حصاد اليومقلم توك

كورونا الاقتصاد والحرب العالمية الثالثة

قلم توك زاوية حرة تعبر عن وجهة نظر الكاتب


قد تبدو فكرة ضلوع الولايات المتحدة الأمريكية في نشر فيروس كورونا بشكل متعمد على الأراضي الصينية من أجل توجيه ضربة لثاني أكبر اقتصاد بالعالم أحد ضروب نظرية المؤامرة . ولكن ما أن تمعنا قليلاً ببعض التفاصيل الإقتصادية الحاضرة والتاريخية قد يكون هذا السيناريو من أحد الفرضيات الواردة بقوة لتفشي هذا الفيروس كون الأمور تُقاس بنتائجها.

ما يجب ذكره أولاً بأن النظام السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية هو نتيجة ديناميكية لتفاعل لوبيات اقتصادية تقوم بتسخير كل شئ من أجل تعظيم القيمة السوقية لأسهم شركاتها المتعددة الجنسيات.

بعد إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ – على الرغم من انتشار الفيروس في مدينة واحدة في الصين وحالات فردية في أنحاء العالم.

انتقدت الصين هذا الإعلان الذي أخرج أكثر من 390 مليار دولار من التداول في سوق الأسهم الصينية. حيث هبط مؤشر شنغهاي الرئيسي بنسبة 7.72 بالمئة في يوم واحد وذلك حسب سعر الإقفال لهذا المؤشر في الساعة الثالثة ظهراً بتاريخ 03.02.2020 حسب ما صرّح به الموقع الرسمي لسوق شنغهاي للأسهم، ليكون هذا الأداء أسوأ أداء لمؤشر شنغهاي في يوم واحد منذ أربع سنوات.

من جهة أخرى أصدر بنك الشعب الصيني ( البنك المركزي) بيانا صحفيا يوضح فيه أن سبب انخفاض سعر المؤشر الرئيسي وكذلك الأمر قيمة اليوان الصيني الذي انخفض بقيمة 1.2 بالمئة – على الرغم من أن المركزي الصيني ضخ ما يفوق ال 173 مليار دولار في أسواق النقد- هو الفزع وسلوك القطيع.

وأقدم البنك أيضا على خفض غير متوقع في أسعار الفائدة على تسهيلات التمويل قصيرة الأجل بمقدار عشر نقاط أساس من أجل تحفيز الإقتصاد و أخراجه من تحت الضغوط الإنكماشيه التي أصابته بسبب إنخفاض الإستهلاك الداخلي و كذلك الأمر الخارجي بعد صدور بيان منظمة الصحة العالمية الذي أثر وبشكل كبير على الطلب على البضائع الصينية وبالتالي إنخفاض في مستوى الصادرات.

إن وقوع مدينة ووهان في وسط البلاد والتعجيل بتصريح منظمة الصحة العالمية بشكل غير متوقع زاد الضغوطات على الحكومة الصينية و خفف من قدرتها على إحتواء الفيروس.

ثاني أكبر اقتصاد عالمي ذاهب الآن بإتجاه مجهول في حال استمرت الوتيرة الإقتصادية على هذا النحو. ترافق انتشار هذا الفيروس في الصين مع خروج بريطانيا من إتفاقية البريكست وفرضها على الفور رسوم جمركية على كافة الواردات من الإتحاد الأوروبي الأمر الذي سيعقد وجود بريطانيا ضمن الخارطة التسويقية المفضلة للإتحاد الأوروبي حيث كان السوق البريطاني مستهلكاً جيداً للبضائع الأوروبية وخصوصاً في مجال المواد الغذائية.

هذا الحصار للاقتصاديات الكبرى في العالم مثل الصين والاتحاد الأوروبي يقودنا إلى توجية الشكوك وبشكل مباشر للولايات المتحدة الأمريكية التي تعاني ومنذ حرب العراق من مشكلات بنيوية في الاقتصاد من بطالة وتضخم.

إن هذه الحوادث البيولوجية و التطورات الإقتصادية على الساحة العالمية تعرقل عجلة الإنتاج والنمو الاقتصادي لأكبر منافسي الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى العالمي الأمر الذي سيخفف ضغوط المنافسة على الإقتصاد الأمريكي و الذي سينعكس على المدى القصير و ربما الطويل بشكل إيجابي على أرباح الكثير من الشركات الأمريكية.

هذا السيناريو العالمي يذكرنا بسيناريو حصل في نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات من القرن الماضي. أزمة الكساد العالمي التي حصلت في عام 1929 و التي انعكست بشكل سلبي على الاقتصاد الأمريكي كذلك الأمر على القتصاد العالمي، حيث نشأت بطالة جماهيرية كاسحة في البلدان الرأسمالية. فقد بلغ عدد العاطلين عن العمل في بريطانيا في عام 1936 حوالي المليون ونصف المليون عامل وارتفع عددهم عام 1937 إلى 1750 مليون عامل.

كانت الدولة قد قامت بتخفيض قيمة الجنيه الإسترليني عام 1931. هذه النسبة العالية من البطالة كانت نتيجة التخبطات الاقتصادية العالمية التي بدأت منذ تشرين الأول في عام 1929 حيث حصلت أزمة الكساد الكبير في الاقتصاد العالمي.

هذه الأزمة التي كانت الحجر الأساس لبداية الحرب العالمية الثانية، حيث انهارت المؤشرات الاقتصادية و الاجتماعية وذهبت الدول إلى تأسيس أنظمة اشتراكية قومية أو وطنية بدلاً من العمل على المستوى الدولي، الأمر الذي زاد نسبة المضاربات بين الدول وازدياد المد القومي حيث وصل النازيون إلى السلطة في ألمانيا و كذلك الأمر الفاشيون في إيطاليا.

والأهم من ذلك كان وجود جوزيف ستالين في السلطة في الاتحاد السوفياتي وهو الذي ابتكر شعار “الاشتراكية في بلد واحد” وبالتالي أيضاً رفع النزعة القومية ضمن الاتحاد السوفياتي، وكانت النتيجة بعد ذلك اندلاع الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة أكثر من 50 مليون شخص.

سيناريو ما قبل الحرب العالمية الثانية يتم تكراره الآن. بعد وصول ترامب للسلطة وقراراته التي أصدرها بالعقوبات على الكثير من الدول جعل حالة التنسيق العالمي في مجال الاقتصاد تتراجع للخلف، وبالتالي غياب المصالح المشتركة التي كانت تحول دون وقوع حروب بين القوى الكبرى من جهة، ومن جهة أخرى ساعد أيضاً بزدياد المد القومي على المستوى العالمي، حيث أنه و لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية يدخل حزب شعبوي يميني متطرف البرلمان الألماني والذي نجح في تحويل السياسة الألمانية ككل باتجاه اليمين.

وصول الأحزاب الشعبوية للسلطه في كل من إيطاليا والنمسا، بوتين في روسيا، أردوغان في تركيا، إيران والسعودية، وكل ذلك حدث بعد الأزمه الماليه العالميه في سنة ٢٠٠٨.

الشعب الأمريكي لم يعد بوسعه الاحتمال أكثر وكذلك الأمر الاقتصاد الأمريكي، فأصبحت ردات فعل السياسة الأمريكية أكثر عدائية و راديكالية.

ولكن هل ستكون الحرب العالمية الثالثة حرباً بيولوجية غير تقليدية على غرار ما حدث في الصين بسبب فيروس كورونا أم أن هذا الخيار سيكون هو الخيار الأخير لهذه المنظومة العالمية قبل البدء بالحرب العالمية الثالثة في حال لم يتم التوصل لاتفاق يرضي كل الأطراف.

وسام أبو حسون
عضو قيادي في حزب اليسار الألماني
حاصل على شهادة الماجستير بالعلوم الماليه والمصرفيه من جامعة دمشق .
يعمل حالياً في مشروع بحثي بجامعة بامبيرغ الألمانية.
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق