جرن حنطة

نعيم الدنيا الحمّام .. فكيف إذا كان في دمشق

الاتحاد برس – المحرر الرئيسي

“نعيم الدنيا، الحمّام” يقولها “الشوام” أو أهل دمشق إلى اليوم، فكيف إذا كان هذا النعيم الذي ستعيشه في مكانٍ مخصصٍ له كحمّامات دمشق القديمة التي لا تزال موجودةً إلى اليوم في بعض حارات الشام القديمة.

طقوس الحمّام تغيرت قليلًا، مع دخول الموبايل والتلفاز والأركيلة إليها، لكنها لا تزال محببةً لأهل الشام وحتى الزوار القادمين إليها.

كانت بداية الحمّامات الشامية عندما شرع الخليفة الأموي “الوليد بن عبد الملك” ببناء الجامع الأموي في القرن الأول الهجري… تحدث إلى أهل دمشق قائلاً: (تفخرون على الناس بأربع خصال، تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم وحماماتكم… فأحببت أن يكون مسجدكم الخامسة).

يقول نعمان “أفندي قساطلي” في كتابه (الروضة الغناء في دمشق الفيحاء) الذي وضعه في ثمانينيات القرن التاسع عشر(أجمع الذين ساحوا في جميع أنحاء الممالك العثمانية وبعض الديار الشرقية، على تفضيل حمامات دمشق عن غيرها لما فيها من الإتقان والنظام والهندسة وغزارة المياه وإتقان الخدمة والإكرام، والاعتناء وبخس الأجرة بالمغتسل).

إبداعٌ في البناء لا مثيل له

الدمشقيون أبدعوا في بناء حماماتهم، والإضافة إليها على مر عصور، حتى جعلوا منها روائع للفن الإسلامي في طرز عمارتها وفخامة أبنيتها وغناها بالزخارف والنقوش…رصعوا جدرانها بالقيشاني، ورصفوا أرضها بالرخام، وعقدوا على أطراف قبابها عقود الجص النافرة برسوماتها وزيناتها، كما أقاموا البحيرات التي تتشامخ فيها نوافير المياه على أشكال بديعة أخاذة. وتتميز جميع حمامات دمشق بوجود بحيرات تزينها في وسطها ومصطبات عالية لجلوس الزبائن عليها، كما يعلوها سقف مرتفع مع قبب يدخل الضوء منها من خلال فتحات كثيرة عليها زجاج خاص من تصنيع قزازي دمشق ويطلق عليها (القمرات).

أول ما يواجه الزائر إلى الحمام ما يسمى (البرّاني) وهو يضم مصاطب مرتفعة للجلوس، تتوسطه بركة تتدفق فيها المياه الباردة لتلطيف الجو، وهو معد لاستقبال الزبائن ونزع ثيابهم، وللاستراحة بعد الانتهاء من الاستحمام وارتداء الملابس النظيفة، ومن ثم الاستعداد إلى الخروج للشارع.

أما (الوسطاني) فهو قسم معتدل الحرارة ومتصل بالبراني، ويجلس فيه رواد الحمام للراحة أو إزالة الشعر أو تناول الطعام… في حين يعرف (الجواني) بحرارته العالية…لأن فيه يتم الاستحمام، وهو يتألف من عدة مقاصير، كل مقصورة عبارة عن غرفة فيها جرن يصب فيه أنبوبان أحدهما للماء الساخن والثاني للبارد.

ويوجد أكثر من جرن في المقصورة التي يمكن أن تحجزها أسرة بكاملها، أو مجموعة شبان… فتغلق بستارة تمنع دخول سواهم. ويضاف إلى هذه الأقسام مستودع كبير مجاور للحمام يدعى (القميم) بتشديد الميم، وهو يضم الموقد الملاصق لمستودع المياه لتسخينها، ومستودع تجميع الوقود.

ويعرف الرجل الذي يقوم على هذا الموقد بـ (القميمّي) وهي إحدى المهن التي كانت شائعة في دمشق… ومن الطريف أن بائعي الفول كانوا يستفيدون من عمل (القميم) في تسخين مياه الحمام، من أجل طهي الفول المدمس. عبر وضع قدورهم الكبيرة المملوءة بالفول، بجوار موقد القميم طوال الليل، بعد إحكام إغلاقها، فينضج الفول جيدا وعلى نار هادئة ما يعطيه مذاقاً لم توفره وسائل الطهي الحديثة!

أكثر من خمسين حمامٍ قديم في دمشق بقي منها 16

عدد حمامات دمشق 58 حماما متفرقة في أنحاء المدينة ما عدا الحمامات المتناثرة في قرى ما حول دمشق… أشهرها حمام الخياطين وحمام القيشاني وجدرانه مصفحة بالقيشاني، وحمام النوفرة وموقعه بالقرب من الباب الأموي الشرقي، وحمام المسك وهو أتقن الحمامات وأجملها، موقعه في حارة النصارى، جدده بعد سنة 1860 المرحوم متري شلهوب.

وهناك حمام الورد الواقع في وسط سوق ساروجة خارج سور المدينة القديمة، وتشهد السوق حركة سياحية نشطة وكذلك الحمام الذي لم يتبق غيره يعمل في السوق، حيث هناك حمام الجوزة في حارة جوزة الحدبا بساروجة والمقابل لمقاهي ساروجة الشهيرة، وهو مبنى مغلق وآيل للسقوط ويحتاج لأعمال ترميم سريعة، وهناك أيضا حمام الخانجي قرب سوق الهال القديمة في الجهة المقابلة لشارع وجسر الثورة..

ويوجد  حمام العفيف الذي كتبت على لوحة في مدخله عبارة: من يطلب العافية من رب لطيف فليقصد حمام العفيف، ومن حمامات دمشق أيضا حمام السروجي في حي الشاغور، وحمام الشيخ حسن في منطقة السويقة في الطريق المتجه من باب الجابية التاريخي إلى باب مصلى جنوبا، وهناك حمام عز الدين في منطقة باب سريجة التاريخية التي ترتبط بمنطقة باب الجابية.

ومن الحمامات أيضا حمام القرماني قرب ساحة المرجة الشهيرة وجسر الثورة، وكانت تحيط به سوق العتيق، ولكن بعد إزالة السوق وتحويل منطقتها إلى مسطح أخضر ظهر هذا الحمام بشكل واضح وببنائه الواسع الجميل، وأعيد ترميمه في السنوات الثلاث الماضية ليفتتح أبوابه أمام السياح والزوار، وما يميز هذا الحمام الذي ظل يعمل حتى أواخر تسعينات القرن الماضي، وفي حي العمارة القديم داخل السور هناك(حمام أمونة) الذي مازال يعمل على طريقة الوقود الخشبي.

ومن حمامات منطقة باب توما الشهيرة هناك حمام البكري، وفي منطقة باب توما أيضا وفي بداية الشارع المتجه إلى باب السلام أحد أبواب دمشق الأثرية السبعة، يوجد حمام (الشيخ رسلان) في حارة الجوزة، وعمره يتجاوز 800 سنة ويتميز الحمام بالمحافظة على تراث الاستحمام مع إدخال خدمة الساونا والبخار إليه ليتلاءم مع العصر، وتبلغ مساحته نحو 700 متر مربع.

يشير باحثون مشاركون في تظاهرة (حمامات) التي يرعاها الاتحاد الأوروبي، إلى أن دمشق كانت تضم حوالى 60 حماماً، يعد بعضها من روائع العمارة الدمشقية. لكن لم يبق منها سوى 16 تعمل حتى الآن، فبعضها غيّر وظيفته أو أهمل والبعض الآخر قيد الترميم وإعادة التأهيل، فيما هدم ما تبقى.

هناك كثير من الأسر الدمشقية عملت وتوارثت العمل في الحمامات، منهم آل التيناوي أصحاب حمام الناصري بالمرجة وحمام القرماني، وآل القطان، وآل كبب أصحاب حمام الملك الظاهر، وآل معتوق أصحاب حمام الملكة، وآل الموصللي أصحاب حمام الجوزة، وآل الملا وآل المارديني وغيرهم.

أصبح الحمام الدمشقي من التراث الشعبي لأهل الشام، فقد كان في الماضي مجمع الأصدقاء من الرجال والشباب، وملتقى الأسر، حيث يقضي فيه الجميع ساعات طويلة من السمر، وكانت الحمامات ولا تزال تخصص وقتاً لاستحمام الرجال من الصباح حتى الظهر وطول فترة الليل، بينما تخصص للنساء فترة ما بعد الظهر حتى المساء، وكان يحدث كثيراً أن تستأجر بعض الأسر الميسورة الحمام بكامله

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق