حصاد اليومقلم توك

السوريّون الذين لم يهاجروا… بعضُهم موتى، والبقيّة هم الأخبار

" يجب ألّا نكتفي بالنجاة، بل علينا أن نسعى إلى حياة أفضل "

قلم توك زاوية حرة تعبر عن وجهة نظر الكاتب

رامي غدير_اللاذقية

الخوف نوعان؛ الأول فطريّ نتشاركه مع الكائنات، والثاني يتمّ اكتسابه فيما بعد من محيطنا بشكل مباشر أو غير مباشر.

ويُعتبر الخوف سبب في معظم سلوكيات وقرارات البشر، سواء كانوا واعيين لذلك أو غير واعيين. يتفوّق الإنسان على باقي الكائنات بالخوف المضاف ” المكتسب “، والذي حصل عليه لأنه كائن عاقل، فعلى سبيل المثال الكائنات التي لاتملك العقل لا تخاف مما حدث معها بالأمس ولا مما سيحدث معها في المستقبل، وخوفها الوحيد هو غريزي يظهر حين تتعرض للخطر وكل ماتسعى له غريزياً وإن قلنا مجازياً أن لديها هموم فسنرى أن همها الوحيد يتمحور حول تأمين في حاجاتها للبقاء على قيد الحياة من أكل وشراب والمأوى الآمن .. وهي لا تعاني من القلق الوجودي، والأرق الليلي، والتفكير الزائد، والوساوس، وهموم الزواج وبناء الأسرة، وما شابه.

مخاوفنا نحن البشر مختلفة بهذا المعنى عن شركائنا في الكوكب من الكائنات الأخرى.
في الحرب يتجلى الخوف بأعلى درجاته وبكل أشكاله النفسية والبيولوجية … الآن بعد كل ماحدث في سورية يمكن القول أن السوريين لديهم نوعين للخوف؛ الخوف السوري ثم الخوف السوري !.

لماذا ستهاجرون ؟

يجبب بعض السوريون الذين طُرح السؤال عليهم وهم من فئات عمرية واجتماعية وثقافية متفاوتة: إن كمية الخوف الموجودة في الهجرة إلى بلد غريب هي أقل من الخوف الموجود في هذه البلاد في ظل الحرب هنا نحن خائفون من الموت بالدرجة الأولى فخسارة الحياة هي خسارة كاملة لكل شي، خائفون على أولادنا وأنفسنا من المجهول القادم في ظل الحرب.
والقلة منهم يحدّد السبب بمتعة الاستكشاف والتجريب والرغبة في الحصول على حياة أفضل .

لماذا لاتهاجرون؟

تجيب فئة أخرى من السوريين: خوفًا من المجهول الذي ينتظرنا ،خوفًا من أن تموت أرواحنا إن تركنا مسقط رأسنا وذكرياتنا وما بقي من الأصدقاء.
يقول أحد المزراعين: إن متّ أخاف أن أشعر بعد موتي بالوحدة إن دفنت في أرض ليست أرضي.
وثمة من يقول: لن نهاجر لأن هناك أسباب غير واضحة بالنسبة لنا تجعلنا أحياناً مطمئنين ومرتاحين بالرغم من أن المشهد العام في ظل الحرب لايوحي بذلك.

لماذا تشعرون بالحيرة بأخذ القرار حول الهجرة أوالبقاء ؟

يجيب هؤلاء: لأننا خائفون من أخذ قرار لانستطيع تحمّل مسؤولية ما ينتج عنه… فنحن في ظل الحرب لانستطيع أن نعرف إن كان البقاء أفضل أو الهجرة، يجب أن نجرب لنعرف وهذا النوع من التجريب يثير الخوف.

هل تفكر بالهجرة ؟ البعض امتنع عن الجواب ! وآخرون قالوا: كل ما نفكر به تأمين طعام اليوم لأطفالنا، ولا وقت لدينا لأفكار أخرى.

الخوف والخوف السوري دفع البعض للهجرة، والبعض الآخر للبقاء، وآخرين للحيرة .. فالخوف من الموت – موتنا أو موت من نحب – هو الجذر الحقيقي لكل أنواع المخاوف التي نعيشها، ويُعتبر هذا الخوف إلى حدّ كبير المحرك القوي لكل ما نفعله ونسعى إليه في الحياة، فثمة من يرى أننا نحب ونتزوج وننجب الأطفال ونسعى للمجد والتملك وغير ذلك فقط لأننا خائفين ونريد أن نترك أثراً نشعر من خلاله بالاستمرارية، وهناك من يرى أنّ كلّ هذه الأشياء نفعلها لأن الحياة تستحق أن نعيشها.

بعيدًا عن رعب الحرب، البشر يخافون بشكل عام لأنهم سيموتون وسينتهي كل شيء بغمضة عين، والأكثر رعبًا حول الموت هو المجهول الذي ينتظرنا بعده، فالبشرية منذ وجودها وحتى هذه اللحظة لم تستطع الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالموت وما بعده .

ومن جهة أخرى هناك وجهات نظر ورؤى للموت جاء بها الدين والفلاسفة، قد تبدو وكأنها تقدّم حلولاً وتجعله أخفّ مثل الحياة الأبدية والتقمّص والتحول إلى طاقة وغيرها.. وكلها تؤكد أنّ الكائن الحيّ لا يفنى.

يقول جان أردن :” عدم التفكير في الموت هو عدم التفكير في العيش “

ولكن من خلال تجارب البشرية وما تستطيع عقولنا أن تدركه، نعلم بأنه لايوجد سوى حياة واحدة سنعيشها مرةً واحدةً فقط .

وعيش الحياة يشبه أن تلعب الشطرنج مع بطل العالم، فرغم ثقتك بأنك ستخسر كل ما يجب أن تفعله هو الاستمتاع باللعب قدر الإمكان دون أن تشغل بالك بنهاية اللعبة ونتيجتها المحتومة .

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق