قلم توك

حول النموذج الدولي الجاذب في عالم اليوم

لكل مرحلة تاريخية, ولا سيما في التاريخ الحديث, نموذجها الدولي الجاذب وربما المبهر أيضًا، بحيث يستقطب أنظار وتفكير وميول وأحلام مجموعات بشرية عديدة من مختلف القارات، خصوصا في البلدان التي تعاني من اضطراب مجتمعي ( حروب ومنازعات), أو تدني في مستويات التنمية البشرية فيها.

الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ بداية تأسيسها أواخر القرن الثامن عشر كانت بلد الحلم البشري الأول حيث تشكلت من مهاجرين وفدوا إليها من أوروبا بداية بعد أن دشن (كريستوف كولومبس) باكتشافه للقارة الجديدة عام 1492م شخصية المغامر الأوروبي المكتشف والمهاجر فيما وراء البحار.

ثم ارتفعت وتيرة الهجرة مع اشتداد الاضطرابات المجتمعية الأوروبية والتي ترافقت مع حروب دينية داخل القارة بعد الانشقاق الكبير الحاصل في الكنيسة الكاثوليكية والذي قادته حركة الإصلاح الديني البروتستانتي عام 1517م. فالهروب من الاضطهاد الديني الحاصل آنذاك ومن تلك الحروب والفظائع التي رافقتها فتح المجال واسعا لهجرة كثيفة إلى القارة الجديدة.

ثم أدى ظهور الحِرف الجديدة بتأثير الهجرة الكثيفة من الريف إلى المدن فيما بعد إلى بداية نمو العلاقات الرأسمالية والتجارة الواسعة خلف الحدود وحمى البحث عن الذهب في القارة الجديدة, بحيث أن كل هذه الظروف المستجدة منذ منتصف القرن السادس عشر وما بعد، شكلت جميعها حافزًا كبيرا للهجرة إلى القارة الجديدة, أمريكا, التي كانت بأرضها البكر الواسعة وثرواتها الباطنية الهائلة وسكانها الأصليين الأشبه بالبدائيين مجالًا جاذبًا وبقوة للهجرة. صارت الولايات المتحدة الأمريكية منذ لحظة تأسيسها وإعلان الاستقلال فيها, أمة مهاجرين بامتياز.

استمر الأمر كذلك بازدهار اقتصادي كبير حتى سنوات الكساد العظيم في أمريكا عام 1929م عندما حدثت أقوى أزمة اقتصادية في النظام الرأسمالي وفي القلب منه في الولايات المتحدة الأمريكية فانهارت أسواق الأسهم الأمريكية واستمرت الأزمة بين مد وجذر حوالي عقد من الزمن.

كان تأثير هذه الأزمة على اقتصاديات أوروبا الرأسمالية قويا سياسيًا واقتصاديًا حيث أظهر ميول شعبوية كبيرة وكاسحة باتجاه النازية والفاشية الأمر الذي مهد لنشوب الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945م التي كانت أبلغ تعبير عن الأزمة الاقتصادية الرأسمالية الخانقة وتعبير عن ضرورة الخروج من هذه الأزمة بإعادة تقسيم مناطق السيطرة والنفوذ الاستعماريين.

لكن الكلف البشرية الهائلة للحرب العالمية الثانية في نهايتها ودخول الاتحاد السوفيتي الناشئ آنذاك كلاعب دولي جديد محمولًا بقوة عسكرية حاسمة من جهة وأيديولوجية العدالة الاجتماعية والاشتراكية من جهة ثانية.

مع اقتطاعه مساحات واسعة من دول أوروبا الشرقية، جعلت من نظام (الاتحاد السوفيتي) السابق الذي كان يدعم كل الحركات المناهضة للاستعمار والاستغلال في العالم يتضمن النموذج الدولي الجاذب دوليا، لدرجة انقسم العالم بشكل واضح وكبير، طيلة القرن العشرين بين معسكرين رئيسين وكبيرين هما معسكر الدول الاشتراكية وحركات التحرر الوطني بزعامة الاتحاد السوفيتي من جهة. ومعسكر النظام الرأسمالي الاستعماري الإمبريالي كما كان يسمى, الذي يحتوي أيضا كل الأنظمة العسكرية الديكتاتورية والفاشية في البلدان المتخلفة, بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. من جهة ثانية. مما شكل ملامح خريطة جيوسياسية للحرب الباردة بين المعسكرين في القرن العشرين.

واستمر الحال الدولي كذلك حتى سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية تسعينات القرن العشرين الأمر الذي كشف بوضوح كبير عن طبيعة النظام الشمولي الاستبدادي القمعي الذي كان يقوم عليه هذا النظام وحلفاؤه في كل العالم. فكان تفكك منظومته الدولية الذي أحدث وما يزال خلخلة كبيرة وقوية في موازين العلاقات الدولية بشكل لم يعد نموذجه هو النموذج الجاذب حتى عند الكثير من مناصريه الأيديولوجيين في العالم.

لكن ما يغطي على هذه الخلخلة أو الفوضى الدولية هو التقدم العلمي الحاصل والمستمر في عالم الرقميات وثورة وسائل التواصل الاجتماعي وجعل العالم مفتوحا على بعضه بشفافية مذهلة بحيث يستطيع المرء أن يتابع الحدث لحظة وقوعه, أو يحادث شخصا أخر في أي مكان من العالم بكل يسر وسهولة, هذا عدا عن ثورة المعلومات التي تضخ يوميًا ما لا يمكن إحصاءه من معلومات ومعارف وأفكار. فبدأت تنضج فكرة المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان عند جميع الشعوب كأحد أهم أهداف كل الثورات المجتمعية التي حدثت وتحدث حتى اليوم, في أمريكا اللاتيينية وآسيا والعالم العربي وأفريقيا, بعد أن انكشفت بوضوح أكبر كل الأنظمة العالمية الفاسدة والمستبدة والتي غالبا ما ترفع شعارات وطنية أو قومية براقة.

فالعالم ما يزال يمر في حالة انكشاف وسيولة بفعل هاتين الثورتين: ثورة وسائل الاتصال الرقمية والمعلوماتية, وثورة الشعوب التي لا تهدأ.

لذلك يبدو أن النموذج الدولي الجاذب اليوم للبشرية عموما, منذ نهاية مرحلة الحرب الباردة أواخر النصف الثاني من القرن العشرين، يزداد الوعي به أكثر فأكثر منذ بدايات القرن الحالي وتزداد الحاجة إليه عند أغلب شعوب الأرض, ولا سيما في منطقتنا العربية, في نهاية العقد الثاني من القرن الحالي.

ليس في التفوق النوعي في ترسانة السلاح النووي الاستراتيجي, كما هو الحال في روسيا وكوريا الشمالية وكما تحاول إيران اليوم, حتى وليس في التفوق النوعي في الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا, فقط كما هو الحال في الصين.
وإنما بالإضافة لكل ذلك أيضا وبشكل أساسي وكبير في النموذج المجتمعي المدني السياسي واسع الحريات الذي يكفل فعلا في دساتيره وقوانينه أبسط مقومات الحياة الكريمة وحقوق الإنسان الأساسية.

لذلك نشهد ونعاين أن أغلب جهات النزوح والهروب والهجرة الشرعية وغير الشرعية, والمغامرة في سبيل ذلك حتى الموت, من بيئات الفقر والحروب والاضطرابات المخيفة، تكون دائما باتجاه أوروبا وأمريكا وكندا, تلك القارات التي تؤمن دولها هذا النموذج الدولي الجاذب ويغطي بنسبة كبيرة على أغلب الجوانب الاستعمارية والعنصرية السابقة, والسلبية أو السيئة الأخرى الموجودة فيها اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق