بأربع قواعد عراقية كانت تستخدمها القوات والوكلاء الإيرانيون كمستودع مفترض للصواريخ الباليستية الإيرانية.

الحكومة العراقية قللت من شأن هذه القصة ولم تولها اهتمام وحاولت أولاً تجاهلها حتى أنها حاولت أن تصنع مأزقاً لإسرائيل، واستغرق الأمر أسابيعًا حتى أعلن “عبد المهدي” في مقابلة تلفزيونية أن أصابع الاتهام حول الضربة تتجه نحو إسرائيل.

الموقف المتردد والخائف للنظام العراقي من توجيه الكلام المباشر لإسرائيل كان دليلاً واضحًا على الولاء للولايات المتحدة، حيث  لم يكن هناك أي أثر للسخط من الحكومة العراقية عندما تفاخر “نتنياهو” بقصف العراق خلال حملته الانتخابية، وبدى كما لو أنّ الحكومة صمتت واحتفظت بحقّ الردّ، و أنكرت الولايات المتحدة أي تورطّ لها في هذه الهجمات. لكن من المشكوك فيه أن تضرب إسرائيل أهدافًا عراقية دون موافقة واشنطن على الأقل و نتيجة لذلك، يتعين على القوات الأميركية وقوات التحالف في العراق الآن طلب موافقة رسمية قبل بدء العمليات الجوية بما في ذلك الحملة ضد “داعش“.

خلال تلك الأوقات كان ثمة مطلب آخر لإدارة “ترامب” يتمثل في قيام الحكومة العراقية بحل الميليشيات المرتبطة بإيران، فمنذ هزيمة داعش سيطرت هذه الميليشيات على مناطق مختلفة في العراق وشاركت أيضًا في الانتخابات الأخيرة. مطلب أميركا لم يتحقق ولم يتم حل أي وحدة من الميليشيات العامة، بل على العكس من ذلك: في عام 2016، قامت الحكومة رسميًا بدمج القوات المرتبطة بإيران في قوات الأمن ولم يكن لديها أيّ سيطرة فعّالة عليهم وأصبحت “جبهة فتح” التي هي مجموعة من الميليشيات الإيرانية المختلفة ثاني أكبر تشكيل بعد الانتخابات الأخيرة.

الفساد المستشري في جسد العراق

على الرغم من هول وضخامة الثروة النفطية  في العراق ، فإن32.9%  أو 13 مليون عراقي يعيشون تحت خط الفقر، وتبلغ البطالة بين الشباب قرابة 40٪ وفقًا للإحصائيات الأخيرة الصادرة عن صندوق النقد الدولي، بينما يشكل الشباب دون سن 25  قرابة 60٪ من سكان العراق البالغ عددهم 40 مليون نسمة.

نصف العراقيين دون سن 18 عامًا ويقدر معدل البطالة الإجمالي بحوالي 23 بالمائة، وفقًا لمكتب الإحصاء المركزي في بغداد. وبحسب تقديرات منظمة  “النعمة ” العراقية فإن نسبة النساء العاطلات عن العمل تبلغ أكثر من 80٪. كما انخفض معدل التوظيف في العراق إلى ما بين 28.20 بالمئة في عام 2018 من 43.20 بالمئة في عام 2016.

الوضع في العراق مأساوي، حيث يتمّ تطبيق تقنين الكهرباء ويتمّ التزود بها لمدة 5 إلى 8 ساعات فقط يوميًا، المياه ملوثة، النظام الطبي فاشل، مستويات التعليم منخفضة للغاية، الفساد مستشري، وكلّ هذا غيضٌ من فيض مما يبقي الشعب في حالة إحباط دائم.

السياسيون لم يفوا بوعودهم حول مشاريع الترميم والتحسين، وتم إلغاؤها ونسيانها وبقيت حبراً على ورق وذهبت الأموال التي كانت مخصصة لها إلى جيوب الفاسدين.

النفط، والذي يمثل أكثر من 90٪ من إيرادات الحكومة وأهم سلعة في السوق السوداء لا يراه الشعب العراقي، حيث أن الشبكات الإجرامية بما في ذلك موظفو وزارة النفط وكبار الشخصيات السياسية والدينية متورطون في الفساد بالتعاون مع شبكات المافيا والعصابات، والذين يقومون جميعهم بتهريب النفط وتحقيق أرباح خيالية من وراءه، وتعتبر المشاكل الثلاث الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للعراقيين هي الفساد الذي يشكل (47 ٪) والبطالة (32 ٪) والأمان (21 ٪)، حيث يعتبر العراق اليوم واحداً من أكثر الدول فسادًا في العالم العربي، وفقا لتقارير منظمة الشفافية الدولية.

ويحتلّ العراق المرتبة 168 من بين 180 دولة في مؤشر الفساد حيث يعد الفساد المتجذر في العراق أحد العوامل التي أعاقت جهود إعادة الإعمار لأكثر من عقد.

رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” كان قد أنفق 500 مليار دولار خلال فترة ولايته (2006-2014) ، وفقًا للجنة النزاهة العراقية، وكشف حينها “عادل نوري” المتحدث الرسمي باسم اللجنة في أكتوبر / تشرين الأول 2015 أنّ: “نصف عائدات الحكومة تقريبًا كانت” مسروقة “أو” اختفت “، ووصف هذه الفضيحة كـ” أكبر فضيحة فساد سياسي في التاريخ ” حيث بلغت حينها عائدات العراق النفطية 800 مليار دولار بين عامي 2006 و 2014 ، كما تلقت حكومة “المالكي” دعما قدره 250 مليار دولار من مختلف البلدان بما في ذلك الولايات المتحدة خلال تلك الفترة.

من أسوأ الحكومات عالميًا

يصنف البنك الدولي العراق كواحد من أسوأ الدول حُكمًا في العالم، وتتصدر الحكومة العراقية المشهد كواحدة من أكثر الأنظمة فسادًا في العالم. لم تبذل الحكومة العراقية حتى الآن سوى القليل من الجهد لاستعادة المدن ذات الغالبية السنية التي دُمرت خلال الحرب ضد “داعش” ولم تتخذ أيّ إجراء لإقامة أي شكل من أشكال المصالحة العرقية أو الطائفية، كما أنّ الكثير من “الثروة النفطية” يستهلكها سياسيون ومسؤولو القطاع الحكومي والذي يعتبر من أقلّ القطاعات إنتاجيّة و الأفضل من حيث الأجور في البلدان النامية.

ازدياد الفساد في السنوات الأخيرة وإهدار الموارد الحكومية وشراء المعدات العسكرية، جميعها فاقمت من عجز الموازنة العراقية التي كانت تبلغ 16.7 مليار دولار في عام 2013 و 20 مليار دولار في عام 2016 ووصلت إلى 23 مليار دولار للعام المالي 2019.

“ميدل إيست مونيتور” نقلت عن رئيس لجنة المالية البرلمانية “هيثم الجبوري” في 18 ديسمبر / كانون الأول: “بلغ الدين الخارجي للعراق أكثر من 50 مليار دولار تم سداد أكثر من 20 مليار دولار خلال الفترة الماضية “. ووفقًا للمسؤول فإن العراق لا يزال مدينًا بـ 27 مليار دولار للدول الأجنبية  بالإضافة إلى 41 مليار دولار للسعودية والتي قُدمت للعراق على شكل منحة للرئيس العراقي الراحل “صدام حسين”.

عضو مجلس النواب العراقي عن محافظة بغداد والعضو في التيار الصدري “ماجدة التميمي” أكدت أن العراق اقترض 1.2 مليار دولار في عام 2005 و 1.4 مليار دولار في عام 2006 من البنك الدولي والأطراف الخارجية لدعم الاستثمار وسد العجز في الميزانية. كما أن صندوق النقد الدولي قد قام سابقا بإنقاذ العراق من خلال قروض بمليارات الدولارات مما جعل البلاد أكثر خضوعً للولايات المتحدة وغيرها من الدائنين الأجانب، إذًا ليس من المستغرب أن 78٪ من الشعب العراقي يعتبر الاقتصاد العراقي “سيئًا” أو “سيئًا للغاية” وفقًا لشركة IIACSS المستقلة للبحوث والدراسات في العراق.

الدستور العراقي ومخالفات واضحة

يسمح الدستور للعراقيين بحمل جنسيتين، لكنه ينص على أن الشخص المعين في مناصب عليا أو مناصب أمنية يجب أن يتخلى عن الجنسية الأخرى (المادة 18 ، 4). ومع ذلك لم يمتثل أي مسؤول عراقي لهذا النظام حيث يتمتع العديد من كبار المسؤولين العراقيين بجنسية مزدوجة، بما فيهم رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” (فرنسي الجنسية)، رئيس الوزراء السابق “حيدر العبادي”، ووزير الخارجية العراقي السابق “إبراهيم الجعفري” (بريطاني الجنسية) رئيس البرلمان “سليم الجبوري” (قطري الجنسية)  ومن بين السفراء العراقيين البالغ عددهم 66 سفيرًا، هناك 32 سفيرًا يحملون جنسية مزدوجة بالإضافة إلى ما يتراوح بين 70 و 100 نائب.

ويوجد وزراء في الحكومة العراقية الحالية لديهم خلفية غربية: “محمد علي الحكيم” وزير الخارجية (المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية) “فؤاد حسين” وزير المالية ونائب رئيس الوزراء (هولندا وفرنسا) “ثامر غضبان” وزير النفط ونائب رئيس الوزراء (المملكة المتحدة).

العديد من المسؤولين المتهمين بالفساد من قبل السلطات العراقية هربوا من البلاد خوفا من الاضطهاد بفضل جواز سفرهم الأجنبي، بمن فيهم الوزراء السابقون “عبد الفلاح السوداني” وزير التجارة، “حازم شعلان” وزير الدفاع الوطني و “أيهم السامرائي”  وزير الكهرباء.

نجاح الشمري” يشغل منصب وزير الدفاع الحالي منذ عام 2019 في حكومة “عادل عبد المهدي” وهو مواطن سويدي و عضو في حكومة “المهدي”. الوزير الآن قيد التحقيق بتهمة الاحتيال في المطالبة بالسكن واستحقاقات الطفل من السويد، كما وجهت إليه تهمة “الجرائم ضد الإنسانية” في السويد.

الرئيس “برهم صالح” مواطن بريطاني، تم تقديم شكوى ضده من قبل جماعة “الدفاع عن المسيحيين العرب”، التي طلبت من المحامي العام في اسكتلندا فتح تحقيق ضده بسبب “الجرائم ضد الإنسانية من خلال منح الإذن أو التواطؤ في الهجوم الواسع النطاق على المظاهرات المدنية في العراق والتي أسفرت عن القتل العمد والإصابات العديدة والاعتقالات غير القانونية وخطف الناس. “

من المعروف  في العراق أن موظفي الخدمة  المدنية  يطلبون رشاوى تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات لإعطاء عقود حكومية أو حتى لوضع توقيع على وثيقة عامة؛ أيضا يطلبون الرشوى لترتيب وظيفة مربحة لصديق أو أحد أفراد الأسرة، ووفقًا لعضو بارز في الائتلاف الحاكم في تصريحه لوكالة الصحافة الفرنسية  فإن “الاحزاب السياسية  ترفض ترك الحكومة لأنها لم تعد قادرة على الاستيلاء على الخزانة”.

العديد من التعيينات  في مجلس الوزراء والمديريات العامة  في الوزارات  وطواقم السفارات هم أفراد عائلة “مقتدى الصدر” و “هادي العامري” رئيس منظمة “بدر” الجناح العسكري للمجلس الإسلامي العراقي الأعلى أكبر حزبين في البرلمان العراقي.

وفقا لمسؤول عراقي رفيع المستوى، وسط إعادة جدولة متوقعة للحكومة تم بالفعل “شراء” المناصب “. يكلف حزب سياسي وزارة معينة ثم يبيع هذا المنصب الوزاري إلى أعلى مزايد”. ووصف المسؤول صفقة بقيمة 20 مليون دولار ضمن نص مشهور: يدفع المرشح للحزب لنيل الوظيفة ومن ثم يحاول تخصيص أكبر قدر ممكن من الأموال العامة والتي يمكن سداد الدين بها، ووفقا لمراقبين فإن هذا النظام متجذر لدرجة أن “عبد المهدي” لا يستطيع إيقافه.

رئيس الوزراء العراقي يستقبل العديد من الزوار

في شباط / فبراير 2019  قال “دونالد ترامب” أنه يجب على الجنود الأميركيين البقاء في العراق “لحراسة إيران” وبعد شهرين، في 7 نيسان / أبريل دعا قائد إيران “علي خامنئي” القادة العراقيين لضمان مغادرة الجيش الأميركي “بأسرع ما يمكن”. في غضون ذلك، جاءت جماعات من المسؤولين الأميركيين والإيرانيين إلى العراق للدفاع عن مصالحهم، بما في ذلك “ترامب” نفسه خلال زيارة غير معلنة في كانون الأول/ ديسمبر 2018 وبعد أربعة أشهر أتى الرئيس الإيراني “حسن روحاني”.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “ينس ستولتنبرغ” التقى برئيس الوزراء العراقي في 17أيلول/ سبتمبر لمناقشة مهمة تدريب عسكرية جديدة إلى العراق وسط الانتفاضة الحالية  ووصل وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” أيضًا إلى بغداد في 8 تشرين الأول/ أكتوبر لمناقشة التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج.

وزير الخارجية الأميركي “مايك بومبيو” حذر إيران يوم 13 كانون الأول / ديسمبر من رد فعل “حاسم” إذا تعرضت المصالح الأميركية للخطر في العراق في أعقاب سلسلة من الهجمات الصاروخية على قواعد توجد فيها القوات الأميركية وكانت القاعدة العسكرية في مطار بغداد الدولي هدفًا لصاروخين في 12 كانون الأول/ ديسمبر وكان بالفعل هذا الهجوم هو الهجوم العاشر على هذا الأساس منذ تشرين الأول / أكتوبر.  وقال “بومبيو”  حينها في بيانه “ننتهز هذه الفرصة لتذكير قادة إيران بأن أي هجوم من جانبهم أو من جانب وكلائهم والذي قد يلحق الضرر بالأميركيين أو حلفائهم أو بمصالحهم سيتم الرد عليه باستجابة حاسمة من الولايات المتحدة”.

القيادة العسكرية الأميركية أوضحت أيضًا أن موت أو إصابة مواطن أميركي هو خط أحمر سيؤدي إلى الانتقام وقال مسؤول عسكري أميركي حينها: “أتخوف من أن الحكومة العراقية ليست مستعدة لاتخاذ إجراء وإذا لم تكن هناك رغبة في وقف هذا فسوف نصل إلى نقطة يتم فيها دفعنا إلى الزاوية”. “لن نتلقف الصواريخ طوال اليوم ونراقب بهدوء عندما يقتل البعض منا.” و أرسلت الولايات المتحدة حينها ما بين 5000 و 7000 جندي إضافي إلى العراق.

“داعش” لم يعد مشكلة كبيرة للعراق

لقد تغير العراق كثيرًا بسبب حركة الاحتجاج بحيث لم يعد “داعش” يشكل تحديًا مهمًا مثل ذي قبل، وتلاشى الاستقطاب الطائفي الذي استفاد منه “داعش” فيما مضى، علاوة على ذلك، والآن بعد أن تعرض العديد من السنّة لصدمة مزدوجة بسبب السيطرة الوحشية لـ”داعش” والحملة العسكرية اللاحقة لاستعادة أراضيهم فإن معظمهم لم يعودوا يريدون أن يكون لهم أي علاقة بالجماعة الإرهابية، بدورها قوات الأمن العراقية  قلصت إلى حد ما تجاوزاتها الطائفية وأقامت علاقات أفضل مع السّنة.

على الرغم من أن هذه الأسباب تدعوا للتفاؤل فإن تأمين المناطق التي لا زال “داعش” نشطا فيها لا يزال ضروريًا لكن هذه المهمة يجب أن توكل للقوات المسلحة العراقية ولا تزال الحكومة بحاجة إلى إعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة في المناطق التي دمرتها الحرب ضد “داعش” حتى يتمكن النازحون من العودة.

التئام الجراح التي نتجت عن هذا الصراع صعبٌ للغاية ولا أحد يدري متى ستندمل، النهج القضائي للحكومة العراقية بعد “داعش” يهدد بتعميق التناقضات في البلاد، ووفقا لما صرحت به بعض عوائل المنتمين إلى “داعش“: يتعرض المواطنون الذين تربطهم صلات عائلية مزعومة بمقاتلي ومتشددي “داعش” والذين تم طردهم من منازلهم لخطر أن يصبحوا طبقةً مسحوقة يشارُ إليها على الدوام على أنها وصمة عار”.

وكما لو لم تكن هناك مشاكل كافية بالفعل على كاهل العراق، يتعين على الحكومة العراقية أيضًا تقديم إجابة للتقارير التي تتنبأ بآفاق اقتصادية قاتمة وأزمة مالية في عام 2020، حيث كانت المعركة العسكرية ضد “داعش ” مكلفة واستنفدت خزينة الدولة  ولأن إعادة إعمار المناطق المتضررة مثل نينوى والأنبار وصلاح الدين وإسكان مئات الآلاف من العراقيين الذين ما زالوا مشردين بسبب القتال ستكون أكثر تكلفة.

“شباب العراق الضائع” يحملون مسؤولية المستقبل على عاتقهم

في 1 أكتوبر / تشرين الأول ، ظهر محتجون شباب في ميدان التحرير في بغداد للتعبير عن عدم رضاهم عن الوضع غير القابل للحل في بلدهم. “لا مستقبل” ، “العراق قد انتهى” ، “العراق قد مات“، هذه العبارات التي كان يتم سماعها في كثير من الأحيان من قبل الشباب العراقي الذين فرّوا بشكل جماعي من البلاد بحثًا عن ملاذ آمن حيث يمكنهم بناء مستقبل ذي معنى.

وفقًا لاستطلاع للرأي جرى مؤخرًا ارتفع عدد الشباب الذين أرادوا مغادرة البلاد على وجه السرعة وبشكل جديّ من 17٪ إلى 33٪ بين عامي 2012 و 2019، ومنذ انسحاب القوات الأميركية من العراق في عام 2011 كانت هناك احتجاجات سلمية مستمرة ضد الهياكل الاقتصادية الليبرالية الجديدة والهياكل السياسية الفاسدة الطائفية  في البلد الذي ظل تحت سيطرة الإمبريالية فإنه لم يكن حينها لهذه الإجراءات الاحتجاجية أي تأثير حتى الآن لكن هذا الأمر قد يتغير قريبًا.

في الأشهر التي سبقت مظاهرات تشرين الأول / أكتوبر الجماهيرية، نظم خريجو الجامعات اعتصامات في وزارات مختلفة في بغداد وكانت غالبًا مع خريجين من مدن أخرى وأطلقت قوات الأمن خراطيم المياه الساخنة حينها في الاعتصامات التي عقدت في الفترة من يونيو / حزيران إلى سبتمبر / أيلول.

وبدلاً من الاستسلام لمطالب الشباب  أطلقت السلطات حملة لهدم منازل ومتاجر العمال العاطلين عن العمل ومنازل الفقراء المبنية على الممتلكات المملوكة للدولة في مدن جنوب العراق، و فقد مئات الآلاف من الأشخاص منازلهم  بمن فيهم البعض الذين اشتروا أراضيهم من الميليشيات أو المسؤولين الحكوميين الفاسدين  وكان معظمهم استهلك جميع مدخراته أو تكبدوا ديونًا أو اعتمدوا على مساعدة شبكتهم الاجتماعية.

في 22 أيلول / سبتمبر، دعت مجموعة صغيرة من الناشطين المدنيين في العراق للتظاهر في 1 تشرين الأول / أكتوبر و لم يكن لديهم أي فكرة عن أن دعوتهم ستؤدي إلى انتفاضة عامة،  فالدعوة التي أصرّت على الحاجة إلى الخروج في الشارع ضد “الحكومة الضعيفة الأداء” قد انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة وكانت مدعومة من تيار “الحكمة الإسلامي” وهي منظمة سياسية إسلامية شيعية.

واستجابت الأطراف الراغبة بالتغيير للنداء و أعلن البعثيون حينها أنه يمكنهم اغتنام الفرصة لاستعادة السلطة وأشار “مقتدى الصدر” إلى أن نهاية الحكومة الحالية باتت وشيكة و حذّر الحزب الشيوعي العمالي العراقي  الجماهير من المشاركة  في الاحتجاجات التي نظمتها الأحزاب الإسلامية.

بدأت سلسلة الاحتجاجات تأخذ مجراها الأول يوم الثلاثاء في الساعة العاشرة صباحًا. وكان يوم الثلاثاء خيارًا متعمدًا للتمييز بين التظاهرة وبين اجتماعات الجمعة التي ينظمها الصدريون و في الساعات الأولى من المظاهرة في ميدان التحرير في بغداد لم يكن هناك سوى بضع مئات من المتظاهرين وكان معظمهم من مؤيدي القائد الشعبي السابق لقوات مكافحة الإرهاب اللواء “عبد الوهاب السعدي” والذين كانوا غاضبين من قرار الحكومة بإزاحته.

وسرعان ما ملأ المتظاهرون الساحة  وبدأت الحكومة باستخدام العنف ضد المتظاهرين، أولاً على شكل خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع  وبعد ذلك استخدموا الذخيرة الحية وقُتل ما لا يقل عن 10 متظاهرين بعد اليوم الأول من الاحتجاج و امتدت الانتفاضة إلى جميع المحافظات الشيعية الجنوبية  بما في ذلك ميناء أم قصر النفطي الهام  بالقرب من البصرة مما قلص النشاط الاقتصادي بأكثر من 50 في المائة.

ومنذ اندلاع الانتفاضة  في تشرين الأول / أكتوبر قام المتظاهرون بمنع الوصول إلى حقول النفط في مدن البصرة الجنوبية  والناصرية  وميسان وأغلقوا الطرق الرئيسية المؤدية إلى الموانئ لشل حركة  تجارة النفط في الثاني من نوفمبر / تشرين الثاني و كلف الحصار المفروض على ميناء أم قصر وهو أهم منفذ للوصول إلى العراق، كلف الحكومة ما يقارب  6 مليار دولار.

تحالف إيراني على المتظاهرين

انضمت الميليشيات العربية الشيعية التي ترعاها إيران إلى قوات الأمن الحكومية،  وأطلقت النار على المتظاهرين عشوائياً و واجهت فرق الموت المتظاهرين السلميين غير المسلحين. وكان يتم إطلاق النار على المتظاهرين كل يوم وحجبت الحكومة  وسائل التواصل الاجتماعي  وعطلت الإنترنت وأعلنت حظر التجول في مدن مختلفة وأقام المتظاهرون حواجزًا وأحرقوا الإطارات لمنع الميليشيات والقوات الحكومية من دخول أحيائهم.

استمرت المعركة  و سيطرت إحدى المليشيات التي ترعاها إيران وهي “عصائب أهل الحق” على المدخل الرئيسي إلى ميدان التحرير والساحة المركزية  في بغداد وأطلقت النار على المتظاهرين الذين كانوا يحاولون الوصول إلى الميدان  وظهرت ميليشيا جديدة تدعمها إيران وهي “سرايا الخراساني”  وهاجمت حي الغزالية  في بغداد وقصفت مستشفى وقتلت الناس الأمنين  في منازلهم.

في السادس من تشرين الأول / أكتوبر قُتل العشرات من النساء والأطفال في مدينة الصدر، أفقر أحياء بغداد وتحولت مدن أخرى أيضا إلى ساحة معركة و أضرم المتظاهرون النار في مكاتب الأحزاب الشيعية الإسلامية في الناصرية  وميسان وأعلنوا الناصرية مدينة خالية  من الأحزاب الحكومية.

وهنا نستطيع القول، أنّ الأثر الرادع للقمع العنيف للحكومة،  إلى جانب ادعاءاتها المتعلقة  بالتأثير الأجنبي  لا يمكن أن يوقف الاحتجاجات بل على العكس؛ فقد جاء المزيد  و المزيد من الناس إلى الشوارع  وقرر المتظاهرون في الخامس والعشرين من  تشرين الأول / أكتوبر شن موجة جديدة من المظاهرات لتكريم الضحايا.

في بغداد  العاصمة العراقية،  كانت التعبئة  مدفوعة  في البداية بعوامل اجتماعية اقتصادية  وكان المتظاهرون الأوائل من الشباب العاطلين عن العمل من الجانب الشرقي الشيعي للمدينة  و أضرب الكثيرون ضمن إضراب عام لدعم المتظاهرين  ونظمت النقابات العراقية  إضرابًا أخر  في ميدان التحرير لدعم الاحتجاجات.

وفي جنوب العراق الشيعي قادت نقابات المعلمين  حركة إضراب عامة  في معظم المدارس والجامعات  و انضم الطلاب  ومنظمات المجتمع المدني أيضًا إلى الموجة الثانية  من الاحتجاج التي بدأت في 25  تشرين الأول / أكتوبر وشملت المقاومة النخبة السياسية  وجميع الطبقات الاجتماعية  و أصبحت أكبر حركة الاحتجاج حركة  شعبية  لها اسمها في تاريخ العراق الحديث  والتي شارك بها ملايين المتظاهرين بشكلٍ يوميّ.

في 25 تشرين الأول / أكتوبر،  واجه المتظاهرون والقوات الحكومية بعضهم بعضًا على جسر الجمهورية  في بغداد وجسرين آخرين فوق نهر دجلة واللذان يؤديان إلى المنطقة  الخضراء ، ونجح المتظاهرون في السيطرة على  هذه الجسور الاستراتيجية  حيث توجد المباني الحكومية  وفيلات كبار المسؤولين والسفارات  ومكاتب المرتزقة  العسكريين وغيرها من الوكالات الأجنبية.

وواجه المتظاهرون الذين يحاولون الانتقال من ميدان التحرير إلى المنطقة الخضراء أعمال عنف شديدة استخدمت فيها القوات الحكومية  قنابل الغاز المسيل للدموع التي اخترقت جماجم المتظاهرين والقنابل الصوتية  والذخيرة الحية.

يذكر أن المنطقة الخضراء تغطي مساحة 142 هكتارًا وتضم منازلاً للسفارة الأميركية  البالغة  قيمتها 750 مليون دولار والتي تم افتتاحها رسميًا في كانون الثاني /  يناير 2009 مع أكثر من 16000 موظف  معظمهم من المقاولين  ومن بينهم 2000 دبلوماسي.

شجاعة ومقاومة المتظاهرين الجماهيريين كانت لافتة للنظر حيث  قام سائقو التوك توك ( العربة الآلية ذات العجلات الثلاث) بنقل المصابين من ميدان التحرير إلى المستشفيات القريبة  وأقامت منظمات المجتمع المدني والنقابات والجماعات السياسية  خيامًا في الساحة  لتوفير الدعم اللوجستي والخدمات الطبية  والإمدادات الغذائية  والمياه  ولتوزيع الخوذات والقيام ببعض الدورات التعليمية  وغيرها.

وقدّم الأطباء والممرّضون وطلاب الطب العلاج للجرحى والمرضى في الميدان ليل نهار وعندما أعلن المتظاهرون عن حاجتهم للغذاء في ميدان التحرير، غمرت الأسر وأصحاب المطاعم  وأصحاب المتاجر وغيرهم ممن هم خارج المخيمات، غمروا المحتجين بالطعام والغذاء وشارك بالتظاهر العاطلون عن العمل، ذوي الاحتياجات الخاصة، أفراد قبائل بغداد والمناطق المحيطة بها، والأكاديميون، والحزب الشيوعي العمالي العراقي، وحزب “الصدر” الحالي،  والمنظمات النسائية،  وأعضاء البرلمان المعارضون،  والحزب الشيوعي العراقي ، جميعهم شاركوا في التظاهرات.

نشأ غالبية المتظاهرين أثناء الغزو  والاحتلال الأميركيّ، والعنف المستمر الذي أعقب ذلك . لافتة أحد المتظاهرين الشباب كُتب عليها:

نحن جيل خُلق في حروبكم، أمضينا شبابنا في جوّ من الإرهاب ومراهقتنا في طائفيتكم  وشبابنا في فسادكم، نحن جيل الأحلام المسروقة  والشيخوخة المبكرة “.

وبالنسبة للسؤال “كم من المرات  شعرت بالاكتئاب الشديد  في الأشهر الستة الماضية  بحيث لم يشجعك أيّ شيء؟”، “: 43.7٪ من العراقيين أجابوا في استطلاع عام 2019: “كثيرًا” و 39.3٪  أجابوا “أحيانًا”. وهذا يعطينا انطباعاً عن حالة اليأس التي وصلها الشباب العراقي.

وبالنسبة لمن غابوا عن الاحتجاجات، فقد جاء في المقدمة  الأحزاب السياسية القائمة حاليًا، حيث أن هذه الاحتجاجات الشبابية  كانت بمثابة مفاجأة لهم خاصة إذا ما أتينا إلى ذكر تأثير رجال الدين المشهورين على مسار الاحتجاجات  مثل “آية الله العظمى السيستاني” و “مقتدى الصدر”  الذي انخفض إلى حد كبير.

محاولة “مقتدى الصدر” لتهدئة المتظاهرين بإعلانه أن أتباعه  سيتركون البرلمان  تضامناً مع المتظاهرين لم تغير الوضع كثيراً، وانتقد المتظاهرون انعدام التضامن من قبل أهم المؤسسات الدينية  في العراق.  وسألوا: “أين واجبكم تجاه الشعب العراقي  وتفانيكم في التقوى والإيمان؟ هل النشيد الذي عزفته سيدة على الكمان أسوأ من قتل مئات العراقيين؟ ” في إشارة منهم إلى حدث كان قبل بضعة أشهر حيث احتجت فيه كل من المؤسسات السنية والشيعية  ضد امرأة  تعزف الكمان أثناء افتتاح حدث رياضي في النجف، لأنهم شعروا أن هذا كان ضد “الإيمان الحقيقي”.

القمع في العراق

تصاعدت الاحتجاجات في غضون بضعة أيام مخلفةً مئات القتلى وآلاف الجرحى و تم إشعال النار في مكاتب الحزب والحكومة  في مدن مختلفة، وقام اللواء “قاسم سليماني” قائد قوات الحرس الثوري الإيراني ومهندس السياسة الإقليمية الإيرانية  حينها بزيارة بغداد عدة مرات منذ الأول من تشرني الأول / أكتوبر لمناقشة الاستراتيجية  ضد الانتفاضة مع القادة العراقيين بما في ذلك “هادي العامري” الذي يرأس واحدة من أكبر الكتل البرلمانية  في العراق و “منظمة  بدر” التي تدعمها إيران.

معظم الوفيات  في العراق نجمت عن إطلاق نيران الرشاشات والقناصة، بشكل عشوائي على الحشود وعلى قادة الاحتجاج المحددين بدقة. وذكرت منظمة العفو الدولية أن قوات الأمن في بغداد قد أطلقت قذائف الغاز المسيل للدموع من الدرجة العسكرية “لقتل المتظاهرين بدلاً من تفريقهم.”

القذائف التي يبلغ قطرها 40 ملم وفقًا لتحليل منظمة العفو الدولية هي  قذائف “سلوبودا تساتساك إم 99” الصربية  وهي  قذائف ثقيلة، بالإضافة للقذائف  المسيلة للدموع من  طراز M651   وقذائف M713 الدخانية المُنتجة من قبل منظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية (DIO) ، وأعلنت المفوضة من لجنة حقوق الإنسان البرلمانية العراقية “يسرى رجب” أعلنت حينها أنّ القوات الحكومية استخدمت القنابل الغازية “سي إف” و التي تحتوي على السموم التي تسبب العمى والإجهاض  للنساء الحوامل  والسكتات الدماغية  والحروق التي يمكن أن تؤدي إلى الموت.

الجيش العراقي اعترف يوم الاثنين 7 تشرين الأول / أكتوبر بأنه أطلق النار على المتظاهرين في بغداد، وقال في بيان له

“تم استخدام العنف المفرط وبدأنا في محاسبة الضباط الذين ارتكبوا هذه الجرائم” وكانت هذه هي المرة الأولى منذ اندلاع الاحتجاجات التي تعترف فيها قوات الأمن بأنها استخدمت القوة المفرطة.

 الحكومة العراقية أرسلت حينها قوات مكافحة الإرهاب العسكرية إلى الناصرية وتم حل الوضع في البداية  دون مزيد من العنف ولكن بعد ذلك وفي تاريخ 28 تشرين الثاني/  نوفمبر داهمت  قوات الأمن المتظاهرين في الناصرية ليلاً وقتلت 46 شخصًا على الأقل وجرحت العديد.

ووفقًا لشاهد عيان: “فتحوا النار علينا  دون توقف، استعادوا الجسر في غضون خمس دقائق ولأنهم لم يتوقفوا عن إطلاق النار هرب الناس.  رأيت خمسة أشخاص على الأقل  يموتون أمام عينيّ وكلّ من أصيب أو أردي قتيلا تُرك في الشارع ليواجه مصيره، وقامت قوات مكافحة الإرهاب بضرب كلّ من استطاعوا الإمساك به، رأيتهم يضربون الناس بطريقةٍ وكأنهم يريدونهم أن يموتوا، لقد كان الأمر كارثيًا”.

وأضاف الشاهد “: هربنا إلى المنازل للاختباء، وأذاعت القوات المسلحة عبر مكبرات الصوت: “إذا كان شخص ما مختبئًا في منزل فليخرج  أو سننسف المنازل”. كان علينا أن نخرج، كانوا لا يزالون يطلقون النار واعتقلوا وطاردوا باقي المحتجين إلى ميدان الحبوبي المكان التقليدي للاحتجاجات، و لكن العديد من سكان المدينة تجمعوا هناك لحماية المتظاهرين: رجال ونساء وأطفال و استمر إطلاق النار حتى الساعة السابعة صباحًا. “

لين معلوف” مديرة مكتب الشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية قالت:

” تبدو المشاهد من الناصرية هذا الصباح أشبه بمنطقة حرب أكثر من كونها مدينة تحوي شوارعًا وجسورًا، إن هذا الهجوم الوحشي ليس إلاّ الأخير في سلسلة طويلة من الأحداث المميتة التي تصرفت فيها قوات الأمن العراقية بعنفٍ رهيب ضد المتظاهرين السلميين إلى حد كبير”.

بالإضافة إلى ذلك، شنت قوات الأمن حملة واسعة النطاق من الغارات الليلية واعتقلت المتظاهرين الذين اختفى بعضهم دون أن أثرٍ يذكر، وتعرض آخرون للتعذيب ولم يطلق سراحهم إلا بعد إجبارهم على توقيع تعهدات بالتوقف عن المشاركة في الاحتجاجات.

ولجأت قوات الأمن العراقية أيضاً إلى نشر حالات الإخفاء القسرية كوسيلة لخلقِ جوٍ من الخوف والاضطهاد بين المتظاهرين، لقد استهدفوا المسعفين والمحامين والصحفيين على وجه الخصوص بالإضافة إلى ذلك  تلقى النشطاء والصحافيون تحذيرات من أن أسمائهم ستضاف إلى القوائم السوداء إذا لم يتوقفوا عن انتقاد السلطات كما تسللت قوات الأمن إلى المظاهرات وحرضت عن عمدٍ على تأجيج العنف.

منعت السلطات بشكل ممنهج المعلومات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في سياق الاحتجاجات من الخروج إلى العلن من خلال القطع المستمر للإنترنت ومغمغة الموضوع من قبل المؤسسات الحكومية. وأرسلت الجماعات شبه العسكرية مقاتليها إلى القنوات التلفزيونية التي تحدثت عن الاحتجاجات لتدمير معداتهم واستوديوهاتهم.

وهاجمت قوات الأمن المتظاهرين الجرحى في المستشفيات واختطفوا وهددوا الصحفيين والأطباء وكل من دعم المظاهرات، وأصدرت لجنة الاتصالات والإعلام العراقية تحذيرات لخمس قنوات تلفزيونية وقررت إغلاق تسع قنوات أخرى  كنتيجة مباشرة لتغطيتها للمظاهرات، و على الرغم من التقارير المستمرة عن عمليات الاختطاف والاعتقالات والقتل  لا تتوفر أرقام محددة ومعلومات دقيقة حتى الآن.

الأستاذ الجامعي العراقي “كامل عبد الرحيم”:

“لم أكن مقتنعًا أبدًا بأن الجنرال الإيراني “قاسم سليماني” لعب دورًا رئيسيًا في السياسة العراقية لكن المذبحة التي ارتكبت في 28 تشرين الثاني / نوفمبر في الناصرية والنجف وامتدت إلى ميدان التحرير في بغداد حيث قتل 69 شخصًا على الأقل هي تعبير صارخ عن الطريقة التي ينظر بها “سليماني” إلى العراق كمقاطعة إيرانية. الإدارة الإيرانية الحاكمة لن تقبل أبدا خسارتها في العراق، يمكن لهم أن يقبلوا خسارة اليمن أو لبنان وحتى سوريا لكن العراق هو الخط الأحمر “.

وأضاف “عبد الرحيم”:عادل عبد المهدي” جنرالات وأمراء الحرب الآخرون، الطبقة السياسية بأكملها، اختاروا جميعًا وصفة “سليماني” القاتلة، نحن على عتبة مرحلة دموية و حكومة “ترامب” اختارت الصمت وربما وافقت على خطة “سليماني” بعد كل شيء، هناك إجماع كبير بين “الأعداء” أميركا وإيران بأن مسرح الصراع هو العراق “.

 “عبد الكريم” ذكر أيضًا: “المواطنون العراقيون هم التهديد الجديد لأجندتهم المشتركة لأنهم يعارضون هذا النظام المفروض وقد أصبح المواطن العراقي عبئًا عليهم، ويمكن يمكن للشعب العراقي الاعتماد على نفسه فقط لإحداث التغيير “.

صمت واشنطن

ومن المثير للسخرية، أن كلاً من واشنطن وطهران يعارضان مطالب المحتجين بإلغاء النظام فموقف الولايات المتحدة الأميركية واضح في دعم النظام، كما يتضح من المحادثة الهاتفية التي أجراها وزير الخارجية الأميركي “بومبيو” مع رئيس الوزراء العراقي “عبد المهدي” في اليوم السادس من الاحتجاجات حيث تحدث عن “قوة وعمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين ” في حين أن دماء المتظاهرين الذين قتلوا لم تجف بعد.

وزارة الخارجية الأميركية التي تهتم إلى حد كبير بتأمين قواعدها، لم تعلق في البداية على القمع الدموي للمتظاهرين ومع ذلك، في نهاية شهر تشرين الأول / أكتوبر وبعد ورود أنباء عن أن إيران قد أبرمت اتفاقًا مع الأحزاب السياسية العراقية الرئيسية لإبقاء “المهدي” في السلطة وقمع الاحتجاجات بدأت واشنطن في الحديث عن “احترام مطالب المحتجين”.

يفسر المجلس الأطلسي وهو مركز أبحاث موالٍ لأميركا حول العلاقات الدولية، يفسر بالتحديد سبب التزام الولايات المتحدة الصمت حيال الانتفاضات في العراق: “إذا قررت الحكومة إجراء إصلاح حقيقي فسوف تحتاج إلى دعم من المجتمع الدولي حول هذه النقطة، يجب أن تكون الولايات المتحدة حذرة في حين أن دعوات السفارة الأميركية لتجنب العنف مناسبة بالتأكيد و من المهم أن نتذكر أن العراقيين  تعبوا من التدخل الإيراني في حين أن الولايات المتحدة حتى الآن  لا يبدو أنها محور الاحتجاجات.

وأظهر استطلاع للرأي أن معدل التأييد للولايات المتحدة بلغ 22 بالمائة وهو أعلى من معدل تأييد الإيرانيين  الذي بلغ 16 بالمائة، ومع ذلك أشار الاستطلاع أيضًا إلى أن ما يقارب  43 في المائة من العراقيين يعتقدون أن الولايات المتحدة تؤثر على العراق بطريقة مهمة وأن 53 في المائة يعتقدون أن غزو عام 2003 كان “لاحتلال العراق ونهب ثروته”. وتشير هذه الأرقام إلى أن إن الاستجابة المرئية من الولايات المتحدة قد تزيد الأمور سوءًا”.

انتفاضة عراقية بدأها الشيعة

نشأت الاحتجاجات ضد الحكومة التي يقودها الشيعة في المحافظات الوسطى والجنوبية من العراق والتي كانت بحكم العادة العمود الفقري للنفوذ الإيراني في البلاد، لكن هذه ليست انتفاضة شيعية هذه انتفاضة عراقية، وحاول العرب السنة في العراق وضع حد لهذا النظام لكنهم فشلوا وأدت احتجاجاتهم في عام 2013 إلى ظهور “داعش” وتدمير مدنهم.

في العاصمة ترمز اعتصامات الطلاب وإضراباتهم إلى أمل جيل شاب يتوق إلى سياسة غير طائفية، لكن في الجنوب كان غضب الناس أكبر، حيث الميليشيات التي تدعمها ميليشيات أخرى أقوى من الدولة أو هي الدولة نفسها، حيث يمكن لحزب أو ميليشيا السيطرة على جهاز الأمن.

في العمارة على سبيل المثال أحرق جمعٌ من المحتجين مقر ميليشيا قوية تدعمها إيران و فتح الحرس النار. وخلال التصادمات اللاحقة قام المتظاهرون بسحب قائد الميليشيا المصاب من سيارة الإسعاف وقتلوه واقتحم المحتجون القنصلية الإيرانية في النجف مقر رجل الدين الشيعي في العراق واتهموا السلطات العراقية بالتحول ضد شعبهم للدفاع عن إيران.

صحيفة “الغارديان” البريطانية، ذكرت في 29  تشربن الثاني / نوفمبر: “في البداية ، احتج بضع عشرات فقط” ، وفقًا لمتظاهرٍ يبلغ من العمر 22 عامًا في مدينة الشطرة :”لكن عندما سمع السكان المحليون الرصاص ورأوا أن أولادهم قد قتلوا تركوا منازلهم و أصبحت المسألة مسألة شرف، لقد قررنا تحرير مدننا من هذه الجماعات“.

الكثير من السياسيين العراقيين الأقوياء وقادة الميليشيات ينحدرون من الجنوب، حيث شكلت فئة الشباب في تلك المنطقة العمود الفقري للميليشيات الشيعية التي حاربت تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، و يقول النشطاء إن الغضب تجاه الميليشيات والأحزاب السياسية بدأ بعد هزيمة “داعش” عندما عاد الشباب من الخطوط الأمامية للقتال واكتشفوا أن قادتهم أصبحوا أمراء حرب وراكموا عقود العمل والثروة.

محمد” ناشطٌ في مجال حقوق الإنسان وناشط في مجال مكافحة الفساد قال: “الكثير من السياسيين والمسؤولين يأتون من هذه المنطقة ومع ذلك فهي مقاطعة فقيرة للغاية”. وأضاف الشاب :

خلال الانتخابات يقدم السياسيون للناس البطانيات وبعض البطاقات الهاتفية ويقدمون وظائفًا في الشرطة لبعض الرجال، وربما يعبّدون طريقًا هكذا يفوزون بالأصوات،  بعد 16 سنة من الحكم الشيعي، يقول يعض الأطفال أنّ الحكم كان أفضل في عهد “صدام حسين”.

من هم الحشد الشعبي؟ أطفالنا هم الحشد. صعد هؤلاء السياسيون والقادة على ظهورهم لتحقيق هدفهم واكتساب القوة والثروة. “

بالنسبة لـ”محمد“: “انهارت مكانة رجال الدين الشيعة، وإذا جاء قائد ميليشيا الآن إلى الميدان  فسيتعرض للضرب بالأحذية، في الجنوب ، وقعت بعض أكثر الحوادث دموية منذ اندلاع الانتفاضة”.

يحكم العراق تقاسم السلطة بين الأحزاب الدينية والعرقية، كلّ حزب لديه ميليشياته الخاصة والتي هي أيضًا منقسمة داخلياً وترغب في الحصول على أكبر قدر ممكن من القوة الاقتصادية والسياسية ويجلس قادة الميليشيات الذين ينتمون إلى هذه الجماعات في المجالس الإدارية ويتحكمون في الموانئ والحدود وحقول النفط والتجارة وما إلى ذلك.

تعتبر مدينة البصرة مثالاً جيدًا حيث يسيطر حزب “الدعوة” الشيعي على حقل البرجسية النفطي وحقول شبعا والمثنى للغاز ومطار البصرة الدولي وميناء أم قصر.

 مجموعة أخرى تتألف من “عصائب أهل الحق” وميليشيا “بدر” تسيطر على ميناء أبو فلوس وخط السكة الحديدية، ميليشيا “التيار الصدري” تسيطر على ملعب المدينة ومعبر الشلامجة الحدودي مع إيران.

الحكمة” كتلة إسلامية شيعية، تحرس حقل الرميلة النفطي الشمالي، وميناء المعقل، ومنفذ سفوان الحدودي مع الكويت، وتم التحكم في مناطق أخرى مثل ميناء خور الزبير وإعادة هيكلة جامعة البصرة من قبل العشائر مثل “البطاط”.

العقود التجارية تذهب فقط للشركات أو الأشخاص المرتبطين بالأحزاب الحاكمة وميليشياتها. الفساد مستشرٍ، تطبيق القانون غائب تمامًا.

واقع الأحزاب السياسية وميليشياتها مزدهرٌ دائمًا باستخدام عائدات الدولة لإثراء نفسها، بدءاً من المصانع والزراعة إلى السياحة، والخدمات المصرفية الإسلامية والمدارس الخاصة و يتم دفع رشاوى عقود الدولة مع الشركات الأجنبية من خلال الأحزاب والميليشيات التي تسيطر على الوزارات.

في المناطق ذات الأغلبية السنية الشمالية من محافظة الأنبار والموصل، والتي قصفت خلال الحرب ضد “داعش“، لا تكتلات في الشوارع ليس بسبب نقص الدعم ولكن بسبب العمل القمعي ضد أي تلميحٍ عن المعارضة، حتى أولئك الذين عبروا عن تضامنهم على “فيسبوك” من تلك المناطق يتم اعتقالهم من قبل قوات الأمن بعد أن جاهرت السلطات أن أي شخص يعارض الحكومة سيعامل على أنه “إرهابي” ومتعاطف مع “داعش“.

فيما يتعلق بموقف الأكراد، يخشى الزعماء الأكراد أنهم سيكونون في الجانب الخاسر إذا حدث أي تغيير في النظام السياسي الحالي لأن تعديل الدستور العراقي سيؤثر على حقوقهم المكفولة. وهم بالتالي لا يعارضون الحكومة العراقية ورئيس الوزراء “المهدي“.

انتفاضة الشباب العراقي

هيمن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و 23 سنة على الانتفاضة الحالية، ولم تعد الأجيال الشابة تؤمن بالأحزاب السياسية وقادة البلاد في ميدان التحرير ببغداد و أقام المتظاهرون “جدار الأمنيات” وفق ما أوردته وكالة “رويترز” في 26  تشرين الثاني / نوفمبر.

فاطمة عوض” 16 سنة قالت: “لقد كرهت العراق قبل 25 تشرين الأول / أكتوبر والآن أنا فخورة به”. “لم يكن لدينا مستقبل ولم يكن ليحتج أحد لأن الجميع كانوا خائفين، لقد اجتمعنا جميعًا الآن لنكون معًا في ميدان التحرير “.

البطالة مرتفعة بشكل خاص بين الخريجين، حيث تبحث الغالبية العظمى منهم عن عمل في القطاع العام لأن القطاع الخاص ضعيف للغاية. العوامل المسببة للأزمات النفسية المرتبطة بالبطالة في ازدياد، بما في ذلك الانتحار وإدمان المخدرات والاكتئاب حيث عززت البطالة الجريمة المنظمة وشجعت العديد من الشباب على الانضمام إلى الميليشيات.

بالإضافة إلى الركود الاقتصادي انهار النسيج الاجتماعي للعراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية عام 2003. وقد أدى الاحتلال إلى تفاقم الدمار الذي عانى منه العراق بالفعل نتيجة حرب الخليج عام 1991، والحصار الاقتصادي القاتل منذ عام 1990. ولكن على الرغم من هذا الواقع القاتم، فإن شباب العراق هم القوة الدافعة وراء الاحتجاجات المستمرة.

موجة “الأمل في مستقبل أفضل” لا تأخذ مجراها فقط داخل العراق ولكن أيضًا بين العراقيين في الشتات وبلاد الاغتراب من سيدني إلى تورونتو وأيضاً في بلجيكا حيث يتم تنظيم حملات تضامن مع الثورات.

سندس عبد الهادي” فنان ومؤلف عراقي – كندي  كتب في موقع Medium.com في 1 تشرين الثاني /  نوفمبر: “أود أن أقول إن معظمنا في الشتات مهووس بما يحدث في وطننا الأم، نحن بالقلب والروح مع الناس في العراق بدون وسائل التواصل الاجتماعي، لا أعرف ما الذي سأفعله، إنها تتيح لنا الفرصة لإجراء اتصال مباشر مع الناس في العراق، لتبادل رؤيتهم وخبراتهم”.

ويضيف “سندس”: الذي يحدث يتناقض تمامًا مع الصور الأحادية الجانب التي خرجت إبّان حرب العراق عام 2003 من قبل الصحفيين . (…)هذه الثورة هي أيضًا لنا لمن نحن خارج العراق النازحين أو المنفيين و الذين يتوقون دائمًا للعودة ويعيشون في حنين وصدمات، إن الأمر يعود للعراقيين الذين سُلبوا أرضاً ليعودوا إليها،  بالنسبة للعراقيين مثلي  الذين أنجبوا أطفالاً في البلدان البعيدة ، وهمسوا في آذانهم بأنهم عراقيون على الرغم من حقيقة أن العراق هو مكان وهمي وأسطوري ابتلى بالحرب وعدم الاستقرار “.

في الجزء الأمامي من الساحة على حافة جسر الجمهورية يوجد “مبنى مطعم التركي” الذي يتألف من 14 طابقًا ويطلّ على ميدان التحرير وجسر الجمهورية (الذي يؤدي إلى المنطقة الخضراء) وهو القلب النابض للثورة وتمّ السيطرة عليه الآن من قبل المتظاهرين الشباب الذين تعهدوا بعدم مغادرة المبنى.

 توجد نقاط تفتيش في جميع المداخل المؤدية إلى المبنى وساحة التحرير حيث يتحقق المتطوعون الشباب من حيازة الأسلحة المحظورة في جميع الأوقات في الميدان.

لكل طابق من المبنى وظيفة مختلفة: طابقٌ للفنانين والرسامين، طابقٌ للموسيقيين، طابقٌ للمكتبة، طابقٌ للأمن وما إلى ذلك. مبنى المطعم التركيّ مهجورٌ منذ عام 2003 بعد أنّ تمّ قصفه في العام ذاته ولم يعاد بناؤه أبدًا و توجد في جميع الطوابق أماكن للنوم وتم بناء مراحيض بالإضافة لتوفر خدمة التنظيف.

المطالبة بتغيير النظام واستعادة الهوية الوطنية

بول بريمر” الدبلوماسيّ الأميركيّ والمبعوث الشخصيّ للرئيس “جورج بوش” الابن الذي حكم العراق حكماً مدنيًا في فترة من الفترات بعد عام 2003، يعاني العراق إلى اليوم بسببه من عملية الخصخصة الرأسمالية التي أدخلها ولم يتم إلغاؤها من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة ويطالب المتظاهرون – ربما بغير علم – بالعودة إلى دولة الرفاه التي أنشأها نظام البعث حيث كان مستوى معيشة الشعب العراقي أعلى بكثير منه اليوم فالاستقطاب بين النخبة والشعب ناجم عن السياسة الاقتصادية النيوليبرالية (الخصخصة ، أزمة الوظائف ، إلخ) وعسكرة الاقتصاد.

المطلب الأكثر إصرارًا في ميدان التحرير هو تفكيك النظام الطائفي والسياسي والإسلامي بأكمله ووضع حد للسيطرة الأجنبية للبلاد، هذا هو الطلب الأول والأهم فالناس يريدون تغيير الدستور وطرد الأحزاب السياسية الحاكمة وإلغاء قواعد الانتخابات الطائفية وإلغاء جميع المعاهدات مع البنك الدولي.

الشعب العراقي يريد استعادة سيادته وطرد الجيش الأميركي وقواعده وطرد الوجود الإيراني وطرد الجيش التركي وتدويل قضية نهري دجلة، ويطالب المحتجون على الدوام الفصل بين الدين والسياسة و يستخدم الشباب العراقي كلمات مثل المواطنة والعدالة الاجتماعية في مقابل الهوية الدينية أو العرقية التي فرضها رجال الدين والحكام المؤثرون على الشعب العراقي.

لقد بذل الاحتلال الأميركي قصارى جهده لمحو الهوية الوطنية العراقية ولإبقاء البلاد منقسمة عرقياً ودينياً مما أدى إلى نشوب صراعات طائفية دامية لكن هذا التكتيك لم يعد يعمل ولم يأخذ مجراه الذي رسمته الولايات المتحدة.

ضمن مقالة نُشرت باللغة الألمانية من قبل مؤسسة روزا- لوكسمبورغ ، كتبها كلّ من “أنصار جاسم” و”شلوة سما” من ميدان التحرير، قال أحد الناشطين: “هذه حركة لنا جميعًا، منشأك لا يلعب دورًا ، هنا فنحن جميعًا مكبوتون من قِبل طبقة سياسية واحدة”..

الملصقات التي تحظر أي لغة طائفية موجودة في كل مكان، و يشير الناس إلى العناصر التي لعبت دورًا موحدًا في التاريخ العراقيّ والرموز والرسومات الإسلامية والمسيحية تزين ميدان التحرير.

و يمكن رؤية النصوص المسمارية والأشكال من تراث بلاد ما بين النهرين في المنطقة، فليس للمتظاهرين هوية عربية إسلامية حصرية كما كان من قبل. هم يريدون هوية تعكس تنوع البلاد و يتحدثون مرارًا وتكرارًا عن مختلف المجموعات الاجتماعية والعرقية والدينية الموجودة في الميدان.

تدعم المظاهرات جميع الجماعات الدينية والعرقية، ودعم المندائيون (المندائية أو الديانة الصابئية أو ديانة الصابئة وهي ديانة إبراهيمية موحدة) مطالب المتظاهرين ووزعوا الطعام عليهم، وألغى بطريرك بابل للكلدان الكاردينال، بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية “لويس رافائيل ساكو” مقابلة مخططة في هنغاريا واختار “البقاء في بغداد خلال هذا الوقت الصعب” بحسب قوله. وفي بيان مشترك شكر “ساكو” و قادة المجتمعات المسيحية الأخرى “الشبان والشابات الذين هم مستقبل العراق، على احتجاجاتهم السلمية وكسر الحواجز الطائفية في البلاد والتأكيد على الهوية الوطنية العراقية”.

الشعارات العربية بجانب الشعارات الكردية في كل مكان في الساحة، خيمة كردية عربية تدعو المتظاهرين لتناول الشاي مجانًا وهناك أيضًا تضامن كبير من مجتمع اليزيديين الذي يرسل الأموال وينقل أيضًا الطعام والماء إلى الساحة حتى لو لم يكن لديهم وجود مباشر وواضح في الساحة فإنهم يعبّرون عن دعمهم للتغيير الذي قد يؤدي إلى تجديد الهوية العراقية.

لكن نقطة مهمة ترد هنا وهي أن الزعماء الدينيين الذين يديرون البلاد غير مرحب بهم في الساحة رغم أن بعضهم يدين “مقتدى الصدر” لكنهم يتحملون المسؤولية المشتركة عن نهب البلد. “لا تجعل الموجة تحيد عن مسارها، يا مقتدى” هو شعار شعبيّ ، وكذلك “باسم الدين، يتصرف السياسيون كاللصوص!”

يشار إلى أن، استقالة رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي ” كانت تنازلًا واضحًا للمتظاهرين الذين قالوا فيما بعد أن مطلبهم هو نظام سياسي جديد تمامًا وليس إزالة شخص واحد.

لا لـلمحاصصة

تسبب الدستور العراقي في غضب الشعب العراقي منذ عام 2005 وأثار الدستور احتجاجات مستمرة “لا للمحاصصة لا للطائفية السياسية”. ردد وغنى المتظاهرون في ميدان التحرير بعد استقالة رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. وقد رسخ الدستور المثير للانقسام “محاصصة” في المجتمع العراقي، وتعتبر المحاصصة نظامًا متبعًا لتوزيع المناصب العامة والمناصب السياسية وموارد الدولة على أسس عرقية وطائفية بين الأحزاب التي تشكل جزءًا من النخبة الحاكمة في البلاد.

من أكبر الأمراض التي نشرها نظام المحاصصة في جسد العراق وفقًا للمتظاهرين والخبراء العراقيين أنها دفعت بالتوترات الطائفية للواجهة وحطمت النسيج الاجتماعي بوضع الهويات الطائفية العرقية في المقدمة.

على الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية قدمت نظام المحاصصة هذا بعد الغزو عام 2003 إلا أن أسس النظام وضُعت في أوائل التسعينات من قبل جماعات المعارضة العراقية والتي شرعت نظامًا للتمثيل المتناسب للسنة والشيعة والأكراد وغيرهم من الجماعات الطائفية العرقية في العراق.

الأستاذ الجامعي “سعد ناجي جواد” كتب بشكل مكثف عن الدستور العراقي الكارثي ونستخلص هنا من تحليله أنه عندما وصل القنصل الأميركي “بول بريمر” إلى بغداد في أيار / مايو 2003 ، لم يكن لديه أي علم مسبق بالسياسة العراقية لكنه بدأ فورًا في إصدار أوامره المائة والتي لا يزال الكثير منها ساريًا حتى اليوم.

شكّل “بريمر” أيضًا هيئة حاكمة وهي مجلس الحكم العراقي الانتقالي (IGC) الذي يتكون من أشخاص تم اختيارهم على أساس الطائفة والخلفية العرقية، والأهم من ذلك على قدر ولائهم للولايات المتحدة الأميركية و كانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ العراق التي يتم فيها الاتفاق على أساس طائفي وعرقي حيث أن 65٪ من أعضاء اللجنة الحكومية الدولية يحملون جنسية مزدوجة.

عيّن مجلس الحكم العراقي الانتقالي لجنة لمراجعة مسودة الدستور الجديد و تأثرت هذه المسودة بقوة بالمصالح السياسية الأميركية وكتبها مستشارون أميركيون ولا سيّما الأستاذ اليهودي الجنسية “نوح فيلدمان” و“بيتر غالبريث” بمساعدة اثنين من العراقيين المهاجرين الذين يحملون الجنسية الأميركية والبريطانية ولم يطأوا العراق منذ الطفولة و لم يكن أي من المؤلفين خبيرًا في القانون الدستوري وهذه الوثيقة نفسها كتبت باللغة الإنجليزية وترجمت إلى اللغة العربية.

كانت اللجنة التي عينها المجلس تفتقر إلى ممثلي منظمات المجتمع المدني ولم تُنشر مناقشات اللجنة على الملأ وعينت اللجنة مستشارين معظمهم أجانب لم يتم الكشف عن أسمائهم مطلقًا. وبعد أيام قليلة من تعيينهم قُتل عضوان سنيان في لجنة التحرير بالإضافةِ لمستشارٍ اعترض على المسودة المقترحة وبعد بضعة أيام  اختطف عضو سني آخر في اللجنة وقتل بعدها بأيام وكانت النتيجة أن ممثلي السنة أوقفوا مشاركتهم وطالبوا بالتحقيق في مقتل زملائهم.

العناصر المهمة في الوثيقة لم تتم مناقشتها أصلاً، ومع ذلك  كان للأعضاء الأكراد أفكار واضحة حول ما يريدون وكان لديهم فريق من الخبراء الأميركيين والأوروبيين الذين سبق ونصحوهم.

وطُلب حينها من مجلس الحكم العراقي الانتقالي المصادقة على الدستور وفعل ذلك بتغييرات طفيفة فقط وكان اعتراض المجلس الرئيسي هو أن القانون الجديد لم يشر إلى الإسلام باعتباره الدين الرسمي للدولة  وتمّ إدراج المادة 7 بعد إلحاحهم.

كلمة “الطائفة” ذكرت عدة مرات في الدستور (على سبيل المثال ، المادتان 12 و 20) وهنا يمكننا القول أن هذه الكلمة المثيرة للانقسام لم تدرج في الدساتير العراقية السابقة ورفض استخدامها عدد كبير من العراقيين، وكان العراقيون الوحيدون الذين وافقوا على استخدام المصطلح هم أولئك الذين شاركوا في العملية السياسية.

لم يكن العراقيون على دراية بتفاصيل الدستور لعدم توفر نسخة عامة عنه و أشار بعض خبراء القانون الدستوري العراقي والأكاديميين إلى مخاطر البنود الدستورية المثيرة للخلاف إلا ما نشر بناءً على عدد قليل جدًا من التسريبات الصحفية التي تعرض ناشروها للتهديد من قبل الشرطة والميليشيات غير المعروفة.

ينص الدستور العراقي على أنه في حالة وجود تضارب بين القوانين المركزية وقوانين الحكومة الإقليمية تُعطى الأولوية لقوانين الحكومة المحلية و ربما تكون هذه هي المرة الوحيدة في التاريخ الدستوري الحديث التي تأسس فيها دستور بهذ التسلسل الهرمي.

ومباشرة بعد اعتماد الدستور  أصدرت المنطقة الفيدرالية الكردية دستورها المحلي الخاص الذي تضمن العديد من البنود التي تتعارض مع أحكام الحكومة المركزية وخاصة فيما يتعلق باستغلال الثروة الوطنية والإقليمية، مثل النفط.

النساء العراقيات كنّ غير راضيات عن الدستور لأنه تم إلغاء “الحالة الشخصية التقدمية” لعام 1959 مع جميع التعديلات المتقدمة (المادة 41).

في تشرين الأول / أكتوبر 2005، صوت العراقيون على دستور دائم لم يرونه أو يقرؤونه أو يدرسوه أو يناقشونه أو حتى يصيغوه، والأسوأ من ذلك كله هو أنهم صوتوا لصالح وثيقة غير مكتملة و اتبعوا تعليمات قادتهم السياسيين والدينيين ولم تدرك الغالبية أن هذه الوثيقة ستصبح مصدرًا رئيسيا للبؤس.

الحكم الوارد في الدستور لإبقاء الحكومة المركزية أضعف من السلطات الإقليمية تتسبب في مشكلة مزمنة للدولة و ركز الخطاب السياسي العراقي حينها على العرق والدين بدلاً من الجنسية العراقية.

تتمتع المكونات المختلفة داخل العراق باستقلالية كبيرة وتتبع سياسة خارجية مستقلة، على سبيل المثال لا يوجد اعتراض على سياسة التحالف المعلنة بين زعماء قبائل “البرزاني” و”إسرائيل” و يمكن لسياسي عراقي مثل “مثال الألوسي” زيارة فلسطين المحتلة – بناءً على دعوة من الحكومة الإسرائيلية والتحدث والدعوة صراحةً إلى تحالف مع إسرائيل و كان “الألوسي” نفسه أحد المسؤولين عن اجتثاث البعث وهو القرار فجّر الدولة العراقية.

لا عجب أنّ هذا الدستور بالنسبة للعراقيين سيبقى مثيراً للجدل و يحوم الشكّ والغموض حول معظم بنوده فقد قوض هذا الدستور وحدة الدولة العراقية وبقائها.

دور النقابات العمالية في الانتفاضة

النقابات العمالية كانت موجودة في الاحتجاجات لكن ليس في المقدمة، فقبل أشهر من اندلاع الانتفاضة قام موظفو القطاع العام في وسط وجنوب العراق بمن فيهم عمال الغزل والنسيج في الديوانية وعمال البلديات في المثنى وعمال الجلود في بغداد  بصياغة مطالب بتحسين الأجور وظروف العمل الآمنة والسكن اللائق والوظائف الدائمة لكن هذه المطالب تلاشت في الخلفية منذ بدء الاحتجاجات.

في اجتماع عُقد في البصرة في 28 تشرين الأول / أكتوبر ، شكلت نقابات المحامين والمدرسين والموظفين لجنة حثت النقابات الأخرى على دعم مطالب المتظاهرين بدلاً من مطالبهم المختصة بقطاعاتهم.  وبحسب رأيهم  سيكون دور النقابات أكثر فعالية إذا أظهروا تضامنهم مع المتظاهرين بدلاً من لعب دور قيادي في الانتفاضة التاريخية.

وأصدرت معظم النقابات العمالية إن لم تكن كلها بيانات صحفية لدعم حركة الاحتجاج حيث دعا الاتحاد العام لنقابات العمال العراقية والاتحاد الرسمي الوحيد في العراق الحالي  الذي يهيمن عليه “الصدريون” إلى “التضامن” مع التمرد دون مطالبة العمال بالمشاركة في المظاهرات ونصح الاتحاد  المتظاهرين بـ “حماية الممتلكات العامة والحفاظ على اتصال جيد مع قوات الأمن”.

وأدان الاتحاد العام لنقابات عمال العراق أعمال الحكومة العنيفة ونظموا اعتصامات خارج شركات النفط والمصافي في البصرة والناصرية وميسان كما نظموا مظاهرات في بغداد وبابل وأنشأوا الخيام في الناصرية وجلبوا الطعام والشراب للمتظاهرين.

في اجتماع جماهيري في شركة نفط البصرة طالبت النقابات بوضع حد للقمع ومع ذلك وعد القسم المحلي بمواصلة الإنتاج وإزاحة المتظاهرين الذين منعوا الوصول للحقول حيث  يتم تنفيذ أكثر الأعمال تشددًا من قبل العاطلين عن العمل والعمال الفقراء وليس من جانب عمال النفط الذين يعاقبون بشدة إذا ما أعلنوا إضرابهم.

حتى الآن تلقى المتظاهرون الأكثر خطورة أقسى الضربات، وكان الفقراء والعاطلين عن العمل والأشخاص الذين ليس لديهم ما يخسرونه هم الذين يحتلون الخطوط الأمامية ويتحدون شرطة مكافحة الشغب والميليشيات وحتى القوات شبه العسكرية الإيرانية ولكن ولإحداث تغيير حقيقي يتعين على الطبقة العاملة المنظمة أن تلعب دوراً أكبر في الحركة إذا أراد الشعب العراقي دولة تدافع عن مصالحها بالفعل.

جميع الطبقات الاجتماعية تشارك في المظاهرات

في ميدان التحرير تقدم جميع الأفران والمطاعم والأطباء والممرضون ومصففي الشعر خدماتهم مجانًا، تتظاهر العائلات من جميع الطبقات والأحياء معاً تحت وسم “هاشتاغ” # نازل_اخذ_حقي # (أنا أتظاهر للمطالبة بحقوقي)، جحافل من الطلاب يتركون المدارس الثانوية والجامعات للمشاركة في الاحتجاجات كما انضمت النقابات العمالية إلى الانتفاضة وفقًا لاستطلاع للرأي أجري العام الماضي وأيد 77٪ من الشعب العراقي انتفاضة 2018 (في كردستان العراق كانت نسبة التأييد 53٪) و من المحتمل أن يكون دعم الثورة حاليًا أعلى من ذلك.

لكن على وجه الخصوص أصبح سائقو التوك تك رمزا للثورة بامتياز، والتوك تك هي مركبة ذات ثلاث عجلات تعمل كسيارة أجرة للفقراء ولكنها الآن رمز للثورة نفسها حيث أنّ صور هذه العربة ليست فقط موجود على الجدران المحيطة بالميدان بل حتى أنّ المحتجين كتبوا عنهم الأغنيات ونقلت أخبارهم الصحف التي تتابع أحوال الثورة والمسماة أيضا بالتوك توك.

سائقو التوك تك تعرضوا سابقًا للتهميش الاجتماعي والتمييز ضدهم و معظمهم من الشباب، سائقون دون السن القانونية وليس لديهم خيار آخر سوى القيام بهذه المهمة بالنظر إلى ارتفاع معدلات البطالة وانتشار الفقر.

الآن ينقل سائقو هذه العربة المتظاهرين الجرحى ولديهم أيضًا وظيفة لوجستية فهي المركبات الوحيدة المسموح بها في ميدان التحرير و تنعكس زيادة الاعتراف الاجتماعي بهم بالمزيد والمزيد من التبرعات من المتظاهرين الآخرين وخاصة من الطبقات الاجتماعية الأخرى وهذا أمر ضروري لأن هؤلاء السائقين الشباب غالباً ما يقدمون خدماتهم مجانًا.

المجموعة الأخرى التي غيّر العراقيون رأيهم فيها منذ 1 تشرين الأول / أكتوبر هي سكان محافظة ذي قار الجنوبية حيث وقعت بعض الاحتجاجات الأكثر عدوانية هناك عندما أشعل المتظاهرون النار في مكاتب الأحزاب السياسية وسيطروا بنسبة لا بأس بها على الناصرية عاصمة المقاطعة، و في غضون ذلك اكتسب متظاهرو ذي قار مكانة بطولية بين أبناء بلدهم هذا على الرغم من حقيقة أن سكان المدينة كانت لهم سمعة سيئة منذ عقود و غالبًا ما يوصفون بأنهم ثمار “سيئة” سقطت من “الشجرة الملعونة ” فإذا فعل شخص ما شيئًا ما في مكان ما قيل إن الشخص “ربما يأتي من الناصرية”.

منذ بدء المظاهرات اُمتدح شعب الناصرية لشجاعته “نحن المتظاهرون في بغداد نحاول عبور الجسر إلى المنطقة الخضراء منذ أسابيع” وهو شعار في ميدان التحرير “نحن نطلب الآن من زملائنا المتظاهرين في الناصرية مساعدتنا في القيام بذلك بشكل أسرع”.

للمرأة مكانة بارزة في الثورة العراقية

تم تهميش النساء وإسكاتهن منذ فترة طويلة من قبل الإسلاميين المحافظين والآن قرروا أن يسمِعن أصواتهنّ في النهاية عندما انضممن إلى حركة الاحتجاج بشكل جماعي في مجتمع لا يتم الخلط فيه عادة بين الجنسين وهنا يعني الاحتجاج إلى جانب الرجال أنه تم كسر أحد المحرمات.

هذه الثورة أيضًا هي ثورة ضد التقاليد والقواعد القديمة، يمشي الرجال والنساء فيها يداً بيد ويعانقون بعضهم بعضاً وقد يقبلون بعضهم لكن في الخفاء. ليس هناك شك في أن الانتفاضة هي نقطة تحول بالنسبة للنساء لكن الطريق إلى حريتهن وحقوقهن ما زال مليئًا بالعقبات حيث يعد كسر الحاجز المصطنع بين الرجال والنساء من أجمل وأهم نتائج هذه الانتفاضة التاريخية.

تأتي النساء من جميع قطاعات المجتمع مع أو بدون الحجاب، المسلمات، المسيحيات، الشابات، السيدات، العجائز، نساء من الطبقة المتوسطة ومن الطبقة العاملة وربات البيوت، يشاركن جميعًا في الخطوط الأمامية أو كداعمين لوجستيين، نستطيع القول هنا أن هذا التطور هو تطور يدعو للتفاؤل ولن تتمكن أي قوة من عكس اتجاهه على الرغم من كل الجهود والمال الذي أنفقه الإسلام السياسي لفرض ثقافته الإقطاعية.

النساء اللواتي يتظاهرن ويقدمن المساعدة ويقضين الليلة في ميدان التحرير يشعرن أيضًا بالأمان التام، حيث  صرح مكتب مفوضية حقوق الإنسان العراقي في 6 نوفمبر / تشرين الثاني بأنه “منذ بدء المظاهرات في مختلف المحافظات العراقية لم تحدث أية حالة من التحرش أو المضايقات للنساء على الرغم من مشاركة الآلاف منهن”.

هل إيران هي العدو الكبير؟

على الرغم من أن إيران نفسها مهددة من قبل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وتعاني من نظام عقوبات مفروض عليها، فقد عملت مع الولايات المتحدة منذ عام 2003 لتهدئة البلاد وتشكيل النظام الطائفي. لقد سعى السفيران الإيراني والأميركي بنشاط إلى وقف أي محاولة عراقية للاستقلال. يتعين على كل من الولايات المتحدة وإيران الموافقة على تشكيل الحكومة بعد كل انتخابات في المنطقة الخضراء الآمنة. في الوقت نفسه ، العلاقات متضاربة للغاية حيث تقاتل كل من واشنطن وطهران بعضهما البعض للسيطرة الكاملة على العراق.

أصبح من الواضح أيضًا أن المهمة الأميركية في العراق وُضعت لإنشاء نموذج موالي لأميركا في المنطقة ومعقل ضد النزعة العسكرية المناهضة للولايات المتحدة لكنها صنعت العكس تمامًا.

كان الهدف من هزيمة العراق هو توضيح مدى قدرة القوة النارية الأميركية على تخويف المنطقة وإخافة ما يسمى “الدول المارقة“. بدلاً من ذلك، عززت السياسة التي حددها المحافظون الجدد وإسرائيل وشركات النفط  قوة إيران  القوة الإقليمية الوحيدة التي تصمد أمام كل هذا الضغط  وأصبحت الآن “الدولة المارقة” الجديدة.

لقد ازدهر وضع إيران الإقليمي بطريقة كانت شبه مستحيلة أن تتم  بدون هذه الخلفية من السياسة الامبريالية الفاشلة.

محمد علي أبطحي”  نائب رئيس مجلس إدارة الشؤون القانونية والبرلمانية الإيراني أوضح في مؤتمر “تحديات الخليج والمستقبل”  الذي عقد في أبو ظبي في كانون الثاني/ يناير 2004 من قبل مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية، أوضح دور إيران في احتلال العراق. وقال “أبطحي” عن دور الميليشيات والمخابرات الإيرانية في العراق وأفغانستان: “لم يكن سقوط كابول وبغداد سهلاً لولا مساعدة إيران”. أصبح التهديد الإيراني الآن وشيكًا، وقد ساعدت الأنظمة الاستبدادية الموالية لأميركا في مصر والسعودية والأردن على تحقيق ذلك.

في بداية أذار / مارس 2015، أفادت عدة صحف عربية أن “علي يونس” أحد كبار مستشاري الرئيس الإيراني “حسن روحاني”  أعلن أن بغداد هي عاصمة “إمبراطورية فارسية جديدة”. بقوله “:”أصبحت إيران اليوم إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ والعاصمة الآن بغداد في العراق وهو ما يعكس مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما كان في الماضي”.

ونقلت حينها وكالة أنباء “إسنا” مداخلة “يونس” في منتدى في طهران بعنوان “الهوية الإيرانية” حيث ذكر المستشار أن “إيران والعراق غير قابلتين للتجزئة جغرافيا”. وندد “يونس” الذي كان وزيراً للإعلام في حكومة “الإصلاح” للرئيس “محمد خاتمي” بأي شخص يعارض التأثير الإيراني في الشرق الأوسط بقوله: “سندافع عن جميع شعوب المنطقة لأننا نعتبرها جزءًا من إيران و سنحارب التطرف الإسلامي والتكفيري والملحدين والعثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهيونية “.

وأكد “يونس” على استمرار دعم طهران للحكومة العراقية وبعث برسالة واضحة إلى تركيا: “منافسينا، الورثة التاريخيون للإمبراطورية الرومانية الشرقية، العثمانيين، يكرهون دعمنا للعراق.” وكشف المستشار يومها في خطابه أنّ بلاده تخطط لإنشاء “اتحاد إيراني” في المنطقة:

“من خلال الاتحاد الإيراني لا نعني إزالة الحدود ولكن يجب أن تكون جميع الدول المجاورة للهضبة الإيرانية قريبة لا أقصد أننا نريد غزو العالم من جديد لكن يجب أن نستعيد مكانتنا التاريخية ونعزز التفكير والتصرف الإيراني على الصعيد العالمي “.

لفهم الموقف الغامض لإيران، يجب أن نعود إلى الثورة الإسلامية في إيران ما بين عامي 1978-1979، والتي رحبت بها الحكومة العراقية في البداية، لأن الشاه كان بالنسبة للبلدين عدوًا مشتركًا .ومع ذلك، رأى “آية الله الخميني” أن نظام البعث القومي العلماني الذي كان يتزعمه “صدام حسين” غير إسلامي و “مبعوث من الشيطان”.

دعوة “الخميني” في حزيران / يونيو 1979 للشيعة العراقيين للإطاحة بنظام البعث قوبلت بالترحاب في بغداد و بين عامي 1979-1980 كانت هناك أعمال شغب ضد البعث في المناطق الشيعية في العراق، وقدمت الحكومة الإيرانية دعماً واسع النطاق للمقاتلين الشيعة العراقيين لإطلاق ثورة إسلامية و اعتُبرت الدعوات المتكررة لإسقاط نظام البعث ودعم الجماعات الشيعية العراقية من قبل النظام الجديد في إيران تهديدًا وجوديًا في بغداد.

الإسلاميون الإيرانيون والإسلاميون الشيعة الثوريون ضد القومية العربية العراقية العلمانية هذا كان محور الصراع بين البلدين. وعاد العديد من الحكام الحاليين في العراق، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق “المالكي”  من إيران إلى العراق على ظهر الدبابات الأميركية ولعبت الدوافع الانتقامية دورًا رئيسيًا، وقُتل ضباط من الجيش العراقي السابق بشكل ممنهج على أساس قوائم الموت و عملت ميليشيات مثل “كتائب بدر” بدعم من إيران في بعض الأحيان مع الولايات المتحدة لمحاربة المقاومة المسلحة  بطريقة وحشية بشكل خاص.

وانقلبوا في أوقات أخرى ضد الولايات المتحدة حيث لم يكن لدى واشنطن خيار سوى قبول هذا الوضع حتى لا تغرق أكثر في المستنقع العراقي.

يعكس الخطاب الإيراني الجهل بحقيقة الهوية القومية العربية، وهو أكثر أهمية للشيعة العراقيين من هويتهم الدينية على سبيل المثال في عام 1980 ظن “الخميني” خطأً أن الشيعة في الجيش العراقي لن يقاتلوا إيران وأنهم سيختارون جانب إيران بسبب انتمائهم الديني لكن هذا لم يحدث.

لا يبدو أن إيران تدرك أن القواعد الاجتماعية والدينية في إيران تتعارض مع السلوك الديني الأقل تشددًا للشيعة العرب هذا عنصر اغتراب للعرب الشيعة عن الشيعة الإيرانيين، وأغضبت التصريحات الإيرانية المختلفة الشيعة.

وفي رحلة حجّ الأربعين، قامت 24 “كتيبة” تتألف من 7500 وحدة شرطة خاصة بمرافقة أكثر من 3 ملايين إيراني إلى محافظة كربلاء في العراق ومعظم الشيعة العراقيين لم يعجبهم ذلك الأمر حينها.

لكن البديل السعودي لا يمكن أن يجذب الشيعة العراقيين كذلك  فالتعبير عن الهوية العربية أو الهوية العراقية هو عكس التعريف الرجعي للسعودية.

كما عانى سكان المحافظات الشيعية قليلاً من الحملة العسكرية الأنجلو / أميركية التي حلت على المقاطعات السنية ولم تشهد أي مدينة شيعية التدمير الذي حصل في الفلوجة والرمادي والموصل وتكريت وغيرها من المدن.

صرّح “آية الله خامنئي”  المرشد الأعلى لإيران في تشرين الأول / أكتوبر 2019 بأن الانتفاضات والمظاهرات في العراق ولبنان كانت تغذيها  وتدعمها قوى أجنبية وهي رؤية تبنتها الحكومة العراقية وحزب الله في لبنان، ووصف “خامنئي” المظاهرات في تغريدة بأنها “مؤامرة لن يكون لها أي تأثير!”. ووفقا له، فإن “هذه المؤامرة” كانت بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وبقايا حزب البعث للإطاحة بالحكومة وتثبيت النظام تحت سيطرة واشنطن حتى أعلى سلطة دينية شيعية “آية الله العظمى علي السيستاني” أشارت إلى مؤامرة محتملة في بيان  على الرغم من إدانتها أيضًا للعنف ضد المتظاهرين.

على مدى أشهر كانت هناك شائعات عن انقلاب عسكري أميركي في العراق و قبل أكثر من شهرين من الانتفاضة قال “قيس خزعلي” زعيم “عصائب أهل الحق” وهي ميليشيا شيعية برعاية إيرانية وحزب سياسي يعمل في العراق: “هناك خطط لتغيير حكومة بغداد في تشرين الثاني نوفمبر، مع الاحتجاجات التي ستندلع في تشرين الأول / أكتوبر. لن تكون الاحتجاجات عفوية، لكن ستنظمها الفصائل في العراق، انتبهوا لكلامي “

الكاتبة السياسية “شارمين نارواني” تحدثت في 5 تشرين الأول / أكتوبر 2019: “ذكرت صحيفة الأخبار أن الحكومة العراقية سمعت قبل 3 أشهر عن انقلاب مخطط له بدعم من الولايات المتحدة من قبل ضباط الجيش، تلاه حراك في الشوارع. هل أتى الوقت الذي سنبدأ الشك فيه والسؤال إن ما كانت الأحداث ستندلع في العراق؟ “

“يؤكد المحتجون استخدام القناصة في المباني التي تستهدف المتظاهرين الذين يقتربون من ميدان التحرير. خلال الانقلاب الأميركي في أوكرانيا في عام 2014، تم استخدام نفس الأسلوب لإحداث تغيير في النظام. “لذا فقد تم التلميح إلى أن القناصة الذين يطلقون النار على المتظاهرين كانوا متحالفين مع الولايات المتحدة، في حين اعترفت قيادة الجيش العراقي نفسه بأن قواتها المسلحة هي المسؤول عن وفاة المتظاهرين.

الادعاء بأن بعض الضباط العراقيين خططوا لانقلاب لم يثبت وبالمثل ، هناك ادعاءات بأن إيران تخطط للاستيلاء على السلطة من خلال ميليشياتها كما لا يمكن إثبات هذا الادعاء أيضًا.

تحكي القصة إن الجنرال “عبد الوهاب السعدي” قائد قوات مكافحة الإرهاب كان سيزور العديد من السفارات لتلقي الدعم لمظاهرات واسعة النطاق من شأنها أن تؤدي إلى انقلاب عسكري و تم طرده من منصبه بناءً على تلك الشائعات ومع ذلك ، هذه القصة تفتقر إلى المصداقية.

اللواء “السعدي” الذي أصبح رمزًا وطنيًا عراقيًا في عام 2015 بعد أن قاد قواته إلى انتصارات حاسمة في الحرب ضد “داعش”  حظي باحترام الشعب العراقي للحياد في الحرب بين إيران والولايات المتحدة في الحملة العسكرية ضد “داعش” بينما كانت إيران تقوم بتسليح وتمويل وتدريب العديد من الميليشيات التي شكلت قوات الحشد الشعبي (PMF).

لم يكن لدى “السعدي” مشكلة في رفضه الصريح للدعم الإيراني خلال محاولته الناجحة لاستعادة الأراضي من “داعش”. في الوقت نفسه لم يتردد الجنرال في التعبير عن خيبة أمله تجاه رعاة العراق الأميركيين وذكر صراحة في وسائل الإعلام:

“في بعض الأحيان نفذوا غارات جوية لم أطلبها من قبل، وفي أحيان أخرى توسلت إليهم لشنّ بعض الغارات الجوية التي لم يولوا لها اهتمامًا”.

في بلد يمكن فيه للولاء لقوى أجنبية أن يحطم أو ينهي المهن العسكرية والسياسية، فإن رفض “السعدي” لتبنيّ موقفٍ أميركيّ أو إيرانيّ للوقوف جعله فريداً في نظر العراقيين و كانت استقالته أحد أسباب الاحتجاجات الحالية.

علاوة على ذلك، كان “السعدي” هو الرجل الثاني في هيكل قيادة جهاز مكافحة الإرهاب العراقي (CTS)  بقيادة الجنرال “طالب شغاتي”. وكان هذا الجهاز جوهر الاستراتيجيات الأميركية في الشرق الأوسط للحفاظ على المنطقة تحت السيطرة. قامت القوات الأميركية بإنشاء وتدريب وتسليح  جهاز مكافحة الإرهاب خلال السنوات الأولى من الاحتلال، وكان الجنرال “طالب شغاتي” رئيسًا للجهاز منذ عام 2007.

عائلة “شغاتي” بأكملها متواجدة في الولايات المتحدة الأميركية “لأسباب أمنية”. التفسير الوحيد الممكن للإطاحة بـ “السعدي” وإزالته من منصبه ليس أنه كان يخطط لانقلاب، بل لأنه وضع المصالح العراقية فوق المصالح الأجنبية.

وفقًا لبعض المعلقين، تمول المملكة العربية السعودية والإمارات الاحتجاجات في العراق، فمن من أين ستأتي الأموال لتوزيع الطعام والشراب مجانًا يوميًا على الآلاف من الرجال والنساء الذين يحتلون ساحة ميدان التحرير بشكل دائم؟ هذا الادعاء يتجاهل الدعم الكبير من الناس للثورات والتضامن الهائل الذي تولده هذه الثورة.

تم خلق ميليشيات  PMF “الحشد الشعبي” في العراق بعد فتوى رجل الدين الشيعي “علي السيستاني” لمحاربة إرهابيي “داعش” لكن بعد انتهاء القتال حولوا تركيزهم إلى السياسة والسيطرة على مختلف المؤسسات الحكومية والأجزاء الرئيسية من البلاد وأصبحوا ثاني أكبر تشكيل في الحكومة العراقية بعد انتخابات 2018  وكان حزب “مقتدى الصدر” هو الأكبر.

هذه “الميليشيات الشعبية” فرضت بعنف حكمها في جميع أنحاء العراق في المناطق التي يسيطرون عليها ويثرون أنفسهم بكل طريقة ممكنة حيث يتم طلب الرشاوى عند نقاط التفتيش، وخاصة على الطرق المؤدية إلى المناطق التي فتحها “داعش”.

ووفقًا لتقرير صادر عن كلية لندن للاقتصاد، فإن المليشيات الموجودة في مدينة واحدة فقط تحصّل ما يقدر بنحو 300000 دولار يوميًا من الضرائب غير القانونية، وهناك أيضا تقارير عن قيام الميليشيات بتنظيم تجارة الخردة حول الموصل ونقل المواد بعيدا لبيعها بدلا من دعم إعادة إعمار المدينة.

تسيطر الميليشيات على ميناء أم قصر البحري وحتى صناعة النفط وإنتاجه لم تنجُ منهم.  في عام 2015، قامت الميليشيات بنهب مصفاة بيجي للنفط التي كانت المصفاة الأكبر سابقًا في العراق.

 في الآونة الأخيرة، كانت هناك مزاعم حول تهريب منظم من حقول النفط حول الموصل وكركوك حيث تقوم المليشيات بتهريب النفط في البصرة منذ فترة طويلة  وقد وقع البعض على عقود مربحة مع شركات النفط العالمية.

في استطلاعٍ للرأي عام 2019 كان هناك سؤالٌ رئيسي “هل لديك صورة إيجابية أو سلبية عن البلدان التالية؟ (إيران / العراق)  كان لدى 38٪ فقط من السكان الشيعة العراقيين تصور إيجابي عن إيران، مقارنة بـ 86٪ في عام 2014. من المستحيل إلقاء اللوم على الدعاية الأميركية لهذا الانخفاض الحاد في تصور إيران.

ويذكر الاستطلاع نفسه الأسباب الثلاثة الرئيسية لهذا التصور السلبي:

1-إغراق العراق بمنتجات رخيصة.

2-إغراق العراق بالمخدرات.

3- دعم مختلف الحكومات غير الفعالة والفاسدة.

بالطبع، الولايات المتحدة الأميركية هي السبب الرئيسي للفوضى الحالية في العراق، لكن طهران تتحمل أيضًا مسؤولية كبيرة بالأضرار التي لحقت بالعلاقات بين الشعبين العراقي والإيراني.

العداء الحالي لإيران لا يخرج عن الحدّ، ولكنه نتيجة لسنوات من السخط بسبب تعاون إيران مع قوات الاحتلال الأميركية والتي ساعدت في حماية قادة الحكومة وحماية نظام الحصص الطائفية، وتدخلت مباشرة في مناسبات مختلفة لإلغاء القرارات البرلمانية.

الآن وقد هُزِم “داعش” يلاحظ الشيعة أن مكافأتهم هي بلد غرق فيه السكان أكثر فأكثر في الفقر بينما تدللت النخب السياسية والدينية بقصور مبهرة ومنازل ريفية واسعة في الخارج، وهم قابعون في بلد توجد فيه الميليشيات المشاركة في التهريب المربح للنفط والمخدرات والاتجار بالبشر حيث يتم فرض قوانين الملابس والفتاوى الدينية بقوة، في بلدٍ يعيش سكانه الفقر والحاجة بينما تطفو الأرض على بحر من النفط.

من الطبيعي أن ترغب الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في استخدام الانتفاضة الحالية لمحاولة دفع أجندتها الخاصة والإصرار على تغيير النظام. تخوض أميركا وإسرائيل حربًا شاملة في المنطقة ضد جميع المناطق الواقعة تحت النفوذ الإيراني.

لا تملك أميركا حق السيطرة على آلاف المتظاهرين، لكنها تستغل كل حدث وكل تطور سياسي لتخدم مصالحها. ومع ذلك ، فإن ما لا نقرأه في وسائل الإعلام الغربية هو أن الاحتجاجات موجهة أيضًا ضد الوجود الأميركي وأيضًا ضد تدخل المملكة العربية السعودية وإسرائيل.

قدم “عادل عبد المهدياستقالته في 29 نوفمبر بعد مذبحة الناصرية والنجف وبغداد.

الإعلام الغربي مقابل وسائل التواصل الاجتماعي

تريد الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بطبيعة الحال استخدام الثورة الحالية لمحاولة المضي قدماً في أجندتها الخاصة. تخوض أميركا وإسرائيل حربًا شاملة في المنطقة ضد جميع المناطق الواقعة تحت النفوذ الإيراني. لا تملك أميركا حق السيطرة على مئات الآلاف من المتظاهرين، لكنها تستغل كل حدث وكل تطور سياسي لتخدم مصالحها.

نقرأ فقط الخطاب المعادي لإيران في الإعلام الغربي. ومع ذلك ، فإن ما لا نقرأه في الصحافة هو أن الاحتجاجات موجهة على قدم المساواة ضد الوجود الأميركي وضد تدخل المملكة العربية السعودية وتركيا وإسرائيل.

لحسن الحظ، هناك وسائل إعلام اجتماعية تنشر قصصًا قوية ووجهًا إنسانيًا للنضال، بطريقة ما فإن هذا لم يحدث من قبل و كانت هناك محاولات يائسة من قبل الحكومة لوقف انتشار روايات شهود العيان على وسائل التواصل الاجتماعي عن طريق إغلاق الإنترنت. ومع ذلك ، لم ينجح ذلك.

عدّة لافتات في ميدان التحرير كُتب عليها: “لا لأميركا ، لا لأردوغان ، لا لإيران ، لا للبارزاني ، لا للمنظمات غير الحكومية الإسرائيلية”.

ولد الشاعر العراقي والروائي والمترجم والباحث “سنان أنطون” ونشأ في بغداد وكانت آخر رواياته بعنوان “كتاب الأضرار الجانبية” وقال “أنطون” في 26 تشرين الثاني / نوفمبر ، “المهم حقاً هو استعادة الهوية العراقية والشعور الجديد بالقومية العراقية التي تتجاوز الخطاب الطائفي الذي وضعته الولايات المتحدة في عام 2003”.

“تتمتع إيران بنفوذ كبير في العراق وقد تسللت إلى العديد من المؤسسات ودعمت العديد من الميليشيات العراقية، لكن كل ذلك كان نتاجًا للاحتلال الأميركي وغزو العراق. صحيحٌ أن إيران هي أحد أهداف هؤلاء المتظاهرين، من المهم أن نتذكر أن العديد من اللافتات والملصقات في ميدان التحرير تقول “لا” لأي تدخل أجنبي. لذلك يقولون لا لإيران ولا لتركيا ولا لإسرائيل ولا للولايات المتحدة”.

“الإعلام الجماهيري في الولايات المتحدة الأميركية و بسبب مصالحها الجيوسياسية وتدخلها المستمر في المنطقة يكتب فقط عن إيران طبعًا، ولا أحد ينكر أن إيران تدعم العديد من الأطراف في العراق مالياً وغير ذلك وتتسلل إلى المجتمع العراقي من نواح كثيرة. ولكن وللأسف، فإن وسائل الإعلام المنتظمة في الولايات المتحدة وأيضاً في أوروبا قصيرة النظر للغاية وتركز فقط على التأثير الذي تمارسه إيران على النظام العراقي”.

“وهذا صحيح، لكن العراقيين يريدون عودة بلادهم ويريدون السيادة وهم ضد كل أنواع التدخلات الإيرانية منها والأميركية والدولة العراقية  منذ عام 2003 ضعيفة للغاية. قوات تركية في شمال العراق، وقوات أميركية أيضًا. يدرك المتظاهرون كل هذا وهم يفهمون جيدًا – على الأقل استنادًا إلى ما يقولون عندما يظهرون في وسائل الإعلام – أن مصالح العراق والعراقيين تأتي أولاً وأن السيادة مهمة جدًا

بالطبع لن يتم استعادة سيادة العراق في يوم واحد، لكنهم يدركون أن النظام الإيراني ليس هو التهديد الوحيد وليس الراعي الوحيد لقوات معينة في العراق. “

الصحفي العراقي “منتظر الزيدي“، الذي اشتهر بعد إلقاء حذائه على “بوش” بينما كان يصرخ، “هذه قبلة وداع من الشعب العراقي، يا كلب” ، أخبر وكالة “يورونيوز” أن المحتجين يدعون إلى سقوط النظام السياسي وقال أيضًا إنهم لا يريدون أن تتدخل دول أخرى في العراق. حكومة الاحتلال الأمريكي مرفوضة لقد جلبت هذه الحكومة كارثة على البلاد، نحن اليوم نريد سقوط هذا النظام السياسي ونهاية هذه الحكومة “، وأوضح “الزيدي” “نحن لا نكره إيران، ولا نكره المملكة العربية السعودية، ولا نكره تركيا لكن رسالتنا بسيطة: يجب أن تتوقف عن التدخل في بلدنا وقال:” إن الشعب العراقي شعب حر “.

سعاد العزاوي” باحثة وعالمة بيئية عراقية كتبت :”كل هذه الخسائر البشرية، والسرقة، وجرائم حكومة المنطقة الخضراء هي مسؤولية الحكومة الأميركية كاملة، إنها تحمي عصابة من اللصوص منذ عام 2003 من خلال مرتزقة وقواعد عسكرية، فقط لتسمح من خلالهم للشركات متعددة الجنسيات بالسيطرة على النفط والموارد العراقية الأخر”..

تعليق آخر من “العزاوي” جاء فيه: “أيها الأخوة والأخوات العراقيون الأعزاء، إن الأميركيين يعملون بجد لإفشال مظاهراتكم واستخدامها كذريعة لتثبيت النظام الأميركي العميل بدلاً من النظام الحالي، يرجى توخي الحذر وعدم السماح للعراق بأن يصبح ساحة معركة بين القوى العالمية والإقليمية. “

بعد بعض الاكتشافات التي وردت في صحيفة نيويورك تايمز واعتراض 18 تشرين الثاني / نوفمبر على ما يسمى بـ “السيطرة” الإيرانية على العراق، كتب صانع رأي عراقي موثوق:

بعض الأسئلة …

*ما هي تلك الأسرار الهامة التي كشفت عنها أميركا ونشرتها في نيويورك تايمز، والتي لا يعرفها العراقيون ؟

*أليست أميركا هي التي احتلت العراق ودمرت مؤسساته الوطنية وقتلت واعتقلت وشردت ملايين الناس؟

*أليست الولايات المتحدة هي التي أوجدت العملية السياسية الطائفية الفاسدة وتريد حمايتها واستمرارها؟

*أليست الولايات المتحدة هي التي عملت لسنوات مع إيران وميليشياتها الإرهابية الإجرامية؟

تعرف الولايات المتحدة بالضبط كيف وصلت هذه العصابات إلى السلطة؛ بعد كل شيء سرقوا مليارات الدولارات سوية ونهبوا ثروات البلاد وخطفوا الأبرياء وقتلوهم.

 *أليست أميركا هي التي تسيطر على الفضاء والأرض والجو والأمن وتتواصل مع جواسيسها وتعرف بالضبط ما يجري، حتى في غرف المعيشة ؟؟؟

*نعم، الولايات المتحدة تعرف كل الجرائم الصغيرة والكبيرة التي ارتكبتها إيران وعملائها ضد الشعب العراقي منذ عام 2003 وحتى الآن و بعد كل شيء، هم متورطون بعمق وسحبوا إيران إلى المستنقع العراقي.

لا يحتاج شعب العراق المتمرد إلى مثل هذه “الاكتشافات” لأنهم تمردوا من أجل أنفسهم ووطنهم وإنسانيتهم بعد أن استنفد صبرهم ولم يروا أي ضوء في نهاية النفق المظلم الذي أوجدته أميركا بسبب احتلالها الوحشي لهذا البلد .

“ربما تسبب هذه الوثائق فضيحة في أمريكا، وبعد ذلك يمكنهم الصمت عن دورهم في قتل الناس واغتصاب البلد على مر السنين لذلك يجب ألا تكون هذه الوثائق إدانة لإيران فحسب، لأن إيران ليست سوى شريك في الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها الولايات المتحدة. “

هذه مجرد أمثلة قليلة لدحض قصة الإعلام الجماهيري بأن الانتفاضة ستستهدف إيران بالدرجة الأولى، لكن لا فهي تستهدف أيضًا الولايات المتحدة الأميركية والقيادة الإيرانية مرعوبة من تصعيد هذا الصراع وإمكانية الإطاحة بالنظام الحالي الذي يستفيد منه كلاهما.

الخاتمة

لا تتطلب الثورة ضد الحكومة مؤامرة خارجية: كل العوامل المحلية للاحتجاج والتمرد والثورة موجودة لدى الشعب العراقي ألف سبب للثورة ضد النظام القائم،  إنّ نعت الانتفاضات في العراق باعتبارها مؤامرة صهيونية أميركية أو انتفاضة بعثية أمر غير عادل لمئات الآلاف الذين يريدون أن يأخذوا حقهم بيدهم وينالوا مستقبلهم ويريدون التخلص من النظام السياسي.

لا يزال الشعب العراقي بيدقًا في لعبة سياسات القوة الجيوسياسية، وضحية الجوع لتربح من ورائهم شركات النفط والسياسيين الفاسدين في بلد محتل. لا يزال العراقيون يتحملون العبء الكامل المتمثل في 29 سنة من العقوبات والحروب والبؤس والموت والدمار والفوضى والليبرالية الجديدة المتطرفة. ومع ذلك، الناس دائمًا في حالة تأهب، عارضوا دائمًا الحالة اللاإنسانية التي أجبروا على عيشها ويريدون إعادة توزيعٍ أكثر عدلاً للموارد المتاحة كما عارضت الاحتجاجات الماضية والحاضرة مرارًا وتكرارًا تقسيم البلاد والتدخل الأجنبي والهياكل الطائفية المفروضة عليها.

هناك استمرارية في المقاومة الشعبية للعراق منذ عام 2003 العراق ليس أوكرانيا، وليس هونغ كونغ هذه ثورة أخرى ضد المنطقة الخضراء، وهي القلعة المحصنة حيث تحدد الولايات المتحدة وكذلك إيران  قواعد اللعبة من خلال الحكومة العميلة التي عينوها.

يجب مقاومة أي محاولة لتحويل العراق إلى ساحة حرب أميركية ضد إيران لا يمكن لشعب العراق مواجهة حرب أخرى بعد اليوم.

ربما يأتي عراق جديد، لكن هذه الفكرة ليس مرحبًا بها من قبل المحتل الأميركي ولا إسرائيل ولا المملكة العربية السعودية والسلطات العراقية وأوروبا وإيران.

سوف يواصل شعب العراق معارضة أي احتلال وتدخل أجنبي وسيستمر بالسعي من أجل عراق ذي سيادة و الشرط الأول هو أن تغادر العراق جميع القوات الأجنبية والمرتزقة والمستشارين الأجانب.

على صعيد شخصي: هناك موقف قوي “مناهض للتنظيم”، ورفض عام للهياكل السياسية والتركيز على العفوية هذا الموقف مفهوم بالنظر إلى خوف المتظاهرين من مشاركة الأحزاب السياسية المهيمنة.

يحظى شعار “لا للأحزاب السياسية” بشعبية كبيرة و ينبغي على اليسار والنقابيين في الحركة التأكيد على أنه يجب على العمال تنظيم أنفسهم سياسياً من خلال برنامج واضح لمقاومة ضغوط الدولة الليبرالية الجديدة، والنخب الاقتصادية والأحزاب السياسية المهيمنة وأن يحاولوا البقاء مستقلين.

إن عدم وجود تنظيم، والافتقار إلى بدائل واضحة والانقسام السياسي بين المتظاهرين، أكدوا أنّ حركات الاحتجاج منذ عام 2011 لم تؤد إلى نتائج ملموسة، مع نقطة ضعف مطلقة في الدعم الذي قدمته بعض الجماعات السنية للإرهاب مثل تنظيم “داعش”.

العديد من المتظاهرين هم من فئة شباب عديمي الخبرة يرفضون كل شيء، وحتى الانتخابات المبكرة و يعتقدون أن الطبقة السياسية سوف تتخلى بسهولة عن السلطة  وبعد ذلك سيتمكن العراقيون من حكم أنفسهم بحرية.

العراق ليس دولة ذات سيادة، ولكن تسيطر عليه قوى أجنبية منظمة تنظيماً جيداً، لذلك يجب أن يكون المتظاهرون أكثر تنظيماً إذا أرادوا أن تنجح هذه الثورة.

انتصار المتظاهرين ليس أمراً لا محتمّا، وربما ليس محتملاً لكنه سيكون النتيجة العادلة الوحيدة. ما سيحدث بعد الانتفاضة الشعبية ليس مؤكدًا أبدًا، لهذا لا ينبغي أن يمنع حركة السلام من تقديم دعمها لمطالب الشعب العراقي العادلة.

إذا لم ينتج عن هذا التمرد النتائج المرجوة، فستتبعها المزيد من التمردات، يريد الشعب العراقي وضع حد للتدخل الأجنبي والنظام الفاسد الذي أغرق الملايين في الفقر هذه الاحتجاجات هي الضمان الوحيد لسلام طال انتظاره في العراق تضامننا مع المطالب المبررة للمتظاهرين العراقيين اليوم هو أكثر من ضروري.

“ابق في الشوارع، ولا تذهب إلى المنزل أبدًا ، لأن هذا هو سر نجاحك”.

ديرك أدريانسينس

تمت الترجمة عن الكاتب “ديرك أدريانسينس” في شركة “غلوبال ريسيرش“، “الكاتب هو عضو في اللجنة التنفيذية لمحكمة بروكسل بين عامي 1992 و 2003، قاد عدة وفود إلى العراق لمراقبة الآثار المدمرة لعقوبات الأمم المتحدة. وكان عضوا في اللجنة الدولية المنظمة للمحكمة العالمية بشأن العراق (2003-2005) وهو أيضًا منسق مشارك في الحملة العالمية ضد اغتيال الأكاديميين العراقيين شارك في تأليف رانديز-فوس في بغداد  EPO (1994) ، التطهير الثقافي في العراق، بلوتو بريس، لندن (2010) ، بيوند إيدوكايد، أكاديميا بريس ، (2012).

الكتاب التفاعلي المباشر عبر الإنترنت “الكتاب الإلكتروني” قارئ حرب العراق ويعمل في ، Global Research (2012) ، Het Midden Oosten ، The Times هم a changin ‘، EPO (2013)  ومساهم بشكل متكرر في Global Research ، Truthout ، Al Araby ، المجلة الدولية للدراسات العراقية المعاصرة وغيرها من وسائل الإعلام.

المصدر الأصلي لهذا البحث/التحقيق الموسع Global Research

حقوق النشر © Dirk Adriaensens Global Research ، 2020

المترجم: الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق