شباك في المهجر

محمد زكريا… رحلةٌ خارج الوطن استحقت المخاطرة

الاتحاد برس – هبة زين العابدين

كم حملت أمواج البحر قلوبًا هجّرتها حربٌ قاسية، فمنها من سَلِمَ ووصل برَّ حياةٍ جديدة، ومنها من تاه في غياهب البحار، قصة محمد زكريا، لا تختلف كثيرًا عن قصصٍ سمعنا بها عن عائلاتٍ سورية لم تجد أمامها سوى البحر أملًا، فسافر مع عائلته تاركًا وراءه كل الذكريات.

محمد زكريا، 36 عامًا، هو مهندس صوت يعمل في مجال “المكساج” والمؤثرات الصوتيةـ متزوج ولديه أطفالٌ، درس في كلية الاقتصاد في دمشق، لكنه لم يبدِ اهتمامًا بهذا الاختصاص فلم يعمل به بعد التخرج، حتى أتته فرصةٌ للعمل في شركة إنتاج فني هامة، فتوظف بها لمدة تقارب الخمس سنوات، وتنقّل بعدها بين عدة شركات انتاج فني لعدة سنوات أخرى، ومن هنا اكتسب خبرته في مجال هندسة الصوت، ومن ثم سافر إلى ألمانيا.

قرار الرحيل…ومخاطر الرحلة

“لو نظرتُ مرةً فقط إلى الوراء كنت سأعود” هذا ما قاله محمد عندما سألناه عن رحلته إلى ألمانيا، وعن لحظة تركه لسوريا، جملة حملت غصة بين حروفها.

وعن سبب اتخاذ قرار السفر قال محمد “كان عملي جيدًا في سوريا، وكانت الحال مستقرة، لكني لاحقًا خسرت منزلي ومالي وأماني، فكان لابد لي للنجاة إلى المستقبل أن أترك الذكريات والأهل والأقارب ورائي، وكان لابد من السفر دون النظر إلى الوراء، فلو نظرت لمحةً واحدة للوراء كنت سأعود”.

يسترسل محمد في شرح الصعوبات التي واجهتهم أثناء طريقهم إلى ألمانيا، واصفًا معاناةً بشعة اضطر هو وعائلته لمواجهتها.

يقول محمد “عندما وصلنا إلى اليونان لم يكن مسموحًا للاجئين بأن يعبروا إلى صربيا، واضطررنا للذهاب تهريبًا داخل إحدى مقطورات القطار المتجه إلى هناك، وكانت هذه المقطورة مخصصة لنقل البضائع، غير صالحة لنقل البشر ولا تحتوي أي نافذة”.

ويضيف محمد بغصّة “كانت ثماني ساعاتٍ رأينا فيها الموت بأعيننا، فعندما كنا مع المهربين بالمقطورة كانت درجة الحرارة مرتفعة جدًا وكاد الأكسجين ينفذـ لكن الله ترأف بحالنا ونجّانا”.

موتٌ كان قاب قوسين أو أدنى، ونومٌ في أماكن سيئة في البرد والحر، ومصاعب لم يتوقعها محمد وعائلته، لكن همهم الأكبر كان أن يصلوا إلى ألمانيا، على قيد الحياة.

البداية الجديدة

“كما أي لاجئ كانت أولى العقبات عند وصولنا إلى ألمانيا هي اللغة والتواصل”، قال محمد، وأضاف أنهم تجاوزوا هذه المشكلة بمساعدة بعض الأشخاص الذين كانوا يساعدون اللاجئين في الفترات الأولى لتوافد اللاجئين.

وكانت المساعدة التي لن ينساها زكريا، من قبل الشاب عبد القادر شريقي، وهو ابن الفنان السوري سليم شريقي، حيث ساعده في السفر وكذلك في مجال المونتاج.

كيف احتضنتك بيئة العمل الألمانية؟

“كان إيجاد العمل أمر صعبٌ بالنسبة لي، لأن خيارات العمل في اختصاصي قليلة نوعًا ما، لكنني وجدت الفرصة في المجالات التطوعية ، كونها مفتوحة دائمًا لاستقبال المهن والمواهب، وتقدم الكثير من الفرص الحقيقية لمن يمتلك موهبة فعلية وخبرة باختصاصه”.

يضيف محمد ” إلى الآن ليس لدي عمل منتظم في ألمانيا، بدأت بالعمل التطوعي براديو “تسيت” بمدينة نورمبيرغ بولاية بفاريا لفترة قصيرة كمقدم برامج، بالإضافة لمساعدة اللاجئين يوم واحد في الاسبوع، بعدها انتسبت إلى منظمة عمل تطوعي عربية اسمها “خطوات”، بإدارة زميلي وصديقي أيهم صقر الذي بفضله، وبفضل منظمة أمامي، تعرفت على مزايا العمل التطوعي بألمانيا، حيث لم يكن لدينا في سورية انتشار للأعمال التطوعية بشكل كبير، وكان محدودًا ، فلم ينتشر مفهوم وحب التطوع بشكل كافٍ”.

يقول محمد “كانت غايتي أن أرد الجميل لمنظمة خطوات، فتعلمت العمل على برامج المونتاج ومؤثرات الصور، من أجل أن أدعم منظمة خطوات من هذه الناحية”.

وعن منظمة خطوات يحدثنا محمد…

“هي منظمة تطوعية ، تقوم بعدة مشاريع هدفها مساعدة اللاجئين على الاندماج بالمجتمع الألماني، تعرض المنظمة الفنانين السوريين والأشخاص ذوو المواهب وتدعمهم، بالفترة الأخيرة مثلًا، وبالشراكة مع “مهارات من غوغل” ومنظمة “نيوفيرسيتي”، وأقمنا دورة للتسويق الالكتروني مجانًا، وحصل المشاركون فيها على شهادات لتدعمهم في الحصول على العمل”.

ويصف محمد منظمة خطوات بأنها الداعم الأول، وصلة الوصل بين المتطوعين العرب في ألمانيا، فقد وصلت للكثيرين، وكان هناك فائدة متبادلة بينهم، وأكد محمد إيمانه بمبادئ المنظمة وتمسكه بالعمل فيها.

وعن مخططاته المستقبلية أجاب محمد

“مثل أي شخص آخر، أرغب في الاستقرار من الناحية العملية بعد أن وصلت وعائلتي إلى برٍ آمن”.

ماهي الفروقات في العمل بين سوريا وألمانيا؟

يقول محمد إن الفروقات كبيرة، فإيجاد العمل في سوريا أسهل من حيث التواصل والتعرف إلى الأشخاص، ويقتبس “في سوريا كما يقول المثل، نحن نعلم من أين تؤكل الكتف”.

وتابع محمد “أما في ألمانيا اللغة صعبة والعادات والتقاليد مختلفة، وطبيعة العمل مختلفة تمامًا عن سوريا، كان الالتزام أقل، لكن هنا في ألمانيا لدي 8 ساعات عمل أنا مجبورٌ على الالتزام بها تمامًا”.

وعن الإنجازات التي حققها محمد في ألمانيا يعتبر نفسه في طريق البداية وما أنجزه استطاع الكثير من اللاجئين في ألمانيا فعله، لكنه يعتبر العمل التطوعي وتعلقه به إنجازٌ بحد ذاته، خاصة أنه في نطاق اختصاصه الذي يحب.

الصعوبات التي واجهت محمد في ألمانيا

“بالإضافة إلى صعوبة اللغة، كان عليَّ تحضير نفسي لبيئة ومجتمع جديد ومختلف تمامًا عما اعتدت عليه أنا وعائلتي، فهيئت نفسي لأكون أكثر مرونة بالتعاطي مع الآخرين، وألا أكون متشبثًا بآرائي وعاداتي لأنها لن تناسب المجتمع الألماني”.

الوطن

يقول محمد عن الوطن “ما يربطني بالوطن مختلف تمامًا عما قد يراه الجيل الحالي من الشباب، فهو بيئة وعادات تعيش بداخلي، والوطن هو الحب المدفون في القلب ولا يتحرك ولا نستطيع أن نعبر عنه جيدًا، لكننا نطمئن عليه بين الحين والآخر”.

وأنهى محمد حديثه بأن “ألمانيا والعيش هنا يستحقون هذه المغامرة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق