السلايد الرئيسيتحقيقحصاد اليوم

وعود حكومية ونار الأجارات واستغلال أمراء الحرب .. أهالي حي التضامن بدمشق في معركة حياتية على كل الجبهات

تحقيقات الاتحاد برس _ دمشق


لايزال “قيصر دندشي” (49 عاماً)، المهندس في وزارة الزراعة والذي يقطن في منطقة مجاورة لحي التضامن الدمشقي، يبحث عن فرصة عمل ثالثة تجلب له دخلًا ليسدد أعباء الحياة التي أثقلت كاهله فهو أب لعائلة تتكون من ثلاثة أولاد، وأولاده يتابعون تحصيلهم العلمي في الجامعة والمدارس، وأصبح تأمين حاجياتهم ليس بالأمر السهل في زمن التهجير والوقوف على أطلال العودة إلى منازلهم.

يتابع “دندشي” حديثه مع الاتحاد برس فيقول: “نحن نعاني من همّ أجار المنزل في ظل تضاعف الأسعار الناتجة عن ارتفاع سعر صرف الدولار.

قبل شهرين كان أجار منزلي 150 ألف ليرة أي مايقارب (150 دولاراً) أصبح الآن 200 ألف ليرة أي ما يقارب (200 دولاراً) وهذا عبءٌ كبيرٌ، وغصة في قلبي لأنني أرى منزلي في الحي المجاور ولا أستطيع العودة إليه مع ذلك بعض الجهات تتعامل مع هذه المشكلة ببرودة أعصاب وعدم تقدير لظروفنا القاسية”.

وأضاف “دندشي”: “تكررت مطالبتنا للجهات المعنية من أجل عودتنا إلى منازلنا التي هجرنا منها نتيجة ظروف الحرب، وكان الرد بأن هنالك الكثير من البيوت غير آمنة ولا تصلح للسكن من حيث السلامة وتشكل خطرًا على المواطن، وبالتالي يجب إعادة الإعمار لهذه المنطقة… مضى على هذا الكلام ما يقارب العامان وإلى الآن لم نرَ بصيص أمل لعودتنا إلى منازلنا أو تحرك من قبل الجهات المعنية”.

جاءت لجان من مجلس المحافظة وقدّمت الوعود عدة مرات بعضهم يقول بأنه يشكل لجان والآخر يدرس الموضوع وتمر الأيام والأشهر ولا يوجد حل ملموس على أرض الواقع ونحن نتحمل فوق طاقتنا لعدم استقرارنا أيضاً”.

الحكاية اليوم

على مدار سبع سنوات عاش حي التضامن قسوة حرب لم تحترم أو ترحم كبيرًا ولاحتى صغيرًا، حرب جعلت عشرات العائلات تخرج من منازلها دون استئذان وأودت متناثرة في المكان ليصبح ركامًا وبقايا حطام كما تقول السيدة “فاطمة علاوي” التي خرجت من منزلها منذ خمس سنوات لتعيش مع عائلة زوجها في منزل واحد وعن واقع تهجيرها تقول “علاوي”: “حياة العائلة جميلة لكن زيارة قصيرة فقط، لا أستطيع وصف مدى المعاناة في طبيعة معيشتنا نحن تسعة أشخاص نعيش في غرفتين. فأنا لا أستطيع أن أرضي أولادي ولا أقاربي، الحياة إن لم تكن مستقلة فهي ليست بحياة، حاولت بشتى الوسائل أن نخرج ونبحث عن سكن بديل ولكن ليس لدينا إمكانية على ذلك في ظل الواقع الحالي، وبعد عامين من تحرير الحي مازال منزلي في التضامن تحت الأنقاض والدخول إليه شبه مستحيل”.    

ومن خلال  تصريح سابق لمصدر مسؤول في محافظة دمشق ذكر أن منطقة التضامن جزء منها كان مسكون والجزء الآخر الجنوبي كان منطقة المواجهات العسكرية بعدما اتخذ القرار في إعادة السكان إلى مناطقهم منذ عامين عاد جزء من العائلات إلى منازلهم.

وفي الوقت الحالي بدأت المرحلة الثانية حيث دخلت آليات لإزالة الأنقاض والتي تشمل المنطقة الواصلة من آخر خط السرفيس ومحيط مدرسة “هايل العبد الله” بما فيه أبنية الأسكان وصولًا إلى منطقة “بستان الزرعي” وبداية سوق الثلاثاء ويستمر العمل رغم الصعوبات بما فيها من نقص في الآليات المقدمة من وزارة الإدارة المحلية ومحافظة دمشق. وهنا لا بد من الإشارة أن الأنقاض أزيلت من الشوارع الرئيسية فقط والشوارع الفرعية بعد سيطرة القوات الحكومية على الحي ومازالت أنقاض الحرب تتراكم فيها، وتم تعبيد المدخل الرئيسي لشارع التضامن في نهاية العام الماضي 2019.

ويقول “رائد النابلسي” (38) عامًا وهو من السكان الذين لم يغادروا الحي:  ” مئات العائلات تضررت منها هجرت ومنها مايزال يعيش في حي يفتقد كافة مقومات الحياة والردم والقمامة يملآن الحي، والجرذان باتت جليسة السكان في منازلهم، والكلاب الشاردة تنتشر بين أزقة المنازل عززها غياب الإنارة في الحي الممتد باتجاه مخيم اليرموك”.

وتابع: “رغم الوعود الكثيرة التي جاءت على لسان مسؤولي دمشق الذين قالوا منذ عامين بأنه تم رصد ميزانية لإعادة تأهيل البنى التحتية من الحي وتبلغ قيمة القسم المتضرر حوالي 3 مليار ليرة سورية، وأن محافظة دمشق جاهزة للعمل بخطوات سريعة بالتوازي مع الإجراءات الإدارية من أجل عودة الناس إلى منازلهم، ولكن منذ تحرير المنطقة لم يتم إنجاز خطوات فعالة في تأهيل البنى التحتية، حتى الآن لم تقم محافظة دمشق بمسؤولياتها لتنفيذ أي عمل للمنطقة، حالة الجمود التي يعاني منها مهجرو حي التضامن وهذا التقصير الواضح لانعلم ماهو تبريره، فالمحافظة غير قادرة على توفير الخدمات في المنطقة رغم تكرر زيارة المسؤولين مع مدراء خدمات المنطقة وتقييم حال التضرر دون نتائج”.

وأضاف: ” نحن مهمّشون.. لو أن حيًّا آخرًا من مدينة دمشق لاسمح الله تعرض للتخريب والتدمير كما أصبح حالنا، هل كانت الجهات المعنية ستسكت عن أمره وتتركه كما تركونا؟؟ وهل حركة دخول آليات إزالة الردم منذ أيام ستستمر في عملها أم هي جرعة أمل وهمية جديدة ستتلاشى بعد أيام؟؟”

الجانب الآخر من الحكاية

الكثير من الأرصفة لم تعد تصلح  للغاية التي خصصت لها، فبسطت هنا وغيرها هنالك تقاسم المشاة حصتهم  في رصيف وضع لأجلهم بل تأخذ الحصة الكبرى من هذا الرصيف. وفي إطار أزمة المشكلات المعيشية التي يعاني منها الشعب السوري والتي غيرت الكثير من ملامح  الحياة اليومية، يصورالوضع “أحمد المهنا” (41 عاماَ ) وهو طبيب من سكان حي التضامن المنظم والذي لم يتعرض لمواجهة الحرب بشكل مباشر ويقول: ” نحن لسنا ضد استرزاق الناس ولكن يجب أن يكون الشيء ضمن المعقول فشوارعنا أصبحت كمب القمامة نتيجة سوء الخدمة وزاد عليها تواجد مشروع استثمار البسطات لصالح “أحدهم” الذي كان متطوعًا في الدفاع الوطني ويتقاضى أجرًا شهريًا من أصحاب البسطات وكأن الرصيف ملك من أملاكه الشخصية”.

ويتابع: “قدمنا العديد من الشكاوى لمجلس محافظة دمشق في شأن البسطات وعشوائية  تواجدها فهي تأخذ رصيف المشاة بالإضافة إلى 5 أمتار من طرف الطريق من الأمام، وتأخذ خلفه ما تبقى من مساحة لمخلفات السحاحير والخضار التالفة أضف إلى ذلك بسطة الثياب المنشورة على الأرض والثياب المعروضة على حبل في نفس الرصيف ، الأمر لم يعد يحتمل فالمشهد أصبح غير حضاري ولا يليق بحينا”.

ويكشف “ثائر عطايا” (27 عاماَ) حقيقة ما تعرض له فهو صاحب بسطة خضار في الحي ويقول: “سابقا كانت “بسطتي” في سوق الخضرة في الشارع المجاور وكان السوق يخدم المنطقة والمناطق المجاورة لكن بعد أن أغلقت البلدية السوق بشكل كامل منذ سنوات اضطررنا لاستئجار بسطات الشارع العام التي تكلفني أجرتها 150 ألف أي مايقارب ( 150 دولاراَ) شهرياَ. ويتابع “عطايا” أن هذا الأمر مخالف وغير لائق لكن نحن أيضاً نخدم المنطقة  وهذا باب رزقي.

وفي متابعة لتطورات ملف حي التضامن نشرت صفحة “مهجري حي التضامن وما حولها” منشورًا عبر موقع التواصل الإجتماعي “فيسبوك” في تاريخ 24 شباط/فبراير وجاء فيه:

“بجهود حثيثة ومتواصلة من قبل الجهات الأمنية  ومجموعة الهندسة التابعة لها وقيادة الدفاع الوطني في حي التضامن وبالتنسيق مع محافظة دمشق ورغم الصعوبات وضعف الإمكانيات تم الانتهاء من إزالة وترحيل الأنقاض من أخر خط السرفيس بما فيها بنايات الأسكان الموجودة هناك ومحيط مدرسة هايل العبد الله ومنطقة بستان الزراعي والتي تتكون من 11 حارة.

كما تم إزالة الأنقاض وترحيلها من شارع الأمين بالكامل  ويتم تنظيف الحارات في نهاية الشارع المجاورة لبلور الشهباء، كما يتم حالياً تأهيل مدرسة هايل العبد الله الأبتدائية” .

وأضافوا: “مهجري حي التضامن يتقدمون بالشكر إلى كل الجهود المبذولة مع ترقب أن يشمل العمل كامل المساحة في التضامن.

وأكدّوا على مطالبهم في بدء تأهيل الحي بالبنى التحتية  والخدمات الأساسية ولو بالحد الأدنى وبشكل أسعافي وينتظرون خطوات جدية من قبل وزارة الإدارة المحلية ومحافظة دمشق.

خلاصة

للأسف واقع هذه المنطقة يشبه وضع الكثير من القرى والمناطق السورية التي خرجت من ظلمة ووحشية الحرب ومازالت متروكة مدمرة دون اتخاذ إجراءات فعلية لإعادة تأهيلها لتأمين أبسط الظروف المعيشية لكي يعود المواطن إلى منزله.

حي التضامن من الأحياء التي يبلغ عدد سكانها حوالي مئتي ألف نسمة، وهو يتواجد جنوب مدينة دمشق، عاش هذا الحي في ظل حرب ظلماء بدأت منذ عام 2012 وشهدت أشنع مشاهد القسوة التي استمرت إلى عام 2018 وعندما تحررت لم تكمل فرحة سكانة بالحلم ولم يسمح للناس بالعودة إلى منازلهم التي أصبحت تسكنها الأشباح. 

عانى أبناء هذا الحي ومازالوا يعانون من عدم الاستقرار والتشتت فمنهم من يشارك أقاربه في السكن والآخر في المنازل المستأجرة جانب أحياء مجاورة لحيهم المنكوب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق