السلايد الرئيسيحصاد اليومقلم توك

مجنون على حافة الرصيف

قلم توك زاوية حرة تعبر عن وجهة نظر الكاتب


” أنا آسف، ابنكم مصاب بالتهاب السحايا، سيكون بصحة جيدة، لكنّه سيعيش بقية حياته بعقل طفل عمره ثلاث سنوات”. ربّما بكاؤه لوقت طويل وانشغال الجميع بلحظة وفاة جدّه سبّب إصابته بالمرض ثم الجنون كما قال الطبيب.

يجوب أحمد شوارع مدينة عامودا طوال النهار بهدوء كمرور الملائكة. يدلف إلى الزوايا والحارات كأنّ أي مكان في المدينة مقصده.

يرجع بيته ويلتحف بفراشه مثل عصفور لا يتوه عن دفء عشّه. لا حرج عليه إن التهم أيّ شيء تقع عينه عليه، تاركًا بسمة جهله في وجوه الناس، خاصة حين يلمح أحدهم يحتسي الشاي فيخطفها ويشربها دفعةً واحدة، يعيد الكأس مكانها على عجل وكأنّه على ميعاد مع صُدف شرب الشاي في مكان ما آخر بوجهاته غير المحددة.

حين قرّرت الحكومة السورية تعبيد الطرقات في مدينة عامودا سنة 1980، قام العمّال بوضع كتل الزفت في البراميل لتذوب تحت أشعة الشمس الحارقة في شهر آب وتتحول إلى سائل. اتجه أحمد صوب أحد البراميل وعيونه تتوسع دهشةً حتى كادت تخرج من محجريها كعيون أسماك ميتة. ينظر إلى البراميل الواحد تلو الأخر، يحوم حول أحدها محدّقًا بفضول، يقفز ليدخل في اللهيب الذائب كالذي يسقط في هاوية من سعير فيعلو صراخه في الأفق كعويل العالم بأسره.

ظنّ الناس أنه مات حين أنقذه أحدهم وحمله إلى بيته، سمعوا بكاء والده ونحيب أمه تقول “ولدي الهادئ مات“. بينما تزيل أخته الزفت بواسطة الكاز عن جسده المحروق المتآكل مع المادة. انتبه أحمد لجملتها وهي تقول ” غرق أحمد في الزفت ولم يمت“، بدا كراجع من ميعاد جمعته الصدفة مع الجحيم.

بعد فترة من شفاءه عاد يدخل أي بيت بابه مفتوح في عامودا مرددًا جملة أخته لسنوات رغم ذاكرته المؤقتة، كذاكرة رضيع ولد لتوّه.
بين عامي 1985و 1986 كان أحمد يمشي على طريق “الهول” بعد انتقالهم إلى مدينة الحسكة، فجأة ألقت عناصر الجيش السوري القبض عليه عند نقطة عسكرية، مستمتعين بضربه وهو يحاول أن يخبئ جسمه براحتيه، يبكي بشهقات متتالية دون أن يفهم أو يسأل. قيل أن طائرة إسرائيلية يقودها جاسوس إسرائيلي متواجدة في المكان، ما أثبت اتهامهم ارتداء أحمد زي أخيه العسكري الذي أنهى المعسكر الجامعي منذ فترة وجيزة. وكصورة معتقل هارب من حلم، أعلن التلفزيون السوري إلقاء القبض على الجاسوس موجودًا؛ يقال أن القناة نفت الخبر بعد أقل من نصف ساعة، حين أكّدت العناصر، بامتعاض، إنه مجنون يلفظ جملة غير مفهومة “أحمد غرق في الزفت و لم يمت”.

بعد وفاة والديه، قرر أخاه الكبير إرساله إلى مصحٍّ في حلب ، هرب أحمد من المصح مشاركًا جنازة مرّت بالمكان في تلك الدقائق، لم يعثر أحد على أثر له بعد عمليات بحث استغرقت شهرًا كالذي يتقفى آثرًا في الأفق، قام عمّه وأخوه بنشر صوره في الأماكن العامة والمستشفيات دون جدوى. اعتقد الجميع أن أحمد توفي وتلاشت جثّته و قال آخرون أن عصابة اختطفته وباعت أعضاءه. عُثر عليه في طريق حلب حين اتصل أحدهم بعمه، كان يجلس القرفصاء بجسد على هيئة كومة من العظام جوعًا، لحيته طويلة وثيابه متربة وممزقة كتمثال متروك منذ سنين؛ لم يعرف أخيه فور وصوله، أمعن النظر فيه قائلاً ” شاي، أريد شاي”.

هرب أحمد من مصح في مدينة دير الزور في عام 2012 كان قد أرسله أخيه بعد شهر من مكوثه، قاطعًا مسافات طويلةٍ إلى أن رأى نفسه وسط متظاهرين يطالبون بإسقاط النظام السوري. أطلقت القوات السورية الرصاص الحي على المتظاهرين لتفريقهم، لم يتحرك أحمد من مكانه على حافة الرصيف، بدا كمحاربٍ عائدٍ من الماضي لا يعرف ما يحدث في محيطه الذي تحول إلى دائرة من النيران، أصيب بثلاثة رصاصات في كبده، تعافى تدريجيًا بعد استئصال جزءًا من الكبد كأنّه على موعد مع مستحيلٍ يتحقق في كل مرة.

في حي الصالحية بمدينة الحسكة عام 2018، عاش أحمد الموت حين قطع الشارع على طريق “الغزل” وصدمته سيارة، أضحى ماضٍ في مخيلة ذويه وكل من سمع الخبر، نقل إلى المشفى على الفور. امتلأَ المكان بأقربائه و معارفهم، علا الحزن والدموع وجوههم لكنها تحولت إلى غرابة فور دخولهم غرفته، كان أحمد واقفًا على السرير و إبرة “السيروم” معلقةً في يده قائلًا جملة بالكاد تفهم “سني يؤلمني”، كطفل يلفظ أولى كلماته.

خطوط الإثنا والخمسون عامًا خطّت آثارها على ناصيته المجعّدة وتركت بياضها على شعره. الآن، يعيش أحمد وحيدًا في بيته كطائر خانه الطيران، رائحة الطعام في يدي عمه الذي يعتني به بروح ترسم له شكلًا من الجنة، لا يدرك ظلام غرفته الموحية بالسأم إن نسي عمه إشعال الضوء، لا يربكه برد الشتاء القارس وهو ملتفٌّ بلحافه نائمًا، على الرغم من وجود مدفأة لا يجيد فهمها لا يشعر بالوحدة التي يحياها في غمرة الفراغ والجمود بعد سفر ذويه، وامتناعه عن الخروج بعد آخر حادثة.

أحمد حكاية محطات زمنية رواها الموت وهزمتها الحياة، قصص غير منتهية لأمل يصنعه القدر وترتّبها الصدفة لتأخذ بيده بغموض بعيدٍ عن ألم واقعه وخيبات البشر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق