السلايد الرئيسيبورتفوليوحصاد اليوم

ربيع جابر .. الروائيّ الواضح الخجول

الاتحاد برس _ ولاء تميم

يوجدٌ أسماءٌ في عالم الأدب والكتابة قد لا نراها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة، ولا تمرّ أمامنا هنا وهناك، إن ذُكرت أمامنا سنرجع رأسنا للخلف أو نغمض عينًا ونفتح أخرى لنستذكر الإسم ثمّ نجاوب بالنفي بأننا لا نعرفها. قد تمرّ أمامنا ويدفعنا الفضول لنقرأها وقد تأتينا كنصيحة من صديقٍ خبيرٍ بالروايات وعالم الكتابة والسحر، أحد النصائح التي ستُغني عقلك وقلبك “ربيع جابر” الروائيّ الخجول البعيد عن العاديّة المغلّف بالتميّز.

“تحدث الأشياء مرة واحدة وإلى الأبد” جملةٌ جاءت في كتاب “طيور الهوليداي إن” لـ “جابر” نفسه نستطيع أن نسقطها على الروائيّ الملمّ بالتاريخ، أيضًا روائيٌ بعالم خاص كانت الصفة التي أطلقها العديد ممن قرأوا كتبه، أو حتى سمعوا عنه، هو الذي لطالما كانت عزلته ما يميزه حقاً وتبعده عن فكرة الكاتب المُستَهلَك.

أسلوب واضحٌ في الكتابة يسحبك معه لتعيش تفاصيل الرواية وعمقها حتى تشعر أنك أمام مشهدٍ من فيلم ليس ورقةً في كتاب وحسب، يختلف على تقبّله وحبّه كثيرون حيث يصفه البعض ممن قرأوه بأنه واضحٌ حدّ الأذى بعيدٌ عن أية مشاعر.

تأخذ روايات “جابر” المنحى الذي يمسك القارئ من كتفيه ويهزه عنيفًا، يتردّد بين الماضي والحاضر، الواقع والحلم، فيمثّل ذاتًا لإنسان خبِر الحروب اللبنانية ومفاعيلها مع إظهار عبثية الموت وابتذال العيش وهذا ما يظهر جليًا في روايته التي وثقت الحرب الأهلية اللبنانية بطريقة دقيقة “الاعترافات”.

ففي روايته الأشهر “دروز بلغراد/ حكاية حنا يعقوب” (المركز الثقافي العربي/ الآداب) والتي نال عنها الجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” لدورةعام 2012، يواصل الكاتب أسلوبه في خلق عوالم تاريخية جذابة، وقادرة على خطف القارئ منذ السطور الأولى.

وعن دروز بلغراد قالت لجنة تحكيم جائزة البوكر: “العمل الأكثر تميزاً ولمعاناً واجتهاداً فاستحقت جائزة البوكر العربية للرواية للعام 2012 لتصويرها القوي لهشاشة الوضع الإنساني من خلال إعادة خلق قراءة تاريخية ماضية في لغة عالية الحساسية.

الكتابة… الخلاص الوحيد

منذ بداياته، اعتبر “جابر” الكتابة بأنها الخلاص الوحيد، الدرب الواضح المضيء الذي سيمشي عليه، لا أحد يعلمُ الكثير عن حياته الشخصية إلاّ القليل وما استشفه الناس من كتبه وبعض التصريحات القليلة جداً.

لم يدخل “جابر” عالم الكتابة من أسهل أبوابه، اختار أصعب الأبواب وبقي سنواتٍ يبحث عن مفاتيح الأقفال عبر الدخول إلى معارك التاريخ والتغلغل فيها، حتى باتت الروايات التاريخية لعبته السرديّة المفضلة، فكتبَ (كنتُ أميراً، يوسف الإنجليزي، بيروت مدينة العالم الجزء الأول، بيروت مدينة العالم الجزء الثاني، أمريكا، دروز بلغراد) وغيرها.

في ربيع العشرين من عمره نشر روايته الأولى “سيّد العتمة” عام 1992، ونشر سبع عشرة رواية ما بين 1992 و2009، أي بمعدل رواية واحدة كل عام. ولطالما كان محتوى هذه الروايات وجودتها وتنوعها هو ما يُلفت أكثر من غزارتها، وأهمّ ما جاء ضمن هذه الكتب كان “الفراشة الزرقاء” التي نشر طبعتها الأولى باسم “نور خاطر” ليعود ويضع اسمه الحقيقي في الطبعة الثانية.

ولد “ربيع جابر” في بيروت عام 1972، ورغم حصوله على شهادة في الفيزياء من الجامعة الأمريكية في بيروت إلا أنه اشتغل في الصحافة وعمل محررًا في الملحق الفكري والأدبي الأسبوعي “آفاق” في جريدة الحياة اللندنية.

 يتميز الروائي بنوع من الخجل الشديد وحب العزلة، فهو لم يجر طوال مسيرته الأدبية الحافلة سوى مقابلة صحفية يتيمة نظرا لابتعاده عن الأضواء.

“ربيع جابر” كاتب لبناني يمتلك قلماً رائعاً وطريقة سرد سلسة جداً، عاصر جزء من الحرب الأهلية اللبنانية لذلك نجد روايته شاي أسود  تحوي الكثير من تفاصيل الحياة الإنسانية في زمن الحرب وتعتبر حوارًا مع النفس من “حسام” الشخص الذي يؤمن أن الحياة عبارة عن مسرحية هزلية عبثية وهو مؤدي فيها ، يعيش في خياله أكثر من العيش على أرض الواقع “حسام” تجسيد لكل شخص أكبر من عالمه.

الحرب .. في أغلب حكايات جابر

نجد الحرب أيضًا في رواية “بيروت” وروايات أخرى التي تجعلك تشعر أنك أمام قاهرة “نجيب محفوظ”، يضعك الكاتب هنا في قلب المعارك ويجعلك تصارع أفكارك للنجاة مع أخر صفحةٍ في الكتاب، لهذا اعتبر الكثير من القراء والنقاد أنّ “جابر” أفضل من كتبَ عن الحرب.

الكثير من النقاد والقراء يختلفون على أدب “جابر” بقولهم أنّ لغته جامدة ضعيفة تعتمد على المباشرة والوضوح والجمل القصيرة، فيما يقول أخرون أنّ هذا الوضوح هو ما يميزه بالفعل.

لا يزال “جابر” يراقب بيروت والعالم ربّما سيكتب عن حربٍ جديدة، وربّما عن قديمة هو الذي يحبّ التوغل بالتاريخ وهو الكاتب الغزير الإنتاج دومًا، ورغم انعزاله وبُعده إلاّ أنّ عملية بحثٍ بسيطة وقراءة كتبه كفيلةٌ بأن تجعلك تشعر به وما يحاول قوله ” هناك شخص في داخلي يريد أن يحكي و يحكي و يحكي”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق