السلايد الرئيسيتحقيقحصاد اليوم

أول سر من أسرار الغابة المصرفية في سوريا المصرف الدولي للتجارة والتمويل . من سرق؟ ومن المستفيد؟ ( الجزء الأول)

تحقيقات _ الاتحاد برس

وسام أبو حسون

لم تكن حادثة الاختلاس التي قام بها مدير خزنة المصرف الدولي للتجارة والتمويل “محمد أمين سوركلي” حدثًا فريدًا من نوعه في سوريا بعد استعار المشهد على الأرض بين النظام الحاكم و قوى المعارضة بمختلف أشكالها السياسية منها والمسلحة.

منذ عام 2011 حدثت عدة سرقات لمصارف وبنوك من بينها بنك بيمو الذي تعرض فرعه في شارع 29 أيار للسرقة كما تعرضت مصارف عامة لسرقات كبيرة من بينها المصرف التجاري في حلب ودرعا وحمص.

ما سبق كانت عمليات اقتحام و سرقة بالقوة بينما في قصتنا كما ذكرنا سابقًا فقد كانت عملية اختلاس منفذها الرئيسي وكبش المحرقة مدير الخزنة، وهذا ما ظهر بالنسبة للرأي العام خلال مواكبة وسائل الإعلام الحادثة منذ وقوعها والإعلان عنها حتى الحكم على مدير الخزنة محمد أمين سوركلي بعد ثلاث سنوات من إلقاء القبض عليه في عام 2016.

إضاءة على الأخبار المتداولة بخصوص حادثة الاختلاس

ضجت مواقع الأخبار في صبيحة أحد أيام كانون الثاني الباردة عام 2013 على خبر فضيحة مصرفية كانت عبارة عن سرقة الخزنة الرئيسية للمصرف الدولي للتجارة والتمويل في دمشق. لقد كان مجموع المبالغ المسروقة ما يعادل 800 مليون ليرة سورية. سرقة رصدتها كاميرات المصرف التي ظهرت في تسجيلاتها تفاصيل لم يتم طرحها للإعلام.

تعرّضت الخزنة الرئيسية ﻟﻠمصرف ﻟلسرقة ﻣن قبل ﻣدير الخزنة وأشخاص آﺧرﯾن ﻣن ﺧـﺎرج المصرف وذﻟـك ﯾــوم الخميس الموافق 2013\1\17 حيث ﻟـم يتم اكتشاف عملية السرقة إﻻ ﯾوم اﻷحد و ﺗﺑﯾن ﻧتيجة الجرد أن المسروقات ﻫﻲ ﻛﺎﻟﺗﺎﻟﻲ:
دوﻻر 3,400,000 و ﯾورو 4,750,000 و ل.س 33,000,000

علم “محمد أمين سوركلي” مدير الخزنة أنه سيكون مطلوبًا للانتربول بسرعة ويوضع اسمه بالنشرة الحمراء. وذكرت حينها عدة مواقع الكترونية بأنه قد تم القُبض عليه في مطار القاهرة من قبل المباحث المصرية قادمًا من تركيا ،ولكن لقصة القبض عليه ملابسات لم يتم الإعلان عنها سنذكرها بالجزء الثاني من التحقيق ،حيث تم ترحيله من مصر إلى سورية، واستلامه من قبل السلطات الأمنية في سورية بتاريخ 28/4/2013

وبعد ثلاث سنوات من إلقاء القبض عليه وهي مدة طويلة لشخص مدان بدليل قاطع!. ففي نوفمبر 2016 قضت محكمة الجنايات في دمشق على سوركلي بالسجن 22 عامًا مع الأشغال الشاقة بتهمة سرقة المال العام وتهريب الأموال خارج سوريا.

بعد سبع سنوات اسم للواجهة

على مدى سنوات قبل أن تتم هذه السرقة دارت النقاشات حول المحسوبيات التي تضع أشخاصًا غير مناسبين في مواقع حساسة وذات مخاطر عالية مثل منصب مدير فرع الخزنة الرئيسية.

مدير فرع المركز المسؤول عن الخزينة الرئيسية للمصرف الدولي للتجارة والتمويل والذي كان بعهدته أكبر مبلغ في البنك يحمل شهادة معهد و يبلغ من العمر 22 عامًا فقط.

وجوده ضمن هذا المنصب من حيث المفهوم المصرفي من الممارسات الوظيفية الخاطئة نظرًا لارتفاع المخاطر التشغيلية التي ترتبط بصفات هذا الشخص.

النقاشات التي كانت تحدث تفضي لتسريبات وأسئلة حول العلاقة القوية التي تربط السارق “محمد أمين سوركلي” بمدير الموارد البشرية للمصرف الدولي للتجارة والتمويل السيد فادي الجليلاتي ( ابن محمد الجليلاتي _ وزير مالية سابق).

الخطوط الرئيسيّة لعملية الاختلاس


البداية هي من الثقة الكبيرة التي تم إعطائها لشخص مثل محمد أمين سوركلي من قبل الإدارات التنفيذية للمصرف الدولي للتجارة والتمويل كانت دائماً محط تساؤل. لماذا يملك هذا الشخص صلاحيات هي حسب الأنظمة التشغيلية للمصرف ليست من صلاحياته؟
ومن ثم لابد من الخوض ببعض المعلومات و التفصيلات الإدارية فيما يخص المفوضين ( الأشخاص أصحاب الصلاحية بفتح الخزنة الرئيسية) بقاصات الخزنة الرئيسية.

عدد الموظفين 4 مع مدير الفرع
رئيس الصرافين المفوض الأصيل بمفاتيح الخزنة
مدير فرع الخزنة المفوض البديل بمفاتيح الخزنة
صرّاف (1) المفوض الأصيل بالرقم السرّي
صرّاف (2) المفوض البديل بالرقم السرّي

لا يمكن فتح الخزنات إلا بتوافر المفاتيح و الرقم السري معًا وينوب البديل عن الأصيل دائماً في حال غيابه. كيف استطاع أمين السوركلي والذي كان في ذلك الحين حسب نشرة المفوضين هو المفوض البديل بالمفاتيح بالحصول على الرقم السري والمفاتيح معاً؟

أدناه الخطوط الرئيسية للخطوات التي قام بها للحصول على المفاتيح و الرقم السري معاً:

1- طلب تغيير الرقم السري و استطاع الحصول على الموافقة من الشؤون الإدارية التي كان أيضاً السيد فادي جليلاتي آنذاك هو مديرها.

2- استخدم نفوذه وثقة الإدارة الكبيرة الممنوحة له للحصول على الظرف المختوم المحتوي على كلمة السر القديمة التي يجب تغييرها و ضبط كلمة جديدة.

3- على اعتبار أن فرع المركز الذي يحوي الخزنة الرئيسية هو المسؤول عن عمليات نقل النقد ما بين الفروع ومن و إلى الخزينة الرئيسية فقد قام أمين السوركلي بإرسال كافة الموظفين لإجراء عمليات نقل النقد.

من الطبيعي أن تكون معظم النقاط التي ذكرتها أعلاه مجرد أمور روتينية للقارئ ولكن بالشرح التفصيلي لعملية الاختلاس سأقوم بشرح الثغرات الرقابية المرتكبة فيما ذكرته سابقاً.

ﻛــﺎن اﻟﻬــدف اﻟرﺋﯾﺳــﻲ ﻟﻣــدﯾر ﻓــرع اﻟﺧزﻧــﺔ ﻫــو اﻟﺣﺻــول ﻋﻠــﻰ ﻛﻠﻣــﺔ اﻟﺳــر واﻟﻣﻔــﺎﺗﯾﺢ ﻟﺗﻧﻔﯾــذ ﻋﻣﻠﯾــﺔ اﻟﺳرﻗﺔ ﺑﺷﻛل ﻣﻧﻔرد ﻣﻣﺎ ﺗﺗطﻠب ﻣﻧﻪ اﻟﻘﯾﺎم ﺑﻌدد ﻣن اﻟﺧطوات ﺣﯾث ﻛﺎﻧـت ﺣﺳـب اﻟﺗﺳﻠﺳـل اﻟزﻣﻧـﻲ ﻛﺎﻟﺗﺎﻟﻲ:

1- ﻗﺎم ﻣدﯾر فرع الخزنة المدعو محمد أمين سوركلي برفع مذكرة يطلب فيها ﺗﻐﯾﯾـر اﻟـرﻗم اﻟﺳـري ﻟﻠﺧزﻧـﺔ اﻟرﺋﯾﺳـﯾﺔ ﺣﯾـث ﺗﻣـت اﻟﻣواﻓﻘـﺔ وحسب الصلاحيات التي توجب وجود رقابة ثنائية على مثل هكذا إجراء ﻣـن ﻗﺑـل ﻣـدﯾر ﺧدﻣﺎت الأفراد (أحمد عليوات وهو أردني الجنسية ) ومن قبل مدير اﻟﺷؤون اﻹدارﯾﺔ فادي جليلاتي.

إن الموافقة على تغيير الرقم السري من قبل مدير خدمات الأفراد ومدير الشؤون الإدارية كان مخالفة صارخة لأنظمة المصرف التشغيلية ﺣﯾـــث اﻷﺻـــل أن ﺗـــﺗم اﻟﻣواﻓﻘـــﺔ ﻋﻠـــﻰ ﻫـــذﻩ اﻟﻣـــذﻛرة ﻓﻘـــط ﻓـــﻲ ﺣـــﺎل ﻛﺎﻧـــت ﻣﻘدﻣـــﺔ ﻣـــن ﻗﺑـــل اﻟﻣﻔوض ﺑﺎﻟرﻗم اﻟﺳري وﻣواﻓق ﻋﻠﯾﻬﺎ ﻣن اﻟﺟﻬﺎت اﻹﺷراﻓﯾﺔ اﻟﻣﻌﻧﯾﺔ. فقد تمت الموافقة ﻋﻠــﻰ ﺗﻐﯾﯾــر اﻟــرﻗم اﻟﺳــري ﻋﻠــﻰ اﻟــرﻏم ﻣــن ﻛــون ﻣــدﯾر ﻓــرع اﻟﺧزﻧــﺔ ﻏﯾــر ﻣﻔــوض ﺑــﺎﻟرﻗم اﻟﺳـــري.

بعد عودتنا في إدارة التدقيق الداخلي للمذكرة المرفوعة تبين وجود توقيع واحد فقط عليها و هو توقيع مدير فرع الخزنة (السارق)، وبذلك أيضًا مخالفة لأنظمة التشغيل التي كانت تنص على عدم قبول أي مذكرة داخلية ضمن المصرف من دون وجود توقيعين عليها كحد أدنى على أن تكون التواقيع لمفوضين معتمدين و أسمائهم مدرجة ضمن نشرة تواقيع المفوضين التي يتم تعميمها على كافة مراكز العمل في المصرف.

2- ﺑﻌد اﻟﺣﺻول ﻋﻠﻰ ﻣواﻓﻘﺔ اﻟﺟﻬﺎت اﻟﻣﻌﻧﯾﺔ بتغيير الرقم السري ﻗﺎم ﻣدﯾر ﻓرع اﻟﻣرﻛـز ﺑﺄﺧـذ اﻟﻣواﻓﻘـﺔ ﺑﺎﻟﯾـد وﺗﺳـﻠﯾﻣﻬﺎ إﻟــﻰ اﻟﻣﻔوﺿــﯾن ﺑﻘﺎﺻــﺎت اﻟﻣﻠﻔــﺎت ﻓــﻲ ﻓــرع ﺷــﺎرع اﻟﺑﺎﻛﺳــﺗﺎن ( فرع آخر للمصرف الدولي للتجارة والتمويل) كون أن كلمة السر الخاصة بقاصات النقد لأي فرع تكون محفوظة بقاصة ملفات فرع آخر يتم تحديده أيضاً من قبل إدارة الشؤون الإدارية وذلك حسب مبادئ الرقابة الثنائية. بحجة تغيير كلمة السر إستطاع السارق الحصول على كلمة السر الحالية لقاصة النقد لفرع المركز و بموجب مذكرة موقع عليها من قبل مديرين في المصرف.

إن ﺗﺳﻠﯾم اﻟﻣواﻓﻘﺔ ﺑﺎﻟﯾد ﻟﻣدﯾر ﻓرع اﻟﻣرﻛز من قبل مدير الشؤون الإدارية يعتبر التجاوز الرقابي التالي ضمن التجاوزات التي حصلت في هذه السرقة. ﺣﯾث اﻷﺻل أن ﯾﺗم إرﺳـﺎل ﻫـذﻩ اﻟﻣواﻓﻘـﺔ إﻟـﻰ ﻓـرع ﺷـﺎرع اﻟﺑﺎﻛﺳﺗﺎن بالبريد ﻟﯾﺻﺎر إﻟـﻰ اﻋﺗﻣﺎدﻫـﺎ ﻣـن ﻗﺑـل ﻣـدﯾر هذا الفرع وﺗوﺟﯾﻬﻬـﺎ إﻟـﻰ اﻟﻣﻔوﺿـﯾن ﺑﺎﻟﻘﺎﺻـﺎت ليتم ﺗﺳﻠﯾﻣ كلمة السر إلى المفوضين بكلمة السر حصراً وهو ما لم يحصل نتيجة الضغوطات التي مارسها أمين السوركلي على موظفي فرع شارع الباكستان مستغلاً نفوذه الحاصل عليه من طيب علاقته مع السيد فادي الجليلاتي.

لقد كان معروفًا عن محمد أمين سوركلي بأنه شخص لا يمتلك الشجاعة الكافية للقيام بمثل هكذا عملية اختلاس ضخمة ولكن ما أظهرته كاميرات المراقبة كان صادماً للجميع.

كان السوركلي يقوم بتعبئة الأموال في الحقائب في وضح النهار و خلال أوقات العمل الرسمي ببرودة أعصاب لا يمكن أن نشاهدها حتى في أفلام هوليود وهنا كان تساؤل الجميع.

من أين أتى أمين السوركلي بهذه الثقة و برودة الأعصاب وهو المعروف عنه بأنه شخصٌ دائم التوتر والخوف حسب شهادات مقدمة من بعض موظفي المصرف من الذين كانوا على احتكاك دائم معه؟

في الجزء الثاني من هذا التحقيق سأكمل معكم باقي تفاصيل عملية الاختلاس ومواضيع تستدعي الاهتمام في هفوات رقابية لا يمكن منطقياً أن تنطلي على مدراء بهذا المكان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق