السلايد الرئيسيتحقيقحصاد اليوم

البيوت المجهزة تحتاج جيبة مكتنزة.. وبرد بيوت “العضم” ينخر عظام السوريين

تحقيقات الاتحاد برس _ دمشق ||

وديع فرح ||

تعيش دمشق ضائقتها الثقيلة بصمت مطبقٍ منذ ثماني سنوات ويزيد. تضربها الأزمات واحدة تلو الأخرى وتتراكب لتبدو آثارها على تجاعيد الوجوه في الشوارع والأمكنة على السواء. فمن الغلاء الصادم في أسعار المواد الاستهلاكية إلى النقص المتفاقم في الموارد النفطية ومخصّصات الفرد منها، ومنه إلى أزمات يكثر عدّها تُكبّل حركة المدينة وتضع أفرادها على هامش الحياة الكريمة.

تبزغ من بين هذه الأزمات أزمة باتت وضّاحة وجلية لكثير من سكان العاصمة وريفها. فالارتفاع المستمر والملحوظ في إيجارات البيوت على ضوء نزوح آلاف العائلات من المحافظات المنكوبة، منذ ست سنوات ولغاية اليوم، يشكّل معوّقاً حياتياً أمام الكثير من الأسر ذات الدخل المحدود، وبطبيعة الحال للعائلات الوافدة من المحافظات المتأثرة بضراوة الحرب.

من أكثر الأسواق ازدهارًا .. العقارات ولعبة التجارة

زارت “الاتحاد برس“، في محاولة للكشف عن الأسعار الحقيقة للإيجارات في دمشق، (أبو غيث) صاحب مكتب عقاري في شارع خالد ابن الوليد في منطقة المجتهد موازيني _ دمشق.
يقول أبو غيث: “أعمل كدلّال وتاجر عقارت منذ قرابة خمسة وثلاثين عاماً، لكنّي لم أشهد في يوم تذبذباً في أسعار العقارات وإيجاراتها كما هي الحال اليوم. في السابق كان مكتبنا هو الوحيد في هذا الشارع أمّا الآن بإمكانك أن تجد مكتباً عقارياً بين كلّ محلّ وآخر.”

_ ما سبب هذا الإقبال على سوق العقارات برأيك؟

يجيب أبو غيث: ” لأن من كان يملك رأس مال يستثمره بالتجارات الحيوية: كالمواد الغذائية والأقمشة والألبسة والكهربائيات، بات اليوم أكثر تخوّفاً من تذبذب الليرة ولجأ لتجميد رأسماله إمّا في العقارات أو السيارات او الذهب وكلّ ما يمكن أن يحافظ على سعره مقابل الدولار.”

جمعيات سكنية في دمشق

أمّا عن العقارات وسوقها في دمشق يحكي أبو غيث: ” لم يعد اليوم بمقدور الدلّال فرض إيجار معيّن على صاحب العقار; لأن الأخير بات يلاحظ تضخم الطلب على الشقق السكنية، فيأتي صاحب العقار للمكتب بسعر محدّد وغير قابل للتفاوض وليس علينا إلا التقيّد به; وبذلك تحوّلت مهنة الدلّال إلى مجرد عملية وساطة بين صاحب العقار ومستأجره بعدما كانت تشتمل على وظائف أخرى عديدة أهمّها تحديد قيمة العقار وبالتالي أجره.”

ويضيف بصدد الإيجارات قائلاً: ” تلعب عوامل كثيرة في تحديد إيجار هذا البيت أو ذاك، فيؤخذ بالحسبان إذا ما كان المنزل مفروشاً أو غير مفروش، قريباً من السوق والمؤسسات الحكومية أم بعيد، مكسياً كسوة “ظريفة” أو “هات ايدك ولحقني”. فمثلاً هنا في بباب مصلى والمجتهد، والميدان بشكل عام، يصل إيجار منزل بمساحة 100 متر مربع غير مفروش إلى حدود الـ110 آلاف ليرة في الشهر الواحد. وعلى هذا المقياس يمكن تحديد معظم الإيجارات في المنطقة والمناطق المجاورة لها بحيث تكون أكثر أو أقلّ قليلاً. أمّا المنازل المفروشة فيتراوح إيجارها ما بين الـ75 والـ150 ألف ليرة في الشهر الواحد.

أمّا في المناطق “الهوب هوب” (بإشارة منه إلى رُقيها) كالتجارة والعمارة والمهاجرين والمزة والعفيف وغيرها من المناطق المجاورة والقريبة من مركز العاصمة فبإمكاننا الحديث عن إيجارات تبدأ من ال١٥٠ ألف وصولاً للـ٣٠٠ و٣٥٠ ألف ليرة في الشهر الواحد.”.

ويضيف في ما يخصّ المناطق الراقية: “هناك من أصحاب العقارات، وهذا كان يحدث باستمرار في السنوات الخمس الماضية، من يقوم بالاشتراط على المستأجر دفع بضعة آلاف من الدولارات لعقد إيجار سنوي أو نصف سنوي.

وإذا كنت من المحظوظين ووجدت منزلاً فارغًا في دمشق القديمة أو ساروجة أو القصاع أو الغساني فليكن في حسابك أن الأسعار جنونية لا يمكن حتى تخمينها.”

ومن مصادر فعّالة وموثوقة في السوق توصلت الاتحاد برس إلى أسعار تقريبية للإيجارات، بحسب المساحة والفرش، لكل من المناطق التالية:

برزة وركن الدين وقدسيا: ابتداءً من الـ ٥٠ ألف ولغاية ١٣٠ ١٥٠ ألف ليرة في الشهر الواحد.

أمّا في ريف دمشق.

جرمانا والتل: ابتداءً من الـ ٥٠ ولغاية ١٢٠ ألف ليرة في الشهر الواحد.

جديدة عرطوز وصحنايا وقطنا: ابتداءً من الـ ٣٥ ألف ولغاية ٧٥ ألف ليرة في الشهر الواحد.

والجدير بالذكر أنّ الشريحة الأكبر من المستأجرين هي من النازحين أو الطلبة القادمين من الأرياف، وغالباً ما تحتاج الأُسر المستأجرة إلى موافقات أمنية تستغرق من ١٥ يوماً ولغاية الشهر.

هي عيشة ما بتقبل فيها الـ.. .. أزمة أشق على هامش الأزمة

” هي عيشة ما بتقبل فيها الدواب”. هكذا قالت أم حسن للاتحاد برس. وهي امرأة أربعينية تعيش وأطفالها الثلاثة كعائلة همشتها الحرب والأوضاع المعيشية الكربة في البلاد.

تقطن أم حسن وأطفالها الثلاثة، حسن 6 سنوات مريم 5 سنوات حسام سنتان ونصف، في منزل عشوائي غير مكسيّ (على العضم) في حيّ الجمعيات في جرمانا – ريف دمشق.

كانت المنخفضات الجوية التي حلّت على دمشق منذ مطلع العام الجاري ضيفاً ثقيلاً على أم حسن وأطفالها، أو كما عبّرت هي عن ذلك : ” الله لا يوفق هالعيشة .. لما بتغيب الشمس وبتنطفي الكهربا منقعد انا وهالولاد بهالزاوية (مشيرةً إلى زاوية من زواية غرفة واسعة لا يفصلها عن صقيع الخارج سوى بضعة بلوكات إسمنتية) ومنتلحّف بهالأغطية ومنعدّ الدقائق لترجع تجي الكهربا .. وهي اذا أجت!”.

يبدو مطبخ أم حسن خال إلا من بعض الحِلل والصحون والمطربانات وقرص فخاريّ، بالإضافة إلى غاز فارغ على الدوام. أمّا الحمام فهو عبارة عن مكعَّب إسمنتي لا باب يرصده. فيه طاسة “وتشط” للاستحمام.

وعن روتين هذه الحياة القاسية تحكي أم حسن: ” أُعدّ الغداء ثلاث مرّات في الأسبوع بحيث تدوم الطبخة ليومين; وذلك لصعوبة الطهي على القرص الفخاري واستغراقه وقتاً طويلاً.

كما أنّنا نقيم “حفل” استحمام واحد كلّ أسبوع; نظراً لعدم توفّر المياه الساخنة وغياب الدفء الواقي من أمراض الشتاء. وعند الليل ننام جميعنا في هذه الغرفة التي لا تسترها إلا هذه “الجلولة الخفيفة”.”

_ وما هي وسيلة تدفئتكم في ساعات الكهرباء؟

” ما عندي غير هالدفاية .. ودوبها ادفي حالها شوفة عينك .. منتجمّع أنا وهالولاد فوقها وما منقوم لتقطع.”

وتتابع أم حسن: ” هؤلاء الأطفال بحاجة إلى كراسٍ ومرايل (بزز) مدرسية وفطور يومي و”خرجية”. كما أنّهم يسأمون أحياناً من لفافات الزعتر واللبنة وأكون مضطرةً حينها لشراء علبة مرتديلا او جبنة سائحة. وهذا كلّه فوق طاقتي، وكثيراً ما يجيئون “بنهفات وفنّات” جديدة ومكلفة بتأثير من زملائهم في المدرسة، وطبعاً تضيع مطالبهم بالمماطلة والوعود الكاذبة.”

وتضيف: ” أعمل ستة أيام في الأسبوع ولمدّة سبع ساعات يومياً في معمل لإنتاج حلوى قمر الدين، وفي يوم عطلتي غالباً ما أعمل في تنظيف البيوت. يُنقدني صاحب المعمل ٤٠ الف ليرة شهرياً واقبض من العمل في التنظيف ثلاث آلاف ليرة في الأسبوع.

“أدفع ٢٣ ألفاً كإيجار لهذا المنزل ليبقى بحوزتي بضعة ألوف وكثيراً ما استدين فوقها لتغطية نفقتي لحين نهاية الشهر.”

إنّ السؤال الملحّ الذي يمكن أن يتبادر على ذهن الناظر إلى هذه الأبنية حديثة البناء مسلوخة الكسوة; كم عائلة من العوائل المنكوبة تسكن سكنة أم حسن؟

يجيبنا السيّد مهاوش، أحد أولئك الذين يسكنون وعائلتهم في ذات المنطقة، قائلاً: ” إن أعداد العائلات التي تختار هذه السكنة في تزايد مستمّر، فمن كان يملك في بادئ الأمر مالاً ليستأجر بيتاً مكسياً كما كان حالي عندما أتيت إلى جرمانا نازحاً من قرية الرغيب _ دير الزور، بات اليوم معطوباً اقتصادياً ولا بدّ له من التأقلم مع هذه السكنة.

وتعود الأسباب لقلّة فرص العمل إن لم يكن انعدامها، علاوة على الغلاء “المستفحل” الذي شهدته السلع الغذائية ومواد التنظيف وغيره من الحاجات الرئيسية للعيش.”

وعن شظف الحياة وخياناتها المستمرّة له ولعائلته يتحدّث مهاوش: ” في هذا الشتاء أصاب ابنتي نور (7 سنوات) التهاب قصبات مصاحباً لسعالٍ حاد “يقطّع القلب” اقعدها الفراش لمدّة أسبوعين.

أردنا تطبيبها عند طبيب، وهذا ما فعلناه حقاً، لكنّنا انفقنا ما في جعبتنا عند الكشفية، وعندما سألنا عن سعر الدواء صُدمنا، إذ أنّه تجاوز الـ5000 ليرة وهذا ما لم يكن معي.

قرّرت أمّها الانتظار مع طابور الناس الواقفين عند باب الهلال الأحمر (منظمة إنسانية تطوعية) حيث قيل أنّه يطبّب الناس بالمجان. وفي صباح ذلك اليوم خرجت زوجتي وابنتي من السابعة صباحاً ولم يعودا إلا مع حلول المساء؛ إذ أنهن ظلتا واقفتين مدّة خمس ساعات ولم يعدن بنتيجة إلا تلك الورقة التي تحمل رقم دوريهما.

شُفيت نور بقدرة قادر ولكنّني أمضيت أسبوعاً أنام وفي صدري حرقة؛ إذ كيف أنجب طفلاً لا أستطيع لمداواته سبيلاً؟”.

ويضيف مهاوش: ” اسكن أنا وحمويَّ وأختي وأطفالها بالإضافة لزوجتي وابنائي الاربعة في شقة مساحتها 120 متر، وفي هذه الحالة فقط يمكننا أن نعيش دون الخوف من أن ينام أحد الأطفال وهو جائع.”

_ ماذا تمتهن حجّ مهاوش وكم تكسب شهرياً؟

” إنّني أعمل في كلّ شيء دون أجر محدّد، فنعمل أنا وابن أختي في أحيان كثيرة ك”حمالين”، نقف والعتالين الآخرين في الساحة (ساحة السيوف) بانتظار رزق يأتي أو لا يأتي. وقليلاً ما يهاتفنا أحدهم للقيام بأعمال التعزيل، كتنظيف مناور الأبنية أو البيوت المتروكة لزمن طويل أو شيء من هذا القبيل.”

على الدولة فرض ضرائب على أصحاب العقارات!

التقت الاتحاد برس، في ظلّ تقصيها عن الأسباب والمخارج الخاصة بأزمة السكن في دمشق وريفها، بالمحامي المتخصَص بالشؤون العقارية راني.ص.

يجيبنا الأستاذ راني عن سؤال ” ما هي الأسباب الكامنة وراء أزمة السكن في دمشق وريفها؟” قائلاً:
” تعرّضت دمشق وريفها إلى خروج ما يقارب الثلاثمائة ألف مُنتج عقاري خارج الخدمة بفعل الحرب وآثار الإرهاب; ممّا خلّف نقصاً ملحوظاً في المساكن مع تزايد اضطرادي لأعداد السكان الوافدين من شتى المناطق التي تضرّرت بفعل الحرب.

وتحتاج المدينة إلى ما يقارب المليون منتج عقاري حتى تستوعب الأعداد المتزايدة للسكان. هذا فضلاً عن تهاوي سعر صرف الليرة مقابل الدولار ممّا يفاقم من أزمة المُستأجرين والمؤجرين على السواء.”

ويضيف في ذات السياق: ” كما أنّ هذه الأزمة من مفرزات ثقافة الإيجار التي رسمتها التحولات العميقة في الأوضاع الميدانية للحرب; فانقسمت المساكن على إثر هذه الثقافة إلى آمنة وغير آمنة، “مدلّلة” كهربائياً أو محرومة، تتبع لسوق مركزيّ (كأن تكون معظم أسهم العقارات متجمّعة بأيدي رجال مناطقيين أو طائفيين يتلاعبون بالأسعار ليفرضوا واقعاً جديداً) أو لسوق العرض والطلب. وكما تلعب ثنائية (الدخيل\الأهليّ) دوراً في رسم معالم هذه الأزمة.”

وفي إطار الحلّ يقترح الأستاذ راني التالي: ” على الدولة فرض ضرائب تطال كلّ من مُلاك العقارات (الذين يملكون أكثر من عقارين ومسجلين بعقود إيجار) وملاحقة المكاتب والشركات العقارية غير المرخصة وفرض ضرائب على المرخصة منهم، واستحداث لجان خاصة تسعى إلى توزيع نشرات تقيمية تتضمن الأسعار الخاصة بالإيجار والبيع والشراء في المنطقة فالحيّ فالشارع على كلّ المكاتب العقارية وفرض قوانين تدين وتغرّم من يتلاعب بهذه الأسعار.”

تبقى أزمة السكن من الأزمات التي تفرض نفسها بجدية على المواطن أينما حلّ ضمن مناطق الداخل السوري، فالدمار الذي شهدته البلاد بالإضافة إلى موجات النزوح التي لم تتوقف منذ ثماني سنوات علاوة على استمرار الحرب في بعض المناطق والسقوط المستمر لسعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية كلّها مسببات لابد من الإحاطة بها لدى الشروع في معالجة هذه الأزمة المتفاقمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق