قلم توك

الإضرابات في فرنسا: دروس في الفاعلية السياسية

قلم توك زاوية حرة تعبر عن وجهة نظر الكاتب

في سياق الهزات التي تعصف بالنظام العالمي الجديد، من هونغ كونغ إلى تشيلي، لا يبدو الحراك الاجتماعي والسياسي الذي يجتاح الساحة الفرنسية خارج هذا السياق، وإن اختلفت حدته ودرجته وأدواته. من هذه الزاوية، يبدو التدقيق في عناصر التشابه والتمايز بين هذه التحركات الجماهيرية مسألة مفيدة بقدر ماهي مغريةٌ أيضاً.

السترات الصفراء بداية الحكاية

منذ 17 نوفمبر 2018، تم تنظيم الاحتجاج عند مفترقات الطرق والدوارات، كما تم تنظيم المظاهرات كل يوم سبت عن طريق إطلاق دعوات التظاهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد اختار المتظاهرون هذه السترات إلا أن القانون الفرنسي يلزم أصحاب السيارات باقتناء هذه السترة ليستخدمها عند تعرض سيارته لعطل لكي يلفت الأنظار .

وقد تخللتها العديد من الأحداث العنيفة ، ولاسيما في شارع الشانزليزيه. هذه الحركة الاجتماعية تعود جذورها إلى التشكيك في السياسة المالية للحكومة الفرنسية، وإهمال جزء من المناطق الواقعة بعيدا عن المدن الكبرى نظراً لأن هذه الاحتجاجات حشدت بشكل أساسي سكان المناطق الريفية ومما يعكس عدم الثقة المتزايدة في أداء المؤسسات الفرنسية.

يعتقد اختصاصي الجغرافيا السياسية ، ديدييه بيليون ، نائب مدير معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية (Iris) ، “أن الناس تعلموا التمرد في سياق الفوضى العالمية المتزايدة”. ويضيف” بأنه لا يمكننا استثناء أي قارة من حركات الاحتجاج هذه”.

حيث يمكن إعتبار هذه الحركة جزءًا من موجة من الحركات الاجتماعية على نطاق عالمي والتي بدأت منذ بدايات عام 2011 ومستمرة حتى اللحظة الراهنة، كرد فعل على تزايد مستوى التفاوت الاجتماعي ومستوى التفاوت الطبقي على الصعيد العالمي كنتيجة للعولمة التي تفرض شروطا متشابهة على المستوى العالمي.

ومن الأمور الملفتة للنظر والتي ترجح صحة هكذا استنتاج هو التشابه في الأسباب المباشرة ما بين تحركات السترات الصفراء والاحتجاجات الأخيرة في إيران مثلاً، وهي الزيادة المستمرة في أسعار الوقود.

ورغم استمرار حركة الاحتجاجات هذه لمدة عام كامل، ورغم اضطرار الحكومة الفرنسية لخوض العديد من الجولات التفاوضية مع الممثلين الذين استطاع الحراك تقديمهم، فإن هذ المفاوضات لم تتوج بمكاسب سياسية حقيقية.

من حركة السترات الصفراء إلى الحركات النقابية

الملفت للنظر أن الحركات النقابية بقيت متحفظة بشأن انخراطها في سياق حراك السترات الصفراء، ويعود هذا إلى جملة من العوامل، حيث تعاني النقابات المهنية من تآكل مستمر لأعضائها.

وهكذا، في نهاية عام 2018، علت بعض الأصوات في صفوف السترات الصفراء لـ “الإطاحة بالنخب”، سواء كانت سياسية أم نقابية، الأمر الذي دفع النقابات الفرنسية الرئيسية، التي اهتزت كنتيجة لهذه الحركة، إلى تجديد نفسها وإعادة التفكير في مواقعها، مدركة أن بقاءها يعتمد على ذلك. حيث كانت هذه هي المرة الأولى التي تظل فيها النقابات خارج حركة تحمل مطالب اجتماعية هامة” ، كما يؤكد المتخصص في العلوم السياسية جان ماري بيرنو الباحث في معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية (Ires).

بادرت النقابات الرئيسية إلى التقارب مع هذه التحركات، وأكد الأمين العام لـ CFDT لوران بيرغر، وهو واحد من أوائل من اقترحوا فكرة النقاش الوطني الكبير، أن “السترات الصفراء” تعبر عن مطالب اجتماعية “، ولا بد من الانتقال من “الغضب إلى الالتزام “.

في حين انتقد النشطاء غموض فيليب مارتينيز، زعيم أكبر نقابة فرنسية ال CGT، فيما يتعلق بـ “السترات الصفراء”، وطالبوا “بالمضي قدمًا” في دعم هذا “الظهور من الأسفل” من أجل تجاوز الـ “أزمة” في التمثيل النقابي ، المرتبط ربما بالانقسام و “تراجع كفاءة” النقابات.

وبعد مرور ما يقارب السنة من التجاذبات، استطاعت الحركة النقابية الفرنسية أن تستفيد من التحشيد الذي أسست له حركة “السترات الصفراء” في سياق موجة الاحتجاجات والإضرابات التي تقودها النقابات اليوم، ففي ختام اجتماع متعدد الأطراف يوم الخميس 19 ديسمبر/كانون الأول مع إدوارد فيليب رئيس الوزراء الفرنسي، حشدت النقابات العمالية للمطالبة بسحب إصلاح نظام المعاشات التقاعدية، القانون الذي تراه النقابات خطوة إضافية في الاعتداءات التي تمارسها الحكومة الفرنسية في قضم المكتسبات التي حققتها الحركة النقابية عبر تاريخ نضالها الطويل، حيث نجحت الحركة النقابية حتى اللحظة بتنظيم أطول فترة إضراب منذ احتجاجات مايو/أيار 1968، والذي يترافق مع ازدياد النقابات والتنظيمات النقابية المشاركة في الحركة الاحتجاجية.

وعلى الرغم من شدة هذه الاحتجاجات، إلا أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “يريد أن يكون رجل العالم الجديد ، لكنه يقلد مارجريت تاتشر” كما وصفه الأمين العام لنقابة CGT، أكبر النقابات الفرنسية، كما صرح بأن “الشيء الوحيد الملموس هو أن رئيس الوزراء لم يسمع الشارع.”

سؤال إعادة التموضع السياسي يطال الأحزاب السياسية

نتيجة لهذه المواجهة ما بين الحكومة الفرنسية والحركة النقابية، وجدت الأحزاب السياسية نفسها أمام ضرورة إعادة صياغة تموضعها في علاقتها مع الشارع الفرنسي من جهة ومع الحكومة الفرنسية من جهة ثانية وفي ما بينها من جهة ثالثة، الأمر الذي دفع الأحزاب السياسية اليسارية ( الشيوعيين والاشتراكيين والبيئيين وفرنسا الأبية، حركة أجيال)، إلى الاجتماع بتاريخ 19 ديسمبر/ كانون الأول والتنديد بإصلاح نظام المعاشات التقاعدية ومحاولة وضع مشروع مضاد على الطاولة بحلول يناير/كانون الثاني الجاري.

وفي أعقاب هذا اللقاء صرح فابيان روسيل الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي: “لقد نجح إدوار فيليب في الجمع بيننا، لتحدي مشروعه وتقديم مشروع إصلاح عادل ومنصف ومستدام”، ولكن حركة فرنسا الأبية بقيادة ميلانشون أبدت تحفظها خلال اللقاء وانتقدت الحزب الاشتراكي محملة إياه المسؤولية من خلال السياسة التي انتهجها خلال ولاية الرئيس فرنسوا هولاند، في الوقت الذي عبرت فيه مجمل الأحزاب عن رغبتها وتفاؤلها بإمكانية التقارب والعمل معاً في سياق جبهة يسارية موحدة.

يحدث هذا في الوقت الذي نجد فيه الأحزاب اليمينية الفرنسية، وكما هو متوقع، تمارس الاستثمار السياسي في سياق هذا الحراك المجتمعي مبديةً تأييداً خجولا للاحتجاجات مستندةً إلى تبنيها لبرنامج اقتصادي قائم على تحرير الاقتصاد، وبالتالي إعفاء السلطة من مسؤولياتها الاجتماعية التي تجسدها دولة الرعاية الاجتماعية “الرعاية الصحية، التأمين ضد الشيخوخة …..إلخ”، من دون طرح حلول ومشاريع بديلة، الأمر الذي يمكن تلخيصه بالكلمة المقتضبة التي وجهتها ماري لوبين للفرنسيين بمناسبة احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية، والملاحظ أن معظم أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا لا تقدم عبر “برامجها” بدائل مقنعة بالمعنى السياسي من التي تطرحها القوى الأخرى بما فيها اليسار الأوروبي رغم أزمته، وهي غالباً ما تعمل على إثارة المخاوف والنزعات المعادية للآخر “الغريب”، على حساب قلة اهتمامها بإيجاد برامج سياسية تمتلك قدراً من المعقولية في بلادها.

الأزمة الفرنسية على هذا الصعيد تبدو كاشفة اصطفافات القوى السياسية الفرنسية، اليمين واليسار وما بينهما، وتبدو مرآة لمشاريع اليمين واليسار وكيفية تعاطيه مع مسائل مجتمعية وطبقية، وتطرح أسئلة كثيرة من ناحية صمت اليسار على ما يحصل من ظلم وتفاوت طبقي في فرنسا والتحاقه بركب الحراك الاجتماعي، وإن متأخراً. كما أنها تثبّت وتبرز الهواجس المحافظة لليمين وممانعته للتغيير وعدم استعداده للانضواء في مشاريع تغييرية، لصالح فزاعات يستمر في رفعها، تارة بالنسبة للمهاجرين وتارة أخرة للإسلام، وغير ذلك.

كاتب سوري
باحث في العلوم السياسية
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق