ايام زمان

التصوير الضوئي… بين الماضي والحاضر

الاتحاد برس – هبة زين العابدين

أكثر من 270 مليون صورة تلتقط يوميًا بمختلف الأجهزة التصويرية الموجودة فهل تساءلت يومًا كيف كانت البداية؟

الكاميرا جزء أساسي من يومياتنا حيث إنها تتواجد في كل الأجهزة الخلوية الجديدة وبقدرة على التقاط صور بجودة عالية. ومنذ اختراعها عام 1816، لفتت الكاميرا الأنظار لها، لكنها بدأت بالتطور فعليًا في أوائل العام 1900، مع اختراع كاميرا الـ “Reise” والتي كانت أوّل كاميرا محمولة في العالم، مع قدرتها على الطوي في شكل مدمج.

وكانت أوّل جهاز تصويري خفيف الوزن للغاية بالمقارنة مع النماذج الأخرى المتاحة في السوق، حيث كان الاختراع ثورياً بالنسبة للأشخاص الذين كانوا يتطلعون إلى السفر في جميع أنحاء العالم.

مصطلح التصوير

يعود الفضل في صياغة اسم التصوير الفوتوغرافي إلى عالم الرياضيّات والفلكي الإنجليزي السير جون فريدريك وليام هيرشيل عام 1839 للميلاد، وتمّ اقتباس كلمة تصوير من اللغة اليونانيّة في كلمة (فوس)، وجاءت بصيغة الإضافة فوتوس، والتي تعني في معناها الضوء، أما كلمة غرافي فتعني الكتابة أو الرسم، وعند اجتماع الكلمتين معاً يصبح المعنى (الرسم بالضوء).

المراحل التقنية للتصوير الفوتوغرافي :

كانت المحاولات الأولى على يد رواد التصوير تتمثل في محاولتهم ابتكار طرق تقنية بإمكانها إعطاء الشكل والنموذج الفوتوغرافي ألوانه الطبيعية مثل لوحة الرسم، وهو يعتبر نتيجة لدمج عدة اختراعات قديمة مثل اختراع ابن الهيثم لتقنية الغرفة المظلمة والتقنية الثقبية وغيرها من اختراعات لتأثير بعض المواد الكيمائية عند تعرضها للضوء.

وبحلول 1840، اخترع المخترع “تولبت” عملية “calotype ” إذ قام بطلاء طبقات ورقية بالكلوريد الفضي لعمل صورة سلبية، والتي تعيد إنتاج الطبعات الإيجابية ملخصا بذلك طريقة عمل الأفلام الكيميائية.

أما الكاميرا الفيلمية الفوتوغرافية فظهرت لتكشف عن أبواب أوسع في تقنيات التصوير الضوئي، إذ كانت تتيح التصوير بدقة كبيرة بمجرد الضغط على الزر، وكانت الكاميرا الفلمية عبارة عن آلة بها عدسة تقوم باحتواء كامل المنظر بمجرد دخول الضوء، وطباعته على فيلم معين، والتي تحتفظ بها بدورها، ليتم استخراج الصورة من الفيلم من خلال عملية “التحميض”.

وبحلول 1950 ظهرت تقنية التصوير الرقمي، وذلك على أعقاب ظهور البث التلفزيوني، والتي تقوم بتحويل الصورة الضوئية إلى حزمة من الإشارات الكهربائية الرقمية، لتتطور بعد ذلك كاميرات الديجيتال في فترة الستينات، وتظهر أنواع جديدة منها، وبحلول السبعينات قامت شركة كوداك بإنتاج أول كاميرا رقمية، ومع بلوغ التسعينات تطورت الكاميرات الديجيتال بشكل أكبر رغم وجود الكاميرات الفلمية السابقة في نفس الوقت.

ومع دخول الألفية الجديدة وظهور الهواتف المتقدمة، بدأت الشركات المصنعة لهذه الهواتف بدمج الكاميرات بها، ولكنها كانت لا تزال توفر دقة ضعيفة للغاية، إلا أنه مع ظهور الهواتف الذكية بدأت الشركات المصنعة لها بتوفير كاميرات بدقة تضاهى دقة الكاميرات الرقمية الراقية، لدرجة جعلت المستخدمين يستغنون عن هذه الكاميرات إلى حد ما.

ومع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة وتطبيقات الهواتف الذكية التي توفر العديد من الفلاتر وتعديلات الصور بكل سهولة الأمر الذى يجعلها لا تحتاج إلى شخص محترف معها، مما ساعد على انتشارها بشكل كبير بين المستخدمين في الفترة الأخيرة.

تاريخ التصوير

يعود تاريخ التصوير لاكتشاف مبادئ الكاميرا المعتمة أو المظلمة، التي صُنعت على يد ابن الهيثم في القرن التاسع للميلاد، والذي كان له تجاربٌ عديدة في مجال البصريّات، وقد لوحظ من خلالها تغيّر مظهر بعض المواد عند تعرّضها للضوء، ولكنّ الأمر بقي على حاله حتى عام 1800 للميلاد على وجه التقريب، وذلك عند قيام توماس بأولى المحاولات التي تمّ توثيقها على الرغم من فشلها.

إلا أن التاريخ الفعلي للتصوير كان في منتصف العشرينيّات من القرن التاسع عشر، حيث نجح المخترع والفيزيائي الفرنسي نسيفور نيبس في محاولته، على الرغم من عدم نضوج النتائح في البداية، ثم استمر مساعد نيبس (لويس داجير) في محاولاته، وقام بتطوير عمليّة (الداجيريّة).

اعتبرت الداجيريّة أول عمليّة تصوير تمّ الإعلان عنها، وقد تطلّبت هذه العمليّة التعرّض للكاميرا لدقائق ليتمّ إنتاج صورةٍ واضحة بتفاصيلها الدقيقة، وتمّ تقديم هذه الكاميرا بشكلٍ تجاري في عام 1839م، ويُعتبر هذا التاريخ هو الميلاد العملي للتصوير.

اعتمدت العمليّة الدايجيريّة على الفلزات، وبعد نجاحها واجهت عددًا من العمليّات المنافسة، كاختراع الإنجليزي وليم فوكس تالبوت، الذي عمل على تطهير الصورة من خلال عمليّتي الطباعة الملحيّة والتأبيب السالبة.

التصوير حديثاً

عملت الابتكارات الحديثة لعمليّة التصوير على تقليل الوقت اللازم لالتقاط الصورة إلى ثوانٍ معدودة، وأخيرًا أصبحت تحتاج إلى بضعة أجزاء من الثانية!

 ساهمت هذه الابتكارات في تقديم العديد من الوسائط التصويريّة الحديثة، والتي كان لها بالغ الأثر في مدى ملاءمتها وحساسيتها، وأيضًا من الناحية الاقتصاديّة، كالاستخدام غير الرسمي للأفلام الملفوفة من قبل هواة التصوير، علاوةً على هذا فإنها سمحت بالصور الملوّنة، بالإضافة للصور بالأسود والأبيض.

ومع حلول القرن الحادي والعشرين

 ازداد تهميش الوسائل التقليديّة للتصوير، المعتمدة على المواد الكيميائيّة والأفلام، لما للوسائل التكنولوجيّة الحديثة من إيجابيّات في هذا المجال، والذي أسهم في رواجها، بالإضافة إلى معقوليّة ثمنها وتحسنها بشكلٍ مستمر.

في العام 2015، تطوّرت أجهزة تصوير DSLR بحيث أصبحت توفّر جودة صورة رائعة وتسجيل فيديو بدقة 4K. مثل هذه المقاطع المصورة كانت سابقاً حكرًا على كاميرات السينما الضخمة فقط.

في التجسس

 شهدت الكاميرات تطورًا لا سيما في حجمها حيث إن بعضها أصبح يوضع في العدسات اللاصقة ليبث الصور والمقاطع المصورة الى جهاز يوضع في الجيب.

وتطورت أجهزة التصوير بشكل لافت، ولسنين كانت موجودة على الـ “Drone” أو الطائرة بدون طيار والتي كانت تستعمل للمراقبة، جمع المعلومات وحتى قصف الأهداف.

إلا أنّ تلك الطائرات أصبحت، ومنذ عام تقريبًا، تُستخدم للتصوير في المناسبات الخاصة، لتوصيل المأكولات والطلبات الخفيفة الوزن وحتى للتصوير السينمائي.

وهي طائرات صغيرة بدون طيار، منها ما يحتوي على كاميرات بقدرات عادية إلا أن معظمها يحوي كاميرات بجودة عالية كـ GOPRO وغيرها.

 ويمكن التحكم بتلك الطائرات عبر أجهزة لاسلكية او حتى عبر الأجهزة الخلوية عبر تطبيقات معينة. وقد صرّحت إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية أن قرابة المليون شخص في أميركا سيقتنون طائرة من دون طيار قبل العام 2018.

في الطب

طوّرت جامعة يابانية تقنية جديدة تسمى “التصوير ورسم الخرائط البصرية بالتسلسل الموقوت” أو STAMP وعرّفت التقنية بأنها أسرع بألف مرة من أسرع كاميرا متوافرة في الأسواق.

وهي الـ Sequentially Timed All-optical Mapping Photography والتي يمكن ان تلتقط الصور التي يستحيل تصويرها في لقطة واحدة، مثل التفاعلات الكيميائية.

وقد نجح الباحثون في تصوير عملية “توصيل الحرارة” أو ما يعرف بـ “conduction of heat” والتي تحدث بسرعة فائقة تعادل سدس سرعة الضوء.

التصوير في المنطقة العربية

في منطقتنا العربية لا يبدو تاريخ التصوير حاضرًا بشكل جدي، فالغرب الذي اكتشف آلة التصوير هو الذي وثّق الكثير من الأحداث العربية السياسية منها والاجتماعية والسياحية عبر الهواة والرحالة والمستشرقين، ودخل فن التصوير الضوئي بلاد العرب في ذروة التنافس البريطاني – الفرنسي بصورة خاصة، لاقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية.

وشكلت غزوة نابليون لمصر وسوريا العام 1898 بالنسبة إلى الأوروبيين بداية مرحلة جديدة من النشاط الاستعماري في المنطقة العربية عبر عنها الكاتب الفرنسي فيكتور هيجو سنة 1829 بقوله (القارة كلها تتجه نحو الشرق)

 لكن ثمة عوامل أخرى أسهمت أيضًا في ازدهار التصوير الضوئي في المنطقة العربية منها إدخال السفن التجارية إلى الخدمة سنة 1840.

التقطت أول صورة فوتوغرافية في المنطقة العربية بحضور محمد علي باشا في مدينة الإسكندرية وذلك في الرابع من تشرين الثاني 1839.

ومنذ التقاط الصورة الأولى في الإسكندرية، دخلت المنطقة العربية مرحلة جديدة من التوثيق البصري، وأخذ مئات المصورين بالتدفق على مصر وسوريا والتقطت آلاف الصور للمعابد والهياكل القديمة وللمدن والقرى، وسجلت عدسات المصورين الأزياء والأثار، ولاقت تلك الصور رواجًا كبيرًا في السوق الأوروبية، لدرجة أن بعض المؤرخين المعاصرين شبهوا أثر تلك الصور بالصور التي يجلبها حاليًا رواد الفضاء إلى الأرض.

ولعل أبرز المصورين الذين أدركوا قيمة توثيق المنطقة العربية هو المصور أدريان بونفيس الذي عمل وعاش مع عائلته في بيروت.

لا شكّ ان الكاميرا أمر اساسي في حياتنا اليومية، فمعظم التطبيقات الأكثر استخدامًا تعتمد على التراسل عبر الصور الفورية كتطبيق “سناب تشات”، إلى جانب تطبيق “إنستاغرام” الشهير الذي يعتمد كليًا على الصور ومقاطع الفيديو المصورة.

وفي عالم الأخبار، أصبح الخبر حقيقيًا أكثر مع كل صورة او مقطع مصور يُنشر وكل شخص أصبح مراسلًا وناقلًا لما يحدث حيث هو متواجد لا سيما مع الاستعمال الكبير جدًا لوسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا، وتطوّر الكاميرات ومدى قدرتها على اخذ صور دقيقة أمر مهم طبيًا وعلميًا ربما لفهم ادقّ لجسم الإنسان ولاكتشاف أوسع لحدود هذا الكون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق