ايام زمان

الصحف الورقية..ذكريات لم تستطع هزيمة التطور

الاتحاد برس – هبة زين العابدين

صباح كل يوم، كان للحصول على نسخة ورقية من الصحف والمجلات له متعة من عالم أخرى ورونق لم يعد موجودًا في ظل الشاشات الصغيرة، حيث كان ينتظر الجمهور بتلهف لمعرفة الأخبار الجديدة ومواكبة الأحداث بين سطور الصحف وأوراقها الكبيرة.

شهدت الصحافة الورقية خلال السنوات الأخيرة انخفاضًا كبيرًا، أخذ يتفاقم من سنة إلى أخرى في العديد من الدول نتيجة لثورة الاتصالات والمعلومات وظهور شبكة الإنترنت.

فقد ترك معظم القراء مطالعة الصحف الورقية ونشأ جيل جديد لم يعد يتعامل مع الورق، وتغيّرت أنماط الاهتمام والقراءة لدى مجتمع المعرفة، وانتشرت ثقافة الحصول المجاني على المعلومة، مما أدى إلى التراجع المتواصل لمبيعات الصحف الورقية وانخفاض عائداتها من الإعلانات، التي تتحرك بسرعة صوب شبكة الإنترنت.

عن الصحف الورقية

الصحف هي الوسيلة الرئيسة للصحفيين لنقل الأخبار، وكان أول ظهور للصحيفة عام ألفٍ وسبعمائةٍ للميلاد، تبعَ ظهور الصحافة ظهور للمجلات في القرن الثامن عشر للميلاد، يليها ظهور الإذاعة والتلفزيون في القرن العشرين، عقبها حديثاً ظهور الإنترنت في القرن الحادي والعشرين للميلاد.

وتحتوي الصحف غير متخصصة (العامة) على سلسلةٍ من الأخبار والأحداث السياسيّة والرياضيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة المحليّة والعالميّة، وتتضمن عدداً من وسائل التسليّة؛ كالكلمات المتقاطعة، والأبراج وحالة الطقس، بالإضافة لهذا تحتوي الصحف على عددٍ من الأعمدة والمقالات ورسوم الكاريكاتور وغيرها، وتعد الصحافة المكتوبة المهنةَ الأهم لنقل الأخبار والأحداث في المحيط المجتمع والعالم، والمَهمة الأولى لهذه المهنة هي البحث عن الأخبار ونقلها.

والصحف أو الجرائد هي عبارة عن مطبوعة دورية الإصدار، متنوعة في مضمونها، لها شكل ونمط محدد مع النشرة أو المادة المطبوعة، تحتوي الصحيفة المطبوعة على عددٍ من المواد الإعلاميّة بصيغةٍ صحفيّة، والتي تتضمن أنباء متداولة عن آخر الأخبار والمقالات والتحليلات، وعدد من الزوايا والأبواب المفرغة متخصصة لأنواع من الأدب والكتابات المنوعة، وتهدف الصحافة في شكلها ومضمونها إلى التوزيع والنشر ونقل الأخبار في شكل إعلاناتٍ ومعلومات.

عادةً ما يتم طبع النسخ من الصحف على ورقٍ زهيد الثمن، وتنقسم الصحف إلى عامة ومتخصصة، ويمكن أن تصدر بشكلٍ دوري كأن تكون يوميّة أو أسبوعيّة.

أول ظهور للصحف

نشرت أول صحيفة عام ألفٍ وستمائةٍ وخمسة للميلاد، وأول صحيفة كان ظهورها في فرنسا عام ألفٍ وستمائة واثنين وثلاثين، حيث صدرت أول صحيفةٍ فرنسيّة وأول صحيفة على نطاق العالم، وأطلق عليها صحيفة (الأخبار اليوميّة)، تلتها بفترةٍ قصيرة ظهور صحيفة (لاغازيت).

وكانت أول صحيفةٍ عربيّة تسمى (الحوادث اليوميّة)، تم صدورها في زمن الحملات الصليبيّة، عن طريق المطبعة الفرنسيّة التي أحضرها نابليون بونابرت أثناء حملته لغزو مصر، وأول ظهور لصحيفة عربيّة في الشمال الإفريقي هي صحيفة (المبشر)، عام ألفٍ وثمانمئةٍ وسبعة وأربعين.

أما في التاريخ القديم فقد كانت هناك بدايات للصحف في (روما القديمة)، حيث كانت تنشر الإعلانات الحكوميّة، ويتم نحت تلك الإعلانات بالمعادن والحجر، وتعليقها على جدران الأماكن العامة.

بداية الاندثار

تعاني الصحف الورقية من أزمة وجود كبرى رغم النجاحات الكبيرة التي حققتها في مجال الإعلام على مدار ثلاثة قرون.

فقد أعلنت صحيفة “وول ستريت جورنال” في أيلول 2017 التوقف عن طباعة النسخ الورقية منها، وذلك بعد أشهر من تخفيض إنتاج الصحف الورقية خارج الولايات المتحدة بسبب تراجع الإعلانات لصالح الصحافة الرقمية.

وإلى جانبها أيضًا أوقفت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية المرموقة نسختها المطبوعة العام الماضي بعد 30 عامًا من إصدارها معلنةً المستقبل للمجال الرقمي، واختتمت الصحيفة إصدارها الورقي بعبارة “اليوم توقفت المطابع وجفّ الحبر وقريبًا لن يُصدر الورق حفيفًا”.

كما أوقفت مجلة “نيوزويك”، والتي تعد من أهم وسائل الإعلام الأمريكية، ويزيد عمرها عن 80 عامًا، نسختها الورقية أواخر العام 2012، لانخفاض عائدات الإعلان، قبل أن تعاود الصدور ورقيًا في آذار 2014.

على الصعيد الآخر

تحولت كبرى وسائل الإعلام العالمية إلى الساحة الرقمية لنقل المحتوى، بحثًا عن تكاليف أقل وجمهور أكبر، لا سيما مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات عند شريحة واسعة من الجمهور.

وعرفت الصحافة الإلكترونية في عام 1993 بإصدار صحيفة “سان جوزيه ميركوري” الأمريكية، تلاها تدشين أول ظهور إلكتروني لصحيفتي “ديلي تليغراف” و”التايمز” البريطانيتين عام 1994.

عربيًا، كانت صحيفة “الشرق الاوسط” من أوائل الصحف العربية التي ظهرت على الشبكة العنكبوتية في 9 أيلول 1995، ثم تلتها صحيفة النهار اللبنانية، التي أصدرت طبعة إلكترونية يومية بدءًا من الأول من كانون الثاني 1996، وبعدها صدرت صحيفة السفير اللبنانية.

 إلا أن القفزة الكبيرة التي شهدتها الصحافة الإلكترونية كانت عقب أحداث الحادي عشر من أيلول العام 2001، وقتها استفاق العالم على وقع حدث مهول في أمريكا، واستطاعت الصحف الإلكترونية والمواقع الإخبارية أن تنقل بالكلمة والصوت والصورة ذلك الحدث التاريخي بدقة وكفاءة، بينما تعثرت بعض الصحف والفضائيات التقليدية في تلك المهمة.

واستمر تطور الإعلام الإلكتروني حتى وصل إلى مستويات من المهنية أصبح فيها يجاري الصحافة التقليدية ويهددها في أكثر من ناحية، وخاصة في الشق المادي وتحقيق هامش ربحية أكبر، فضلًا عن تميزه في نواح اجتماعية عديدة.

يرى المدير التنفيذي لشركة غوغل العالمية، إيريك شميدت، وفي كتابه “العصر الرقمي الجديد”، أن التركيز المستقبلي للقراء سيكون بالأساس على التحليلات المعمقة التي تصدر عن خبراء ومختصين، وتركز على أبعاد الأحداث وانعكاساتها، والتي لا يمكن تخصيص أماكن لها في الإعلام الإلكتروني نظرًا لطبيعة القارئ هناك. ويرى شميدت أنه يجب التركيز في الإعلام المطبوع على الصحافة الاستقصائية المستندة إلى الوثائق والإثباتات وتهيئة الكوادر الضرورية لهذا المضمار.

مقارنة

حضور الصحف الورقية تراجع في الآونة الأخيرة لصالح الصحافة الإلكترونية، لوجود فروق عديدة بينهما لصالح الأخيرة، أبرزها التكلفة المادية، فإصدار الصحف يحتاج لمبالغ كبيرة، كتكاليف التحضير والطباعة والتوزيع وما يلزم ذلك من خدمات لوجستية وقانونية وكوادر بشرية، بينما لا تكلف المنصة الإلكترونية سوى اشتراكًا ببعض الخدمات الشبكية، وعددًا من أجهزة الكمبيوتر والبرامج، وبعض العاملين لا يشترط وجودهم في مكان واحد.

وبينما تقف قدرة الصحيفة المطبوعة عند تقديم النصوص والصور على مساحة ورقية محدودة، يتفوق الإعلام الإلكتروني في التأثير البصري والسمعي على القارئ، مستخدمًا قدرته على توظيف الوسائط المتعددة، كالفيديو والصوت والصور المتحركة، والتقنيات المتجددة، التي تتيح مساحة أكبر من التفاعل والمشاركة وإبداء الرأي.

ولا تستطيع الصحف الورقية تقديم الأخبار والمعلومات للقارئ بشكل كامل، وأحيانًا تعمل على طمس بعضها أو تسلط الضوء على جوانب محددة منها بما يخدم توجهات مالكي الصحيفة، أما في الصحافة الإلكترونية فيمكن الحصول على الأخبار من مصادر عديدة مختلفة الاتجاهات، والتحقق من المعلومات من خلال عمليات البحث في المحتوى “الهائل” الذي تضخه وسائل الإعلام بشكل لحظي.

وتعد سرعة التدفق والانتشار واتساع دائرة الوصول من أهم الفروقات التي تتميز بها الصحافة الإلكترونية، فلا تقف حدود الأخبار عند كمية النسخ المطبوعة وعدد الأكشاك التي توزع بها، ولا يتعين على المواد الصحفية العبور عبر سلسلة من الفنيين والتقنيين والموزعين قبل أن تصل جمهور قرائها.

 ومن الفروق المهمة بين الصحافتين (الورقية والإلكترونية)، ميزات التفاعل، إذ يستطيع القارئ التحاور مباشرة مع الصحفيين عبر المواقع الإلكترونية، وإبداء رأيه تجاه المواد المنشورة، كما تتيح ميزات المشاركة إعادة تدوير الأخبار ونقلها إلى أوساط ودوائر متجددة باستمرار.

وتواجه الصحف الورقية صعوبة التخزين والأرشفة والنقل، فبالإضافة لكونها تحتاج لمساحات فيزيائية لحفظها، يفقد الورق بعض خواصه بمرور الزمن متأثرًا بالعوامل الجوية، وتتعرض الصحف للتلف والرطوبة والاهتراء والتمزيق، بينما يخزن المحتوى الإلكتروني بصيغة رقمية ويبقى متوفرًا في كل وقت، متماشيًا مع جميع وسائل العرض الحديثة، ويمكن حفظه على وسائط صغيرة الحجم وقليلة السعر.

أما حرية التعبير في العالم الرقمي فحدودها أكبر من نظيرتها الورقية، ومفهومها مختلف، فمعظم الصحف الإلكترونية تعطي هامشًا من الحرية لقرائها في التعليق على الأخبار والقصص، وتتفاعل بشكل مباشر معهم، وقد يأخذ التفاعل شكلًا غير مهني أحيانًا، يصل حد التصادم والسباب والتشهير، ما تعتبره بعض المواقع “إثارة” تدر عليها المزيد من الزائرين والكثير من الشهرة.

سلوك الناس” أصبح مغايرًا ومتماشيًا مع الطبيعة التكنولوجية المحيطة وسرعة تطور الأحداث، إذ لم يعد بالمقدور الانتظار لصباح اليوم التالي للحصول على وجبة من الأخبار والمعلومات، ولا بد من المواكبة اللحظية لما يجري.

و باتت الصحافة الإلكترونية تستهوي الأجيال الجديدة أكثر بأشواط من الصحف المطبوعة، بسبب قدرتها على الإفلات من الرقابة المجتمعية والأسرية والسلطوية، وهذا ينطبق على شعوب العالم ولكنه في المجتمعات العربية أشد تأثرًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق