أكاديمياالسلايد الرئيسيحصاد اليوم

مستقبل العلاقة بين المجلسين الكُرديين

مركز أسبار للدراسات_ ألمانيا

مُقدمة

في السادس عشر من شهر كانون الثاني/يناير 2020 طرح القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مبادرة لتقارب أطراف الحركة السياسية الكُردية، وعلى رأسها الطرفان الأكثر حضورًاودورًا وشعبية، حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي PYD، والذي يُعتبر حزبًا كُرديًا سوريًا قريبًا إيديولوجيًا وسياسيًا من حزب العُمال الكُردستاني، ويُعتبر الحزب السياسي “القائد” للإدارة الذاتية الكُردية، والحزب المؤسس لمجلس غرب كُردستان، والطرف الثاني المتمثل بالمجلس الوطني الكُردي ENKS، المؤلف من تشكيلة من الأحزاب السياسية الكُردية السورية، أكثر شعبية هو الحزب الديمقراطي الكُردستاني/سوريا، التنظيم السياسي القريب إيديولوجياً وسياسياً للحزب الديمقراطي الكُردستاني.

مبادرة عبدي التي طُرحت باعتباره القائد الأعلى للتنظيم العسكري الأكبر في منطقة شرق الفرات، والتي يمكن لها أن تقارب وجهات النظر بين القوى السياسية الكُردية بحيادية ما بين الطرفين. وهي مبادرة أتت بعد العشرات من الوساطات بين الطرفين، قادها رئيس إقليم كُردستان العراق مسعود البرزاني منذ العام 2014، ومن ثُم تدخلت العديد من القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الولايات المُتحدة ودول الاتحاد الأوربي، حيث كانت الظروف الموضوعية لأشكال التشنج والخلاف السياسي بين الجهتين تتغلب على الدوام على القابلية للتوافق.

أسس الخلاف بين الطرفين

مثل باقي الجماعات الأهلية السورية، فإن الأكراد السوريين عاشوا مُنذ انطلاق الثورة السورية شرخًا سياسيًا عميقًا، شكل انقسامهم بين المجلسين الكُرديين، المجلس الوطني الكُردي ومجلس غرب كُردستان، تعبيرًا عن ذلك الخلاف، الذي يمكن رصده على خمسة أسس:

1- كانت قوى المجلس الوطني الكُردي تناهض النظام السوري من الأيام الأولى لاندلاع الثورة، وبقيت على ذلك الموقف حتى انتمائه للمجلس الوطني السوري ومن ثم الائتلاف الوطني السوري ومن ثم الهيئة العليا للتفاوض.

على النقيض من ذلك، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي كان يعتقد بأن اتخاذ الأكراد السوريين منطقة وسطى بين النظام السوري وقوى المعارضة السورية هي المصلحة العليا للأكراد السورين. على ذلك الأساس دخل في توافقات غير مُعلنة مع النظام السوري، وتطورت تجربته في العمل العسكري لمناهضة القوى الإسلامية المتطرفة.

2- يعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي بأن مشروعه السياسي والعسكري، المتمثل بالإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية وباقي الأجهزة الإدارية والأمنية والاقتصادية واقعًا بديهيًا، وعلى أساس أنه القوة التي انتصرت في هذه الحرب. بينما تُشكك قوى المجلس الوطني الكُردي بشرعية تلك المؤسسات، وتعتبر بأنها تأسست من قِبل طرف سياسي فحسب، ودون توافق وشرعية انتخابية من القواعد الاجتماعية، وتطالب بإعادة تشكيلها على أسس توافقية جديدة.

3- يرى حزب الاتحاد الديمقراطي أن مشروعه الأساسي يتمثل بأكبر شبكة توافقية مع القوى الدولية للسيطرة العسكرية والأمنية على أوسع مساحة من سوريا، وفرض شروط سياسية من موقع القوة العسكرية. بينما تعتقد قوى المجلس الوطني الكُردي بأن ذلك يطيح بالتطلعات القومية للأكراد السوريين، وتصطنع أشكالاً من الحروب الأهلية في منطقة شرق الفرات، بالذات بين العرب والأكراد. فالمسألة الكُردية حسب المجلس يجب أن تنحصر في جغرافيا الأغلبية السكانية الكُردية، دون أية محاولة للهيمنة على غيرها من المناطق.

4- ثمة عدائية إيديولوجية وسياسية بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي وتركيا، بينما يسعى المجلس الوطني الكُردي لأن يصطنع أي صدام مع تركيا، باعتبارها قوة إقليمية شديدة الشكيمة، وأن أية صدامية كُردية معها إنما ستحطم التطلعات الكُردية.

5- يعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي أن الأكراد السوريين يجب أن يدخلوا المفاوضات المستقبلية حول سوريا كطرف ثالث، إلى جانب النظام وقوى المعارضة. بينما يعتقد المجلس الوطني الكُردي أن ذلك المسعى سيدفع الطرفين لأن يتوافقوا على مناهضة الحقوق القومية الكُردية، وأن موقع الأكراد مع قوى المعارضة سيأمن لها موقعًا فعالًا لتحديد ملامح سوريا المستقبلية.

دوافع الطرفين من التوافق

يعتقد المراقبون أن الطرفين الكُرديين يتدافعان نحو التوافقية بينهُما في ظلال ضغوط تفرض عليهما، واعتقادهما بما سيكسبانه من جراء هذا التوافق، والتي يمكن توزيعها على مستويين.

حزب الاتحاد الديمقراطي

1- يخوض حزب الاتحاد الديمقراطي مفاوضات مختلفة الاتجاهات، بالذات مع النظام السوري وروسيا والولايات المتحدة، بشأن مستقبله السياسي، ويتهم على الدوام بعدم تمثيله التام للأكراد السوريين، ويسعى لأن يكون توافقه مع المجلس الوطني الكُردية أداة لمغالبة ذلك.

2- يعتقد حزب الاتحاد الديمقراطي بأن توافقه مع المجلس الوطني الكُردي قد يقلل من الضغوط التركية عليه، من خلال إشعارها بأن ما يجري في شرق الفرات ليس مشروعًا مرتبطًا وتابعًا لحزب العمال الكُردستاني فحسب.

3- يعاني حزب الاتحاد الديمقراطي من آثار النزيف الديموغرافي الكُردي، ويعتقدون بأن الخلاف السياسي مع المجلس الوطني الكُردي كان على الدوام من أسباب سوء ثقة القواعد الاجتماعية الكُردية بمستقبل هذا الواقع المتشكل في منطقة شرق الفرات.

4- من خلال تجربتي الحربين في كُل من عفرين ورأس العين، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي يلمس القدرة التركية على محاربته في ظلال الانقسام الكُردي، من خلال الإيحاء بأن حربه إنما هو ضد طرف سياسي فحسب، وليس على القوى والمجتمع الكُردي، وأن ذلك سيكون أصعب في ظلال التوافق الكُردي الكُردي.

5- يسعى حزب الاتحاد الديمقراطي من خلال التوافق مع المجلس الوطني الكُردي إلى الانخراط في أطر المفاوضات السياسية السورية، وأن يكون ذلك بوابة لتوسيع اعتراف مختلف القوى السورية والإقليمية به كطرف سياسي.

المجلس الوطني الكُردي

1- تعتقد قوى المجلس الوطني الكُردي بأن حزب الاتحاد الديمقراطي، وبسبب مؤسساته الخدمية والعسكرية إنما صارت تستحوذ على ولاء القواعد الاجتماعية الكُردية، وأن المجلس لو شارك حزب الاتحاد الديمقراطي مؤسساته هذه، فأنه سيتمكن من إعادة جذب تلك القواعد.

2- تتأثر قوى المجلس الوطني الكُردي بمواقف إقليم كُردستان العراق، الذي يعتقد بأن مزيدًا من تفكك الإدارة في منطقة شرق الفرات إنما تضر باستقرار ونفوذ الإقليم، وعلى المجلس أن يقدم تنازلات واضحة للحفاظ على هذه الحالة.

3- يشعر المجلس الوطني الكُردي بأن مستقبل العملية السياسية السورية الذي كانت تعتمد عليه، إنما صارت أكثر هشاشة وضعفًا من القدرة على تحقيق موقع متمايز لهذه الأحزاب ضمن المستقبل السياسي السوري. لذلك فإنها تعقد بأن خياراتها السياسية يجب أن تكون قابلة لأن تذهب في أكثر من اتجاه.

قوى الضغط الاستراتيجية

طوال الشهور الثلاثة الماضية، مُنذ انتهاء العملية العسكرية التُركية في منطقتني رأس العين-تل أبيض، فإن ثلاثة قوى استراتيجية تضغط على المجلسين الكُرديين لأن يتفقا سياسيًا، ولو مبدئيًا وعلى مراحل طويلة الأمد. جميع المعلومات تقول أن الولايات المُتحدة وإقليم كُردستان العراق ودول الاتحاد الأوربي تدفع بذلك الاتجاه، ولكل طرف استراتيجيته ودوافعه لذلك:

الولايات المُتحدة:

1- تُعيد الولايات المُتحدة راهنًا رسم استراتيجيتها في كامل سوريا، وفي منطقة شرق الفرات بالذات، وهي تعتقد بأن توافق القوى الكُردية مساهمة في تلك الاستراتيجية. فالولايات المتحدة صارت تعتقد، بالذات بعد المواجهات مع فصائل الحشد الشعبي العراقي، بأن الأكراد هُم القوى السياسية الأكثر طلبًا وقبولًا للنفوذ الأميركي في المنطقة.

2- لا تريد الولايات المتحدة أن تسير الاستراتيجية الروسية الساعية لخلق أية مساحة مشتركة بين النظام السوري والقوى الكُردية، لا تريد لها أن تتيسر دون ضوابط أميركية. لذلك فإن الولايات تسعى لأن يكون طيف القوى السياسية الكُردية شديدة التنوع.

3- ترغب الولايات المتحدة التخفيف من حد التوتر والمعادلة الصفرية بين تركيا والحالة في منطقة شرق الفرات، وهي تعتقد بأن التوافق الكُردي/الكُردي الداخلي عامل في ذلك الاتجاه، لأنه آلية فيما تدعي تركيا بأنه “ارتباط” بين إدارة منطقة شرق الفرات وحزب العمال الكردستاني.

4- تعتقد الولايات المتحدة بأن التوافق الكردي الداخلي سيكون أداة لأن يُعاد تشكيل الوفاق الكردي العربي السرياني في تلك المنطقة.

إقليم كُردستان

1- يعتبر إقليم كُردستان العراق أن التوافق بين الطرفين الكُرديين يخلق له مساحة نفوذ ما في منطقة شرق الفرات، وبالتالي في الملف السوري.

2- لإقليم كُردستان العراق علاقات وترابط اقتصادي مع منطقة شرق الفرات، وهو يعتقد بأن التوافق الكُردي في تلك المنطقة سيحولها إلى منطقة نمو اقتصادي، ويزيد من وتيرة التبادل الاقتصادي.

3- يعتبر إقليم كُردستان العراق بأن المحاولات الثنائية من تركيا والنظام السوري للإطاحة بمشروع منطقة شرق الفرات إنما تمس أمنه القومي، وأن التوافق الداخلي الكُردي يحول دون تحقق ذلك.

4- يعاني الإقليم من ضغوط قرابة ثُلث مليون لاجئ كُردي سوري، وهو يعتقد بأن التوافق الكُردي سيخفف من نزيف الهجرة واللجوء إليه من قِبل الأكراد السوريين.

قوى الإعاقة

على الدفة النظيرة، فأنه ثمة ثلاثة قوى تسعى لإعاقة التوافق والحوارات الداخلية بين المجلسين الكُرديين، وسوف كل ما تستطيع لأن تمنع ذلك.

تأتي تركيا على رأس تلك القوى، وتهدد المجلس الوطني الكُردي بإخراجه من كل أطر المعارضة السورية فيما لو فعلت ذلك. لأن تركيا تعتقد بأن توافق المجلسين سوف يُحطم حجتها الرئيسية الذاهبة للقول بأن منطقة شرق الفرات مُسيطر عليها من قِبل “قوى إرهابية مرتبطة بحزب العمال الكُردستاني”، ويسمح لأن تتلقى تلك المنطقة مزيداً من القبول الدولي والإقليمي.

روسيا بدورها تعتبر أن التوافق الكُردي سيكون لصالح مساعي الولايات المُتحدة لترتيب تلك المنطقة سياسياً، وخارج التوافق مع النظام السوري، وهو ما يُصعب المهمة الروسية لإعادة هيمنة النظام على تلك المنطقة، وإن عبر تفاوض بين نظام الأسد وحزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي.

يشغل النظام السوري منطقة محيرة في ذلك. فمن طرف يخشى من التوافق الكُردي لأن يشكل مدخلاً لتطور منطقة شرق الفرات سياسياً، لكن من طرف آخر يتمنى أن يكون التوافق بين مختلف القوى مدخلاً لإضعاف الجهة التي سيتفاوض معها، عبر اللعب على تناقضاتها.

أسس التوافق بين الطرفين

يرى المراقبون بأن أربعة “حلول وسطى” قد تقارب مستويات الخلاف بين الطرفين، وأنها طروحات الوسطاء ستتراوح في ذلك الإطار.

سياسياً سيكون الاتفاق المشترك بأن يكون الأكراد السوريون أوصياء على أنفسهم، بعيداً عن القوى الكُردية الإقليمية، هو مفتاح العلاقة السياسية بينهما. وأن يكون ذلك أداة لأن تكون الحياة العامة في منطقة شرق الفرات مفتوحة، لكافة اشكال العمل السياسي والمدني.

كما أن الطرفان عليهما أن يتوافقا لخلق جهة كُردية قادرة على خلق توافقات بين الأكراد وشركائهم الآخرين، من عرب وسريان وأرمن.

كذلك فأن التوافق الاقتصادي يجب أن يقر بفتح الحياة الاقتصادية في البلاد على مستويات أكثر شفافية، تستطيع فيه الجهات العامة الاطلاع على كمية الموارد وطرائق صرفها، من عائدات المعابر الحدودية إلى عائدات النفط والمساعدات الدولية والضرائب، وأن تكون جميع المؤسسات والأجهزة الاقتصادية وظائف عامة مفتوحة لجميع جمهور المواطنين.

لن ينفصل ذلك عن الخدمات العامة، التي يجب أن تتطور هياكلها لأن تكون أكثر عمومية واستقلالية عن أي مشروع سياسي. تلك الأجهزة والأدوات الخدمية التي تبدأ من البلديات العامة وتمر عبر الوزارات الحكومية، ولا تنتهي بمؤسسات المجتمع المدني.

وأن تكون مختلف تلك الجهات توافقية في إدارتها، بالذات إداراتها العليا، حتى لا تكون أداة للسيطرة على القواعد الاجتماعية الكُردية.

أخيراً، فأن الملف العسكري سيكون الأكثر جدالاً، لأن الطرفان يعتبران الهيمنة الأمنية والعسكرية أساس الهيمنة السياسية. لكن المراقبين يعتقدون بأن قبول قوات سوريا الديمقراطي بتحويل “لشكري روج”، القوى العسكرية المرتبطة بالمجلس الوطني الكُردي، والمُقدر عددها بحوالي خمسة آلاف مقاتل، والمتمركزين في إقليم كُردستان العراق، يعتبر المراقبون بأن قوات سوريا الديمقراطية ستقبل بها كقوات أمن داخلي، هو الحل الأمثل لحل هذا الملف.

الخلاصات


ثمة خمسة خلاصات من المفاوضات الراهنة بين المجلسين الكُرديين:

1- الزخم الأميركي والكُردي العراقي للدفع باتجاه حدوث ذلك هو بأعلى مستوياته، لكنه يفتقد الآلية المناسبة للبلورة في أداة ضغط واضحة.

2- ثمة حاجة ملحة للطرفين الكُرديين، لكن الخلاف هو في الآليات التي يجي الاتفاق عليها مسبقاً، فالمجلس الوطني الكُردي يسعى لاتفاق تفصيلي، بينما يسعى حزب الاتحاد الديمقراطي/مجلس غرب كردستان لأن يكون اتفاقاً سياسياً فحسب.

3- يفتقد المجلس الوطني الكُردي لآلية اتخاذ القرار الجريء في إطار الذاهب إلى مثل ذلك القرار، وهو تردد نابع من احساسه بإمكانية فقدانه لجميع المنصات، في حال لم يكن الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية مضبوطاً وذو مردود.

4- يستشعر المراقبون بأن التوافق السياسي في تلك المنطقة بين القوى الكُردية سيسمح لأن تجري توافقات سياسية أخرى بداخلها، خصوصاً بين العرب والأكراد.

5- سيكون التوافق الكردي أداة لأن تتأثر عملية التفاوض السورية/السورية الكبرى، وأن يكون ثمة إمكانية لأن يدخل الكُرد إلى تلك المفاوضات كطرف مستقل.

المصدر
The New ArabArab NewsGlobal ResearchDuvar English
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق