قلم توك

الحرب الهجينة… حرب الكورونا مثالاً

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس


تطورت أدوات الحروب حتى وصلنا لما يسمى بالحرب الهجينة والتي تتيح لمن يستخدمها هزيمة خصمه دون مواجهة عسكرية مباشرة.

يذهب كثيرون للجوء إلى نظرية المؤامرة عند الحديث عن فايروس كورونا و توجيه أصابع الاتهام للولايات المتحدة الأمريكية.

فقد فشلت أمريكا بتمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد عبر ما سمي بالفوضى الخلاقة عندما اختلقت حروبا عسكرية في الشرق الأوسط و فشلت أيضاً بتمرير صفقة القرن، كما أن الصين باتت على قرب من التفوق على الولايات المتحدة اقتصادياً.

الجدير ذكره هنا أن التضامن الروسي الصيني في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة ضد تمرير أي قرار من شأنه الضرر باستقرار الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، (حسب اعتقادهما)، ناهيك عن دخول روسيا عسكرياً إلى الشرق الأوسط من البوابة السورية وتعطيل المشاريع الأمريكية وحلفاؤها في بعض الحالات، دفع لأن تجد الولايات المتحدة الامريكية نفسها في تراجع مستمر عالمياً بعد أن كانت سيدة العالم الوحيدة ما بين 1990 وحتى 2007.

ففي عام 2007 قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر ميونخ للأمن أثناء إلقاء كلمته بالإعلان عن رفض روسيا تفرد أحد في إدارة العالم، وأنه لابد من إعادة العالم إلى أروقة مجلس الأمن والأمم المتحدة، وسط ذهول وامتعاض كل ممثلي الغرب في المؤتمر.

لم يتقبل الغرب هذا الطرح، فعمل على اختلاق الأزمات وفرض عقوبات اقتصادية على روسيا والصين وكل من لا يخضع للرغبات الأمريكية، ولكن هذه العقوبات عادت بالضرر على الولايات المتحدة وحلفائها ايضاً، ما خلق جوا من البلبلة والامتعاض عند الحلفاء.

فجأة ودون سابق إنذار يظهر لنا فيروس كورونا في الصين وفي خلال فترة قصيرة جداً وحتى قبل أن يتم تصنيف هذا الفايروس على أنه وباء مدمر، جن جنون وسائل الإعلام وأروقة الساسة حتى بات الحديث عن هذا الفايروس الشغل الشاغل للكرة الأرضية، مع العلم أن فايروس الانفلونزا المعروف يقتل أضعافا مضاعفة بالمقارنة مع الكورونا ولا نجد هذه الشيطنة العالمية له!

النتائج

انهيارات متتالية في الاقتصاد الصيني، ومقاطعة البضائع الصينية، شيطنة الصينيين والاعتداء عليهم في بعض الحالات والنظر إليهم كما كان ينظر في العصور السابقة للمصابين بالطاعون، وتوقف المصانع الصينية عن العمل بشكل كامل أو جزئي، وانهيار أسعار سوق النفط، بسبب انخفاض الطلب عليه الخ..

كل هذا يجعلنا نفكر بأن هذا الفايروس هو سلاح حرب هجينة تقوم فيها الولايات المتحدة بإضعاف الصين وروسيا وكل من يقترب منهما وخلق جو من المنافسة بينهما وبين من تتقاطع معهما المصلحة.

وبالتالي فإن الحرب الهجينة في أعلى مستوياتها وعلى عدة محاور وسأتطرق هنا لأحد الأمثلة، والحديث سيكون حول العلاقة الروسية السعودية، أو أوبك مع روسيا.

العلاقة الروسية السعودية وأزمة أوبك+

بدأ العالم بحرب استنزاف النفط بسبب ازمة الكورونا. من سيفوز؟ – روسيا أم الولايات المتحدة أم السعودية؟

كان انخفاض أسعار النفط صباح يوم الاثنين، 9 آذار 2020، هو الأكبر في التاريخ منذ حرب الخليج عام 1991.

في غضون ثوانٍ بعد افتتاح السوق، انخفض سعر برميل خام برنت بنسبة 31٪. وكان السبب في ذلك خطوتين عدوانيتين وغير متوقعتين من أكبر القوى النفطية. حيث رفضت روسيا يوم الجمعة المشاركة في صفقة كارتل مع أوبك بشأن التنسيق لتخفيض الإنتاج (مما ساعد على خفض أسعار النفط مع قلة الطلب نتيجة انتشار فيروس كورونا). وأعلنت السعودية يوم الأحد عن انخفاض حاد في أسعار النفط وزيادة هائلة في الإنتاج.

قيم (ديفيد فيكلينج) في مقال نشرته بلومبيرغ فرص أكبر ثلاثة منتجين للنفط للفوز في حرب النفط المستعرة قائلاً:
في الحرب، لا يربح من يملك قوة هائلة، ولكن من هو قادر على تحمل الضرر لفترة طويلة”.

من هنا قررت المملكة العربية السعودية أن تلعب مع روسيا والشركات الأمريكية المستقلة لعبة القط والفأر، على أمل أن تظل اللاعب الأخير في اللعبة في هذا السوق، حسب فيكلينج.

يمكن أن يكون مثل هذا الحساب فعالاً بشكل مدمر. أول ما يتبادر إلى الذهن هو قرار المملكة العربية السعودية إغراق السوق بالنفط الرخيص عام 1985. وكان هذا التصرف أحد الأسباب التي ساعدت على تدمير الاتحاد السوفياتي.

لكل لاعب أساسي مزاياه وعيوبه في الوقت الحالي. تكلفة الإنتاج هي الأقل في المملكة العربية السعودية – فقط 2.8 دولار للبرميل.

وبالمقارنة مع $ 16 لـ US Exxon Mobile أو 20 $ لـ Rosneft. سنجد أن الكلفة الإنتاجية أرخص بكثير للنفط السعودي المنافس للنفط الروسي او الأمريكي.

ولكن في صناعة النفط، تلعب التكاليف العامة أيضًا دورًا مهمًا. خاصة في حالة أرامكو السعودية، وهي شركة نفط يصعب فصلها عن الدولة السعودية.

بمجرد أن تأخذ بعين الاعتبار اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط، يتبين أنه يمكن تأمين ميزانية هذا البلد دون عجز، إذا كان سعر النفط 83.6 دولارا لا أقل ـ ولم نشهد مثل هذه الأسعار لمدة خمس سنوات ـ الأمر الذي أجهد الميزانية السعودية بشكل لا يمكن تجاهله.

وللمقارنة في روسيا هذا الرقم فيما يتعلق بالميزانية هو النصف – 42 دولارًا. وبنفس المستوى تقريباً إذا ما تكلمنا عن شركات النفط الأمريكية.

إن أول ضحايا انخفاض أسعار النفط ستكون الشركات الأمريكية وسيتم تحديد الفائزين والخاسرين في هذه الحرب في أسواق الأسهم، وليس في أسواق السلع، وعلى المدى القصير يكون المصنعون الأمريكيون في موقف صعب للغاية، فمن غير المحتمل أن يتحلى المستثمرون بالصبر مع عمالقة مثل (Chevron، Exxon) شيفرون وإكسون، أما وضع صغار المنتجين الذين يعانون من ضعف ميزان المدفوعات فسيكون أسوأ حالًا.

وفيما يخص المملكة العربية السعودية فسيكون عليها إيجاد العديد من المشترين للنفط من أجل تعويض انخفاض الأسعار. لكن الاستهلاك العالمي آخذ في الانخفاض فقط، الامر الذي يسبب مشكلة حقيقية للسعودية.

مشكلة المملكة العربية السعودية هي أنه حتى إذا انسحب منتجو النفط الصخري من السوق، لن يكون هناك أي أثر على عملية التقسيم السلمي للسوق مع روسيا. الطلب على النفط محدود وقريب بالفعل من ذروته.

نجحت استراتيجية الرياض بإغراق السوق عام 1985 للأسباب التي لسنا بحاجة لعرضها هنا، لكن ميزانية المملكة المتضخمة الآن تعني أن سعر اللعبة بالنسبة للسعوديين أعلى بكثير من سعرها للاعبين الآخرين.

ونتيجة لذلك أستطيع القول:

إن هامش السلامة في روسيا قد يكون أعلى من هامش خصومها، فالدول التي تطلق العنان للحروب تتوقع في الغالب أنها ستستمر لبضعة أشهر فقط، لتكتشف لاحقًا أن المنافس أقوى مما توقعت. وإذا استمرت المعركة في سوق النفط، فمن المرجح أن تكون موسكو أول لاعب سيجد طوق النجاة من الأزمة.

بالطبع حسب الأسعار الحالية سيخسر جميع اللاعبين. رغمأ أنه يمكنهم النزول في الأسعار أكثر، وبالتالي حان الوقت للتفكير فيمن سيكون قادرًا على تحمل الألم لفترة أطول؟
قد أستطيع القول أن ملامح السياسة الروسية والأزمة الأخيرة مع تركيا حول إدلب، لا تسمح لروسيا بتجاهل التوتر القائم بين السعودية وتركيا في ملفات عديدة.

فمن جهة تضع تركيا نصب أعينها إعادة المجد العثماني وبالتالي زعامة العالم الإسلامي، الأمر الذي لن يسمح به العرب وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، ومن جهة أخرى التدخل في الصراع الليبي واليمني وملفات أخرى.. وهنا تلتقي وجهة النظر الروسية والسعودية، فليس من مصلحة روسيا أن تتوغل تركيا في منطقة الشرق الأوسط.

من هنا فإن روسيا لن تفرط بالدفء الذي طغى على علاقتها بالسعودية وكلنا يذكر المشهد الذي ظهر فيه بوتين مع ولي العهد بن سلمان (حين تصافحا بشكل شبابي ملفت) والذي أثار حفيظة الغرب الذي سارع لدق الأسافين بين روسيا والسعودية، وبالتالي ستعمل روسيا باعتقادي الشخصي على إيجاد صيغة تناسب الأطراف المهيمنة على سوق النفط بشكل يضمن عدم انجرار الاقتصاد والعلاقات الى الهاوية.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إلى أين يتجه العالم؟؟ إلى حرب شاملة قد لا نستطيع الكتابة عنها لأننا عندها سنكون جميعنا تحت الرماد النووي، أم إلى السلام بعد اجتماع قادة العالم الخمس بناء على دعوة بوتين لهذا الاجتماع من أجل الوصول إلى اتفاق جديد يحكم العالم على غرار اتفاق يالطا الشهير بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق