أكاديميا

المساعدة الأمنية في الشرق الأوسط: رقعة شطرنج ثلاثية الأبعاد

من الواضح أن الولايات المتحدة وروسيا وإيران اختارت مناهج مختلفة للمساعدة الأمنية في الشرق الأوسط لها تبعات هائلة على بناء الدول والاستقرار.


مركز كارينغي
الجزء الأول:

تُعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ساحة الاختبار على المستوى الدولي في ما يتعلق بفعالية المساعدة الأمنية التي تُقدمها القوى العالمية والإقليمية. ساهمت تلك المساعدة الأمنية في شدة وتكرار الحروب بالوكالة – مثل تلك القائمة الآن أو انتهت مؤخرًا في ليبيا واليمن وسوريا والعراق – وفي عسكرة الجهات الفاعلة الحكومية وشبه الحكومية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

المساعدة الأمنية هي جوهر التنافس على التفوّق العسكري والاستراتيجي والأيديولوجي وحتى الاقتصادي في الشرق الأوسط. لكن على الرغم من الأهمية الواسعة والمتنامية للمساعدة الأمنية للمنطقة وللمنافسة داخلها بين الجهات الفاعلة العالمية والإقليمية، كانت المساعدة الأمنية موضع قدر قليل نسبيًا من التحليل المقارن. وبالمثل فالجهود المبذولة لتقييم العلاقات بين الأهداف الاستراتيجية وبين الأساليب التشغيلية لمزودي المساعدة الأمنية وتأثيراتها النسبية على المستفيدين.

روبرت سبرينغبورغ
أستاذ متقاعد لشؤون الأمن القومي، كلية الدراسات العليا البحرية، وزميل باحث بالمعهد الإيطالي للشؤون الدولية بروما.

الأدبيات الأكثر وفرة حول فعالية المساعدة الأمنية بشكل عام هي تلك المُنتجة في الولايات المتحدة، وفي المقام الأول من جانب الوكالات الحكومية أو الباحثين والمؤسسات بموجب عقود معها.1 تهتم هذه الدراسات اهتمامًا كبيرًا بمسألة ما إذا كانت الولايات المتحدة قد حققت أهدافها أم لا من خلال توفير المساعدة الأمنية، ويُشار إلى أحد مكوناتها الرئيسة باسم “بناء قدرة الشريك”.

وفقًا لوكالة أبحاث الكونغرس. تشمل هذه الأهداف النصر في الحرب أو إنهاءها؛ وإدارة التحديات الأمنية الإقليمية؛ والدعم غير المباشر لأحد أطراف النزاع؛ وتخفيف حدة النزاع؛ وبناء الروابط المؤسسية والشخصية؛ وتعزيز مشاركة التحالف؛ وبناء التحالف.2

يفيد الإجماع الناشئ من هذه الدراسات أن الآمال المُتمثلة في أن المساعدات الأمنية سوف تُمكّن الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها بتكلفة أقل في الأفراد والعتاد من خلال التدخل العسكري المباشر لم تتحقق. يُقر ستيفن بيدل، مثلاً، بأنه على الرغم من أن مساعدة القوات الأمنية “ذات الأثر الصغير” قد “أصبحت ركيزة رئيسة لسياسة الأمن القومي للولايات المتحدة. . . إلا أنَّ  الآثار الصغيرة عادةً ما تعني مكافآت صغيرة”.3 

يعود السبب في ذلك إلى “اختلالات كبيرة في المصلحة بين المزوّد (المسؤول الرئيسي) والمستلم (الوكيل)، والتحديات الصعبة في الرقابة، والظروف الصعبة للإنفاذ: وهي تركيبة عادةً ما تترك للمسؤولين الرئيسيين نفوذًا حقيقيًا محدودًا وتُشجع على عدم الكفاءة في تقديم المساعدات”.4 

ونتيجةً للمشاكل الكامنة في العلاقات بين المسؤول الرئيسي وبين الوكيل، فإنه كلما كانت أهداف المساعدة الأمنية الأمريكية أكثر شمولية قل احتمال تحقيقها. ومن أمثلة ذلك، نادرًا ما يتحقق النصر في الحرب أو إنهاء الحرب، لكن تسهيل الروابط الشخصية وبناء التحالفات غالبًا ما ينجح.5

ف. س. “بينك” وليامز
لواء متقاعد شغل منصب رئيس مكتب التعاون العسكري وملحق الدفاع بالسفارة الأمريكية بالقاهرة من 2008 إلى 2011.

العامل الرئيس المُحدد في هذه الأدبيات الأمريكية، باعتباره تسهيلاً للعلاقات الفعالة بين المسؤول الرئيسي والوكيل، وبالتالي تسهيلاً للمساعدة الأمنية، يمتاز بأهمية خاصة في الشرق الأوسط، وهو وجود “مؤسسة حكم شرعية وفعالة نسبيًا”. تشير وكالة أبحاث الكونغرس إلى أن “الجهود الأقل فعالية التي أجراها بناء قدرة الشريك كانت تتم إما أثناء النزاعات والحروب (المواقف التي تتنافس فيها أطراف معارضة على الحكم) أو في البلدان التي يكون فيها الحكم الشرعي ناشئًا نسبيًا. “وتخلص إلى ملاحظة أن “الفساد والكسب غير المشروع لدى الشريك يمكن أن يعوقا فعالية بناء قدرة الشريك بشكل كبير. توجد أدلة قليلة تفيد بأن فعالية بناء قدرة الشريك يمكن أن تكون فعالة من دون وجود شريك راغب وقادر على أرض الواقع”.6

هذه الشروط المُسبقة للحوكمة الشرعية الفعالة الخالية من الفساد، إلى جانب غياب “النزاعات والحروب”، نادرة الوجود نسبيًا في الشرق الأوسط. فهذه المنطقة من أكثر المناطق عرضةً إلى النزاع في العالم، وعادةً ما يُعاق فيه الحكم بسبب الشرعية المحدودة والفساد المفرط. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة مناطق غير خاضعة إلى الحكم أو محل نزاع عنيف في دول هشّة أو فاشلة مثل ليبيا وسوريا واليمن والعراق، وأيضًا في مناطق داخل الدول القومية القائمة مثل شمال سيناء المصرية أو مناطق الحدود اللبنانية مع سوريا.

باختصار، المفارقة هي أنه على الرغم من أن الشرق الأوسط ليس منفتحًا بشكل خاص على المساعدة الأمنية الفعالة، على الأقل من الولايات المتحدة، إلا أنه غارق فيها فعليًا. وهذا يطرح على الفور مسألة ما إذا كانت ظروف عدم الاستقرار وسوء الحوكمة والعنف الشائع في المنطقة قد تكون ترحيباً بمُزودي المساعدة الأمنية الآخرين الذين تتناسب مقارباتهم مع مثل هذه الظروف.

نهج غير أمريكي

التفسير المشترك على نطاق واسع في الولايات المتحدة للشروط المُسبقة للمساعدة الأمنية الفعالة قد يعكس بالفعل خصوصيات غايات الولايات المتحدة وأساليبها. فمن المعروف أن منافسيها الرئيسيين في المنطقة في تقديم المساعدة الأمنية – أي روسيا وإيران – ساعدا وكلاءهما على تحقيق نجاحات ملحوظة في ميدان المعركة. فالمنافس الأول، روسيا ساعد في سوريا وبشكل مطرد في ليبيا؛ والمنافس الثاني “إيران” ساعد في سوريا وكذلك في لبنان، وإلى حد أقل في اليمن والعراق.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن روسيا أنجزت، بدرجات متفاوتة، عددًا من أهداف المساعدة الأمنية التي حددتها وكالة أبحاث الكونغرس. فدورها المحوري المتزايد في المنطقة، والذي يعتمد إلى حد كبير على قدرتها الظاهرة كمزود للمساعدة الأمنية، إلى جانب الدبلوماسية المُحنكة، مكناها من إدارة التحديات الأمنية الإقليمية في المشرق والمغرب الكبير، مثل تلك التحديات التي تنطوي عليها العلاقات التركية العربية، وبناء روابط مؤسسية وشخصية مع النخب العسكرية والسياسية ليس في سوريا وحدها ولكن أيضًا في مصر والسودان والجزائر. وهذا إلى جانب نجاحات مماثلة في بلدان أخرى، من الممكن لهذه الروابط في المستقبل أن تمكنّ روسيا من إقامة تحالفات غير رسمية تمارس عليها على الأقل نفوذًا كبيرًا.

جون زافاج
مدرس مساعد لشؤون الأمن القومي بكلية الدراسات العليا البحرية. شغل من 2017 إلى 2018 منصب رئيس التعاون العسكري وملحق الدفاع بالسفارة الأمريكية باليمن.

تمكنت إيران، من جانبها من الاستفادة سياسيًا واقتصاديًا من نجاح وكيلها حزب الله في لبنان بالتأثير على الحكومة التي مارست عليه حق الفيتو، ومن نجاح وكلائها من مختلف الميليشيات في العراق، التي مثلما هو الحال في لبنان، تضع حدودًا للخيارات السياسية لحكومة بغداد وتؤكد على حقها في الهبات الحكومية الرسمية وغير القانونية.

على سبيل المقارنة، لطالما كانت الدول الشريكة أمنيًا مع الولايات المتحدة في المنطقة العربية تعقد الآمال على واشنطن من خلال البحث في الوقت نفسه عن علاقات أمنية مع أطراف خارجية أخرى، بما في ذلك روسيا.

كما أن الميليشيات المدعومة من الولايات المتحدة، خصوصًا تلك الموجودة في سوريا، لم تحظ بالنجاح في ساحة المعركة بالقدر نفسه الذي حظيت به الميليشيات المدعومة من روسيا و/أو إيران، مع الاستثناء الجزئي المُتمثل في وحدات الدفاع الشعبية التي يسيطر عليها الأكراد، والتي سحبت منها الولايات المتحدة دعمها لها فجأةً في أكتوبر/تشرين الأول 2019، مما جعل هذه الوحدات تلجأ إلى روسيا طلبًا للمساعدة.7

مع ذلك، ربما يكون من السابق لأوانه الادعاء قطعيًا بأن المساعدة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط كانت أقل فعالية من المساعدة الأمنية التي قدمتها روسيا وإيران. فباعتبار روسيا وإيران من الجهات الفاعلة المناهضة للوضع الراهن في المنطقة، تميل أهدافهما إلى أن تكون أكثر تركيزًا ومحدوديةً من أهداف الولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، استفادت كلتا هاتين الدولتين من ظروف على العكس تمامًا من تلك التي حددتها وكالة أبحاث الكونغرس بأنها ملائمة للمساعدة الأمنية الأمريكية. فإيران أسست حزب الله في ظل الحرب الأهلية اللبنانية واستخدمته لاحقًا لمنع الدولة من توحيد قوتها وإضفاء الشرعية عليها. كما أن دعمها لميليشيا  “الدعوة” وللميليشيات الأخرى التي تُشكل الآن مجتمعةً “الحشد الشعبي في العراق” يعكس بالمثل ضعف حكومة بغداد.

ومع ذلك، وفي كلتا الحالتين، فإن الانتفاضات الشعبية التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2019 ضد الحكومات المدعومة من إيران تعكس تداعي استراتيجية طهران التي تستند على التلاعب وتهدف إلى منع توطيد حكومة شعبية لها قاعدة عريضة.

يمكن قول الشيء نفسه عن الدعم الإيراني للحوثيين اليمنيين الذين أخذ نجاحهم الأوليّ في إضعاف حكومة صنعاء في أعقاب انتفاضة 2011 والذين لا يزال مستقبلهم في اليمن مجهولاً ولكنه من غير المُرجح أن يأخذ شكل سيطرة لا منازع لها على اليمن في يمن موّحد. لم يتم بعد تحويل المساعدات الأمنية إلى الرئيس السوري بشار الأسد إلى روابط حكومية مشتركة أوسع وأمتن بين الحكومتين.

في الواقع، تعارض روسيا استراتيجية إيران المُتمثلة في الحفاظ على دولة ضعيفة تابعة يرأسها بشار الأسد الضعيف في سوريا معارضةً شديدة. فيما تنظر روسيا إلى مصالحها في البلاد، بما في ذلك إخضاع الميليشيات المدعومة من إيران الى سيطرة الحكومة المركزية، على أنها تخدمها بشكل أفضل دولة أقوى.8 

عناصر لميليشيا إيرانية في سوريا

لم تنجح إيران في أي من هذه الدول في تحويل وكلائها إلى موقع شرعي ومسيطر داخل حكومة مستقرة يسري نفوذها في جميع أنحاء البلاد، على الرغم من إخفائها تلك الميليشيات في زي سياسي مدني مموه.

كما تحقق النجاح الأخير لروسيا في الشرق الأوسط إلى حد كبير بسبب الاضطرابات وأعمال العنف واسعة النطاق في المنطقة. وتشير دراسة حديثة عن مجموعة فاغنر – مرتزقة الكرملين “غير السريين” – إلى أنها هي وروسيا بشكل عام “تربحان الشعبية الأكبر في الدول الضعيفة أو المنعزلة المنفتحة على نُهج الكرملين”.9 ومن المُتوقع أن تواصل في النجاح “في المناطق ذات السيادة القانونية المحدودة والمؤسسات الديمقراطية الضعيفة ومستويات الفساد العالية وسجلات حقوق الإنسان المريبة”.10 

وهذا يعني أنه من المُتوقع نجاح روسيا تحديدًا في الظروف التي يُحتمل أن تتعثر فيها المساعدة الأمنية الأمريكية. ولكن في مثل هذه السياقات شديدة التقلب وغير المؤسساتية، من الممكن أن تصبح مكاسب اليوم خسائر الغد بسهولة. ومن أمثلة ذلك الدعم الروسي للرئيس السوداني السابق عمر البشير، بما في ذلك توفير مرتزقة. كما أن دعم روسيا للجنرال الليبي خليفة حفتر قد يكون مصيره فشلاً مماثلاً، مثل دعمها لمعمر القذافي سابقًا.11

اللعبة ثلاثية الأبعاد للمساعدة الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

من الصعب إجراء تقييم مقارن نهائي لفعالية المساعدة الأمنية في الشرق، الأوسط لأن الفعالية تنتج عن عوامل عدة، ولأن مؤشرات قياسها عديدة وليست مُوحدة، ولأنها تُقدم في سياقات دينامية يمكنها بسرعة تحويل النجاح إلى فشل. ومن طرق إجراء هذه المقارنة الصعبة وصف النُهج الإيرانية والروسية والأمريكية وتقييم نقاط القوة والضعف لكل منها. يكمن الفرق الرئيس الواضح بين هذه المناهج في اختلاف الأدوار المُسندة إلى الدولة.

تشترك إيران وروسيا والولايات المتحدة في ما يشبه لعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد والبُعد المُحدد لها هو درجة القدرة على القيام بالوظائف الأساسية للدولة، المُضمنة في استراتيجيات المساعدة الأمنية الخاصة بكل منها.12

تسند إيران استراتيجيتها على ما هو مُزدرى فعليًا لقدرات الدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فقدرات الشركاء التي أسستها، بما في ذلك قدرات حزب الله اللبناني والحوثيين اليمنيين والكثير من المليشيات العراقية، تكاد تكون تابعة حصريًا لجهات فاعلة شبه حكومية إما أن تكون إيران نفسها قد أوجدتها أو عملت على تقويتها.

كما أن مزيج القدرات القسرية والسياسية لديها يُسهل اختراق الدول المعنية التي يستخرج هؤلاء الوكلاء من خلالها موارد بينما يستخدمون تلك الدول كأوراق التين التي يختبئون وراءها من الانتقام المُحتمل والتي يستمدون منها الشرعية. كما أن المزيد من الموارد المادية اللازمة للحفاظ على هؤلاء الوكلاء، وخصوصًا قواعدهم الاجتماعية السياسية، يجري الحصول عليها من خلال أنشطة غير مشروعة عادةً ما تُسهلها إيران أيضًا وتدعمها. وفي كثير من الأحيان، يكون الأكثر ربحًا فيها، كما هو الحال في لبنان، هو إنتاج المخدرات وتهريبها.

تُمثل علاقات إيران مع هذه الدول بالضرورة إشكالية بالنظر إلى تخريبها المستمر والمخفى لها، لكن تلك المسؤولية يجري تعويضها عن طريق التأثير الكبير على الدول بالإضافة إلى استخراج موارد مادية وشرعية منها. وفي حين أن هذا النهج المناهض للدولة يتطلب من إيران ووكلائها التعامل المستمر مع مسألة إلى أية أمة/دولة ينتمي أولئك الوكلاء انتماءً حقيقيًا – إلى إيران أم الدولة العربية المعنية – فإنه مصمم تصميمًا جيدًا لدور إيران الاستراتيجي كجهة فاعلة معادية للوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ولديها موارد أقل من منافسيها الرئيسيين، وأهمهم الولايات المتحدة.

تسعى روسيا لشغل موقع متوسط ​​على رقعة الشطرنج ثلاثية الأبعاد، إذ توازن مساعدتها الأمنية بين الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية، وتسعى في جميع الحالات لإنشاء علاقات تبعية يمكن أن تستفيد منها استراتيجيًا و/أو اقتصاديًا. ويجب ألا تكون تلك التبعية ذات طبيعة قسرية أو مالية مباشرة، فمن المُمكن أن تنبع من الحاجة إلى الوساطة الروسية لدى أي من الجهات الفاعلة الحكومية أو شبه الحكومية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تعمل معها على رعاية الأمن والدبلوماسية وغيرها من جهات الاتصال والحفاظ عليها.

لا تتحكم روسيا تحكمًا مباشرًا في الوكلاء بالدرجة نفسها مثل إيران، لكنها تعمل على تدريب بعضها وتجهيزها ومساعدتها بشكل مباشر، كما هو الحال مع الجيش الوطني الليبي بحسب نظام حفتر.

لكنها تُفضل عمومًا أن تسند مساعدتها العسكرية على أساس العلاقات بين الدول، كما هو الحال في سوريا، حيث سمح الأسد لروسيا بالسيطرة على العناصر الرئيسة لجيشه لضمان بقائه. لكن العلاقات بين روسيا وبين كل دولة على حدة مرتكزة بشكل أضيق من تلك العلاقات بين الولايات المتحدة وبين كل دولة على حدة، إذ تستند عادةً إلى أسس أكثر هشاشة للحكم الاستبدادي الشخصي كما هو الحال في سوريا الأسد أو السودان البشير أو بوتفليقة الجزائر، أو ربما مصر السيسي.

تعكس استراتيجية النصف والنصف هذه المكانة الهامشية لروسيا كقوة عالمية عظمى، وتفتقر إلى الموارد المالية التي للولايات المتحدة وما يرتبط بها، مما يحد من جاذبيتها للجهات الفاعلة الحكومية الإقليمية الراسخة مع تضخيمها للحكام الأكثر هشاشة وللجهات الفاعلة غير الحكومية.

وباختصار، تبني روسيا استراتيجيتها للمساعدة الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على نقاط الضعف لدى شركائها، سواء كانوا من الجهات الفاعلة الحكومية أوغير الحكومية، ولذلك ليس لديها اهتمام كبير بتطوير القدرات للدول الأوسع وإضفاء الطابع المؤسسي عليها.

أما المساعدة الأمنية الأمريكية فتعمل بشكل كبير على مستوى الدول، وكما تشير وكالة أبحاث الكونغرس والتحليلات الأخرى المذكورة أعلاه، فإن فعاليتها تتناسب تناسبًا مباشرًا مع قدرات تلك الدول. من الأرجح أن تنجح في ظروف مرتبطة بالدولة القادرة، وهذه  تحديدًا هي البيئة المعاكسة الملائمة للمساعدة الأمنية الإيرانية، وبدرجة أقل، للمساعدة الأمنية الروسية.

أحد العوامل المُحددة الرئيسية لمركزية الدولة في ما يتعلق بالمساعدة الأمنية الأمريكية الفعالة هو أنه باعتبار الولايات المتحدة القوة السائدة للوضع الراهن في المنطقة، فإن خياراتها للشركاء وأنواع القدرات التي تسعى لبنائها تكون مُقيدة بذلك الدور.

حتى في حالات الدول في مرحلة الفشل أو الفاشلة، فإن دعم الولايات المتحدة للجهات الفاعلة شبه الحكومية مُقيد بعلاقاتها مع الدول الإقليمية وحتى غير الإقليمية؛ ومُقيد بالحاجة التي تُمليها مصالحها الخاصة لتعزيز مفهوم الدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث تواجه جميع الدول تقريبًا تآكل قدراتها؛ وإلى أنه مُقيد بالقيود التي تفرضها القواعد الدولية في ما يخص الأنشطة الإجرامية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، أي تلك القواعد التي يستند اليها النظام الدولي الذي كانت الولايات المتحدة نصيرًا له بصفة تقليدية.

تُؤثر هذه المخاوف الاستراتيجية الواسعة لدى الولايات المتحدة على اختيارات الشركاء الأمنيين، وهذا ما يُشكل بدوره برامج المساعدة. فالسمات المختلفة لأولئك الشركاء – بما في ذلك تفضيلهم للوضع الراهن، وإمكانية وصولهم إلى الموارد، ورغبتهم في إبراز سلطة السيادة والتأثير في المنطقة، وفي العديد من الحالات قواعدهم السكانية المحدودة – تدفع بالمساعدة الأمنية نحو أسلحة عالية التقنية يمكنها إظهار السلطة فيما وراء الحدود.

ومما يُعزز هذا الاتجاه هو الميل الطبيعي لتعزيز الجيوش الشريكة على صورة نظائرها الأمريكية، والتي يُعتبر إظهار القوة العالمية أمرًا حيويًا لها والتي تُصمم لها أنظمتها الرئيسية من الأسلحة. وتركيز الولايات المتحدة على القوة الجوية باعتباره مكونًا حيويًا للمساعدة الأمنية، يعكس هذا جزئيًا ويُميز تلك المساعدة عن كل من النهج الإيراني الذي يستند إلى حد كبير على بناء القدرات الأرضية بالمعنى الحرفي بالإضافة إلى قدرات جوية غير متماثلة؛ وعن المساعدة الأمنية الروسية التي تشغل موقعًا متوسطًا بين الولايات المتحدة وإيران حيث تشمل دعمًا للقوات البرية يتراوح من الميليشيات إلى جيوش الدول بالإضافة إلى القوات الجوية الحكومية وإن كان ذلك بدرجة أقل من مستوى الولايات المتحدة.

باختصار، تعمل الجهات الثلاث الرئيسة التي تُزود المساعدة الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على مستويات استراتيجية وتكتيكية مختلفة تُحددها في المقام الأول درجة حالة الدولة المرتبطة بنهجها. وهذا بدوره يثير مسألة مدى فعاليتها المُرجحة نسبيًا على المدى الطويل في ضوء إمكانات حالة الدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

لوحظ أعلاه أن صعود الدول الهشة والفاشلة هناك، الذي يرتبط بدوره بتوسيع المساحات غير الخاضعة للحكم، قد فتح الباب لكل من إيران وروسيا اللتين أصبح ارتياحهما مع الجهات الفاعلة شبه الحكومية والجهات الفاعلة الحكومية الضعيفة أكبر بمراحل من ارتياح الولايات المتحدة. ومن هذا المنظور، يبدو أن المساعدة الأمنية الأمريكية غير مواكبة للأحداث، وهذا ما يرتبط بتآكل الوضع الراهن وتراجع السيادة.

لكن هذا الرأي قد يكون مُفرطًا في التشاؤم. فقد يكون تراجع قدرات الدولة ظاهرة مؤقتة مرتبطة بالانتفاضات العربية في 2011 وتكثيف “الحرب الأهلية” الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بين إيران وحلفائها الشيعة والإسلاميين السُنَّة والمتعاطفين معهم، من جهة، وبين معظم الحكومات العربية السُنّية، من جهة أخرى. عادةً ما يكون شطب الدولة في نظامنا العالمي [الذي يتبع مبادئ السياسي مترنيخ] سابقًا لأوانه، لأن جميع الدول تقريبًا يثبت أنها عنيدة تمامًا كما تشير حتى بالفعل حالات سوريا والعراق.

من أمثلة ذلك، قد يكون الاستياء المتزايد ضد إيران حتى بين أعضاء الميليشيات الشيعية العراقية، مؤشراً حاليًا على استمرار الوطنية العراقية، وهي بحد ذاتها أساس رئيسي ومؤشر على السيادة.13 ويمكن قول الشيء نفسه عن الشيعة اللبنانيين الذين يحتجون في خريف 2019 ضد حزب الله وحزب لبناني آخر، وهو حركة أمل، بينما يعلنون وطنيتهم اللبنانية بصوت عالٍ.14

من السمات ذات الصلة بالرؤية التشاؤمية لمستقبل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن على الرغم من كونها ربما متراجعة إلا أنها لم تنتهِ بعد. فهي تستمر بشكل جماعي في التصرف بالكثير من القوة والموارد، مع إظهار وعي كبير بالمصالح المشتركة. الشاهد على ذلك هو التحالف غير الرسمي الذي ينخرط فيه حاليًا بعض حلفاء دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والذي ترعاه الولايات المتحدة ولكنها بحكمة لم تسع لتحويله إلى تحالف رسمي. وبحسب الظروف والقضية المطروحة، يشمل أعضاؤه إسرائيل والأردن والمملكة العربية السعودية ومعظم دول الخليج الأخرى ومصر والمغرب.

وتُعتبر المساعدة الأمنية الأمريكية أمرًا حيويًا لاستمرار هذا التحالف غير الرسمي وتمكينه. بالإضافة إلى ذلك، يضم هذا التحالف من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعض أكبر المنفقين في العالم على الجيوش وما يرتبط بها من قدرات عسكرية هائلة وخصوصًا القوات الجوية.

من النتائج الملموسة لهذا التحالف والمساعدة الأمنية للدول الأعضاء فيه هي أن الحرب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد جعلت القوة الجوية التقليدية التي تمتلكها تتنافس بشكل متزايد ضد القوات البرية والجوية غير المتماثلة التي تتكون أساسًا من الصواريخ والطائرات بدون طيار، كما يتضح ذلك بمنتهى الوضوح في الهجوم على المنشآت النفطية السعودية في بقيق وخريص في 14 سبتمبر/أيلول 2019.

أما السؤال المفتوح حاليًا فهو هيكل القوة الذي سيثبت عمليًا في النهاية أنه الأكثر فاعلية.فالهجوم على بقيق وخريص والوضع في اليمن يوحيان أن الأفضلية قد تكمن لدى الأطراف التي تستخدم أساليب غير متماثلة.

لكن الأمر الواضح بالفعل هو أنه في حين أن العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد ضعفت، مما أتاح فرصًا لكل من إيران وروسيا، فإنه لم تختفِ أي منها تمامًا من الوعي القومي أو الدولي، إذ تظل معظمها ملتزمة بما فيه الكفاية بالمشاركة في النظام العالمي القائم ومؤسساته المالية العالمية التي تتأثر بواشنطن تأثرًا شديدًا، وبالحذر من إيران وبالتعامل الصارم في العلاقات مع روسيا التي لا يمكنها سوى تقديم القليل نسبيًا لها.

في الجزء الثاني من هذا البحث سيخصصه المركز لمناقشة أعمق لاستراتيجيات وتكتيكات المساعدة الأمنية لهؤلاء المنافسين الثلاثة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويجري تقييم كل منها من حيث غايات تلك المساعدة، وطرق تقديمها، أي أنواع المنظمات المدعومة وطبيعة العلاقات المكونة معها، والوسائل المستخدمة، مع الإشارة إلى القيم التجارية والمقدار وأنواع المعدات المقدمة.

المراجع والمصادر:

1كانت شركة RAND غزيرة الإنتاج بدرجة لافتة في هذا الشأن. انظر مثلاً Jefferson P. Marquis وآخرون، تطوير استراتيجية للجيش لبناء قدرات الشريك لعمليات الاستقرار. سانتا مونيكا: شركة راند، 2010؛ كريستوفر بول وآخرون، ما الخيار الأفضل عند بناء قدرات الشريك وتحت أية ظروف؟ سانتا مونيكا: شركة راند، 2013؛ وأميشاي أيالون وبراين جنكينز، الحرب بأية وسائل ووفقًا لقواعد من؟ سانتا مونيكا: شركة راند، 2015.

2كاثلين ج. ماكينيس وناثان ج. لوكاس، “ما معنى بناء قدرات الشريك؟ موضوعات للكونغرس”، تقرير وكالة أبحاث الكونغرس، واشنطن العاصمة، وكالةأبحاث الكونغرس (18 ديسمبر/كانون الأول 2015) ص. 2-3.

3ستيفن بيدل، “بناء القوات الأمنية واستقرار الأمم: مشكلة الوكالة”، دايدالوس، 146، 4 (خريف 2017)، ص. 126-138.

4المرجع نفسه، ص. 127.

5ماكينيس ولوكاس، ص. 55.

6المرجع نفسه، ص. 4.

7بن هوبارد وآخرون، “تخلي الولايات المتحدة في سوريا، الأكراد يجدون حليفًا جديدًا في عد لأمريكا”، نيويورك تايمز (13 أكتوبر/تشرين الأول 2019).

8بسمة كودماني، الدولة السورية: وحش برأسين يبدأ بالظهور. مبادرة الإصلاح العربي (20 ديسمبر/كانون الأول 2019) https://www.arab-reform.net/publication/the-syrian-state-a-two-headed-monster-is-emerging/.

9ناثانييل رينولدز، “مرتزقة بوتين غير السريين: الرعاية والجغرافيا السياسية ومجموعة فاغنر”، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (8 يوليو/أيار 2019) https://carnegieendowment.org/2019/07/08/putin-s-not-so-secret-mercenaries-patronage-geopolitics-and-wagner-group-pub-79442، ص. 9.

10المرجع نفسه، ص. 12.

11للاطلاع على نظرة عامة على الموقف الاستراتيجي لروسيا في المنطقة، انظر “ملف ISPI – روسيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: المصالح الحقيقية والمكاسب الفعلية”، المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، (21 ديسمبر/كانون الأول 2019) https://www.ispionline.it/it/pubblicazione/russia-mena-region-real-interests-and-actual-gains-24685؛ و، بيكا فاسر، “حدود الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط”، Perspective، مؤسسة راند (نوفمبر/تشرين الثاني 2019).https://www.rand.org/pubs/perspectives/PE340.html.

12كان غابرييل ألموند واحداً من أوائل مستخدمي هذا المصطلح في ثمانينيات القرن العشرين، “المدارس والطوائف في العلوم السياسية”، العلوم السياسية والسياسة، 21، 4 (خريف 1988)، ص. 828-842. للاطلاع على مناقشة أوسع للمفهوم وقياسه، انظر روبرت سبرينغبورغ، الاقتصاديات السياسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كامبريدج: مطبعة بوليتي، 2020، ص. 29-60.

13هاشم الركابي، “مد التغيير الصاعد في العراق: تقييم احتجاجات 2018 و2019″، مبادرة الإصلاح العربي (25 نوفمبر/تشرين الثاني 2019)https://www.arab-reform.net/publication/the-rising-tide-of-change-in-iraq-an-assessment-of-the-2018-and-2019-protests/.

14عماد سلامي، “كيف تحول تأثير إيران إلى استياء هائج”، عرب نيوز (25 ديسمبر/كانون الأول 2019) https://www.arabnews.com/node/1604141/middle-east.

المصدر
مركز كارينغي للشرق الأوسط
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق