أكاديمياالسلايد الرئيسيحصاد اليوم

المساعدة الأمنية في الشرق الأوسط: رقعة شطرنج ثلاثية الأبعاد (الجزء الثاني)

المساعدة الأمنية الإيرانية

الغايات

من بين الجهات الثلاث التي تُقدم المساعدة الأمنية، فإن إيران ليست الأقل دعمًا لقدرات الدولة وحسب، لكنها تعمل جاهدةً على تخريبها أيضًا. هذا لا يعني أن استراتيجية المساعدة الأمنية عند إيران تهدف الى تقويض مفهوم وممارسة سيادة الدولة. لكن مساعدتها للجهات الفاعلة ذات التوجه نفسه والداعم للسردية الثورية الإيرانية، تستبعد بالضرورة الدول التي تعارض تلك السردية، وبالتالي فإنها تُقوض سيادتها كمحصلة ثانوية بدل أن يكون ذلك هدفًا في حد ذاته، كما يشير أفشون أوستوفار مثلاً.

وهذا يعني أن المساعدة الأمنية الإيرانية يجري تقديمها في المقام الأول للنهوض بمُثُل الثورة الإسلامية، بحيث يكون أثرها الثانوي تحدي قدرة الدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.15

ترى إيران أن المواءمة الأيديولوجية أهم من المؤسسات المعترف بها دوليًا، بما في ذلك الدول والحدود التي ترسمها.16 ومن وجهة نظر إيران عن مشهد المساعدة الأمنية، فإن الجهة الفاعلة غير الحكومية الموالية للسردية الثورية الإيرانية تتمتع بمكانة وبمصداقية مؤسسية أكثر من دولة معترف بها دوليًا تعارض تلك السردية الثورية.

يحدد هذا المنظور أنشطة المساعدة الأمنية الإيرانية تجاه لبنان والعراق واليمن وسوريا، ويختصر حالة تلك الدول. ففي ثلاث من تلك الحالات الأربع على الأقل، تناصر الجهات الفاعلة شبه الحكومية ثورة إيران، وبذلك تصبح المستفيد الرئيس من الدعم في ذلك البلد. تسعى إيران في لبنان مثلاً إلى زيادة نفوذها الإقليمي، وخصوصًا تجاه إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وذلك من خلال تقوية “حزب الله”، وهو منظمة تنشر قيم الثورة الإيرانية على حساب الدولة اللبنانية.17

في الواقع، كان رد إيران الأساسي على الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 هو إنشاء “حزب الله” حيث كانت الأهداف المشتركة لكليهما هو الدافع إلى تلك المساعدة الأمنية.18

وفي العراق، تدعم إيران الميليشيات الشيعية بما في ذلك “عصائب أهل الحق” وكتائب حزب الله ومنظمة بدر، وهي جماعات تشترك أيضًا في السردية الثورية الإيرانية وتدين الفضل لإيران الى حد كبير في ما يخص تأسيسها وحتى وجودها.19 وتقوية هذه المنظمات يؤدي بالضرورة الى إضعاف الحكومة العراقية المُنتخبة، وبالتالي لإضعاف قدرات الدولة في العراق.20

أما الأهداف الإيرانية في دعم الحركة الحوثية في اليمن فتتحدى بطبيعتها المملكة العربية السعودية وجمهورية اليمن، من خلال مجابهة النفوذ السياسي والديني للمملكة العربية السعودية في اليمن عبر السعي الى وضع نظام يحكمه الحوثيون يكون متحالفًا مع إيران محل حكومتها المُعترف بها دوليًا.21

وبالنسبة الى سوريا، فإن أنشطة المساعدة الأمنية الإيرانية تفيد نظام الأسد، ولكن أهدافها تفترق عنه بما فيه الكفاية عبر دعم الميليشيات المتحالفة أيديولوجيًا معها كوثيقة تأمين في حال انهيار النظام هذا.

يمكن توصيف الدعم المباشر لنظام الأسد، كما يجري طرحه، بأنه وضع معكوس، لأنه ينتج جزئيًا عن دعم إيران لحزب الله وعناصر الميليشيات الشيعية العراقية العاملة في سوريا، على الرغم من أن التحالف طويل الأجل بين سوريا وإيران يُحفز أيضًا دعم طهران المباشر لحكومة بشار الأسد.22 ومع ذلك، يمكن تفسير الحالة السورية لتعزيز الادعاء بأن سياسة المساعدة الأمنية الإيرانية تبتعد عن التفضيل الطبيعي للدول.

وبالتالي، تشمل الغايات المُحددة للمساعدة الأمنية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ما يلي:

  • النهوض بالمُثُل الدينية والاجتماعية والسياسية للثورة الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة.
  • تقويض تأثير تلك الدول في المنطقة التي تعارض الثورة الإسلامية.
  • تقوية الجهات الفاعلة شبه الحكومية التي تناصر النموذج الإيراني، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، حزب الله وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر.

الطرق

يتخذ بقدرات الدولة وجود مستوى إضافي من الفوارق الدقيقة عند النظر في تلك الوسائل، لأنها تتمحور حول الحرس الثوري الإسلامي. وقد برز فيها فيلق القدس باعتباره العامل الرئيس والجهة التنفيذية الذي تنفذ من خلاله الحصة الاساسية في أنشطة المساعدة الأمنية.23

ينعكس دور الحرس الثوري الإسلامي في المساعدة الأمنية الإيرانية ودور تأثير تلك المساعدة الأمنية على قدرات الدولة بطرق ثلاث مختلفة.
أولاً، تأسس الحرس الثوري الإسلامي نفسه على مبدأ المعارضة لسيطرة الدولة المؤسسية الحديثة. فقد اعتادت الميليشيات الإسلامية المُنظمة محليًا، والتي وافقت على اندماج وتشكيل الحرس الثوري الإسلامي في أعقاب الإطاحة بالشاه، على المرونة التنظيمية واستقلالية العمل. واتفقت على الاندماج في الحرس الثوري الإسلامي إلى حد كبير لأن المجلس الثوري الإسلامي الإيراني منحها الاستقلالية عن الحكومة الرسمية التي أُعلنت في أعقاب ثورة 1979. 24
ثانيًا، ظهرت الميليشيات الإسلامية غير المتماسكة التي شكلت الحرس الثوري الإيراني إلى الوجود قبل ذروة ثورة 1979 لدعم رجال الدين الشيعة.25

وبهذا المعنى التأسيسي، كان الإخلاص للدين قبل الدولة مبدأً أساسيًا يعكس تاريخ الحرس الثوري الإسلامي منذ البداية. وأخيرًا، مع تطور الحرس الثوري الإيراني، أصبح التزامه بنشر التعاليم الأيديولوجية للثورة الإسلامية بين مجموعات ذات التوجه نفسه في الخارج هو سبب وجود المنظمة.26 عند الجمع بين هذه الخصائص الثلاث الكامنة في الحرس الثوري الإسلامي – أي الاستقلال في العمل المناهض للمؤسسات، وإعطاء الأولوية لدعم الإسلام ورجال الدين على دعم الدولة، والالتزام بنشر الثورة في الخارج – فإن وجود الحرس الثوري الإيراني في حد ذاته تخريب لقدرات الدولة كما تكشف ممارسته أيضًا.

بفضل الدور المركزي للحرس الثوري الإيراني في تأسيس حزب الله ردًا على الغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982، فإن مصالح تلك المنظمة تتماشى بحكم تعريفها مع مصالح إيران.27 فمنذ البداية، اعتمدت ميليشياتها المؤهلة اعتمادًا هائلاً على الحرس الثوري الإيراني للحصول على المساعدة المالية والعسكرية، وعلى ملاءمتها المالية. وبالتالي، تعتمد مكانتها السياسية إلى حد كبير على الزبائنية التي تُوفرها للعملاء المخلصين.28 بالإضافة إلى ذلك، من خلال التواصل الأيديولوجي والسياسي المدعوم من الحرس الثوري الإيراني، سعت إيران الى جعل حزب الله امتدادًا للمصالح القومية الإيرانية على حساب المصالح اللبنانية إذا لزم الأمر.

وتفيد ملاحظات ج. ب. تيرفري أن أساليب إيران في تقديم المساعدة الأمنية من خلال الحرس الثوري الإيراني تُقوض قدرات الدولة في لبنان عبر حقيقة أنها تنشر توقعات بأن حزب الله يتبع الأجندة الإيرانية حتى عندما تتعارض مع تطلعات لبنان الوطنية وربما حتى مع مصالح حزب الله الخاصة داخل لبنان.29

ومثلما هو الحال في لبنان، تتشاطر الميليشيات الشيعية العراقية عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله ومنظمة بدر تحالفًا أيديولوجيًا مع الحرس الثوري الإيراني، ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى الدور المركزي للحرس الثوري الإيراني في تشكيل منظمة بدر في العراق سنة 1982 في عهد صدام حسين.30

عصائب أهل الحق_ العراق

كما أن التدخل العسكري بقيادة الولايات المتحدة في العراق العام 2003 قد حفز ردود الفعل السياسية التي سهلت ظهور عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وغيرها من الميليشيات الشيعية بإشراف إيران، مع توسيع المساعدة الأمنية في الحرس الثوري الإيراني لتشمل هذه الجماعات وكذلك المستفيد الأصلي، أي منظمة بدر، كما يروي كينيث كاتزمان.31

المواءمة الأيديولوجية بين عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله ومنظمة بدر مع الحرس الثوري الإيراني، التي عززتها المساعدة الأمنية، تُمكن إيران من ممارسة تأثير كبير على الحكومة العراقية، وبالتالي تُقوض تماسك الدولة العراقية ومكانتها التي تُشكل قدرات الدولة فيها.32

في حين أن علاقة إيران بحركة الحوثيين في اليمن أضعف من المنظور الأيديولوجي الشيعي، يشترك الطرفان في المصلحة الخاصة بالسعي الى مواجهة النفوذ السعودي في اليمن.33 ولأن قرارات الأمم المتحدة تحظر تقديم المساعدة العسكرية الخارجية الى الحوثيين، يعزز ذلك اعتماد الحوثيين على إيران والحرس الثوري الإيراني، وبالتالي يجري التغلب على العقبة المحتملة المُتمثلة في نقص الدعم الحماسي للعقيدة الإيرانية لدى الحوثيين، وفي الوقت نفسه جعل دولة يمنية غير قادرة على فرض سيطرة شكلية على أراضيها السيادية.34

الوسائل

في حين من المُفترض عمومًا أن الاستثمارات المادية في المساعدات الأمنية الإيرانية هزيلة مقارنةً بالولايات المتحدة وروسيا، فإن قيمتها النقدية مهمة بالفعل في تلك الدول التي ترسل إليها الأموال – أي لبنان وسوريا والعراق واليمن. وتفيد وكالة أبحاث الكونغرس أن إيران تُقدم إلى حزب الله ما يقرب من 700 مليون دولار سنويًا في إجمالي مساعدات اقتصادية وعسكرية.35 وهذا يفوق المتوسط ​​السنوي الذي يبلغ حوالي 200 مليون دولار في قيمة المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي منحتها الولايات المتحدة لحكومة لبنان وللقوات المسلحة اللبنانية منذ 2006. 36

وبالمثل، تشير تقارير أن إيران ربما تُقدم لنظام الأسد في سوريا حوالي 6 مليارات دولار سنويًا.37 وبخصوص الأرقام المُحددة للمساعدة العسكرية للعراق، تشير بعض الأدلة إلى أن الدعم المُقدم للميليشيات وللأحزاب الشيعية المدعومة من إيران في العراق منذ 2014 قد بلغ حوالي مليار دولار سنويًا.38

أما الدعم الإيراني للتمرد الحوثي في اليمن فيتم انتهاكًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216، مما يجعل مسألة الحصول على أرقام موثوق بها أكثر صعوبة، على الرغم من أن بحث توماس جونو يشير إلى أن القيمة النقدية للمساعدة الإيرانية أقل من تلك المُقدمة للمستفيدين في لبنان وسوريا والعراق.39 فإذن القيمة النقدية للمساعدة الأمنية الإيرانية إلى الوكلاء في الشرق الأوسط كبيرة إجمالاً لكنها أقل بكثير من تلك التي قدمتها الولايات المتحدة إلى جميع شركائها، من ما يشير إلى أن تكلفة المساعدة الأمنية لا تُوفر دليلاً جيدًا على فعاليتها.

تتكون الوسائل الأخرى من أنواع المعدات العسكرية التي تُقدمها إيران. تُركز هذه الوسائل تركيزًا كبيرًا على تطوير القدرات غير المتناظرة التي تهدف من بين أشياء أخرى إلى إحداث تأثير استراتيجي من خلال استهداف القدرات المؤسسية للدول – وهذا ما يعني جوهريًا اكتساب تأثير استراتيجي بالقضاء على حالة الدولة من خلال تكتيكات غير نظامية. ينبع هذا التفضيل للقدرات غير المتماثلة جزئيًا من التاريخ التنظيمي للحرس الثوري الإيراني، إذ كانت القدرات غير المتناظرة أمرًا حيويًا لإنشائه ولتطويره لاحقًا كما تؤكد مريم المزاده.

كما تشير إلى أن الحرس الثوري الإيراني يواصل تقديم مساعدة هائلة وفعالة لوكلائه لأن قادة إيران يثقون في قيادة الحرس الثوري الإيراني ويعملون على تمكينها من رئاسة المستشارين الإيرانيين والقادة المحليين، الذين يُسمح لهم بدورهم بالعمل بصفة مستقلة ضمن الإطار الأوسع لمتابعة مُثُل الثورة الإسلامية. وهذه المرونة التشغيلية اللامركزية مكون أساسي للحرب غير المتناظرة.40

تنعكس مركزية الوسائل غير المتناظرة للحرس الثوري الإيراني وللمستفيدين من مساعدته الأمنية في التحسين المستمر للصواريخ البالستية وقدرات نشرها، بالإضافة إلى الاعتماد المتزايد عليها.41 مثال ذلك، سمح الدعم الإيراني لحزب الله في شكل صواريخ الدفاع الجوي بتحقيق مكاسب عسكرية كبيرة على حساب إسرائيل في حرب 2006، ما أسفر عن تحسين مكانة حزب الله الاستراتيجية تجاه إسرائيل ودولة لبنان.42 والمساهمات الإيرانية لقدرات الحوثيين في مجال الصواريخ الباليستية التي تُمكنهم من تهديد الرياض وجدة من ضواحي صنعاء مثال آخر على استخدام إيران قدرات غير متناظرة لتقويض حالة الدولة لدى خصومها.43

أما إمداد إيران للمليشيات المستفيدة في العراق بذخائر مرتجلة بالدعم الصاروخي، فقد فرض ضغطًا استراتيجيًا على الولايات المتحدة لإنهاء احتلالها العسكري للعراق، وبالتالي حققت مكسبًا استراتيجيًا ضد الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه قوضت قدرات الدولة في العراق.44 وبطريقة مماثلة، اكتسب الحوثيون نفوذًا استراتيجيًا في مواجهة التحالف الذي تقوده السعودية والمجتمع الدولي، من خلال تهديد الشحن في مضيق باب المندب بصواريخ كروز مضادة للسفن وبقوارب متفجرة وبقدرات غير متناظرة ناتجة عن المساعدة الإيرانية.45

وبهذه الطرق، ساهمت الوسائل الإيرانية المتجذرة في تاريخ الحرس الثوري الإيراني في التصدي لفعالية المساعدة الأمنية الأميركية، وقوضت في الوقت نفسه قدرات تلك الدول العربية التي يعمل فيها وكلاء إيران، وربما كذلك وكلاء المملكة العربية السعودية وحتى دول الخليج المتحالفين معها عن كثب. وهذا يعني أن المساعدات الإيرانية تزيد الاستفادة الاستراتيجية من الموارد العسكرية المقدمة للمستفيدين من خلال التركيز على القدرات وتطويرها، مما يعزز النفوذ الأوسع في مناطق معينة بينما يجري دعم الأهداف الإيرانية.

باختصار، توضح غايات وطرق ووسائل المساعدة الأمنية الإيرانية الموجهة إلى المستفيدين في لبنان وسوريا والعراق واليمن بشكل جماعي الكيفية التي تؤدي بها تلك المساعدة إلى تآكل قدرات الدولة وحتى وضعية الدولة لدى خصومها. وبما أن غايات المساعدة العسكرية الإيرانية تهدف الى توليد الدعم للمُثُل وللممارسات الثورية الإيرانية، فإنها تشمل بالضرورة تآكل حالة الدولة لدى خصومها. لا يرجع السبب في ذلك إلى أن إيران تزدري الدول بما هي كذلك، وخصوصًا الدول التابعة لها، بل لأنها تسعى إلى الإلتزام بسرديتها الثورية على حساب الولاءات الأخرى، بما في ذلك بالنسبة إلى الدول العربية.

بالإضافة إلى ذلك، تتركز طرق المساعدة العسكرية الإيرانية على الحرس الثوري الإيراني ومبادئه الأساسية المتمثلة في الاستقلالية في العمل والدعم من رجال الدين الإسلامي ، والالتزام بتوسيع الثورة الإسلامية خارج حدود إيران، وهي كلها تتعارض مع قدرات الدولة لدى الدول العربية المنافسة.

وفي حين أن القيمة النقدية لبرامج المساعدة الأمنية الإيرانية لا تبدو مؤشرًا دقيقًا على فعاليتها، فإن هذه القيمة ليست تافهة بأي حال. ومع ذلك، فإن أنواع المعدات التي توفرها إيران بالإضافة إلى دمجها في العقيدة الاستراتيجية هي التي توفر للمستفيدين القدرة على تحقيق نفوذ تكتيكي لدعم غايات أوسع أهمها تقليل الفعالية النسبية للدول العربية التي يعمل بها أولئك المستفيدون بالإضافة إلى الفعالية النسبية للدول العربية الأخرى المعارضة لإيران.

المساعدة الأمنية الروسية

الغايات

فيما تتبوأ روسيا مكانتها بجدارة باعتبارها ثاني أكبر مزود للمساعدة الأمنية في العالم، فإنها تسعى الى تحقيق غايات طموحة من خلال تلك المساعدة، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فقد أعلن المدير السابق لوكالتها عن “التعاون العسكري والتقني” – وهو المصطلح الروسي المرادف للمساعدة الأمنية – أن “تجارة الأسلحة ونظام التعاون العسكري والتقني بأكمله” هو “أداة للسياسة الخارجية الروسية مصممة لتمييز الوجود الروسي في منطقة ما والتأثير على ميزان القوى فيها.”46

ينص قانون المساعدة الخارجية الأمريكي وقانون مراقبة تصدير الأسلحة اللاحق له على أن غايات المساعدة الأمنية الأمريكية – المُعرّفة على أنها “التدريب العسكري والمعدات التي يجري منحها أو بيعها أو تأجيرها إلى دول أجنبية” – تهدف “الى تعزيز السياسة الخارجية للولايات المتحدة”.47 يشير تشارلز ك. بارتلز إلى أن الأهداف المُحددة للمساعدة الأمنية لكلتا الدولتين “متشابهة بشكل ملحوظ”، بما في ذلك تطوير التحالفات وتعزيز توافقية العمل ضمن عقيدة موحدة ودعم مجمعاتها العسكرية الصناعية.48

تعكس الولايات المتحدة وروسيا الأهداف المشتركة لمساعدتهما الأمنية وتقدمان تلك المساعدة من خلال مؤسسات مماثلة، بما في ذلك تلك المؤسسات المسؤولة عن العلاقات المالية والتفاعل مع مجمعاتها الصناعية العسكرية ورصد الصادرات والترخيص. لكن بارتلز يرى أن الدولة الروسية، باعتبارها صاحبة مصلحة بنسبة الأغلبية في معظم المكونات الرئيسة لمجمعها الصناعي العسكري، لها مصلحة مالية أكبر وأكثر مباشرة في المساعدة الأمنية من مصلحة الحكومة الأمريكية.

بالإضافة إلى ذلك، بالنظر إلى أن الاقتصاد الروسي يمثل عُشر حجم الاقتصاد الأمريكي، فإن الأهمية النسبية لمبيعات الأسلحة أكبر بكثير ومثيلتها بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، على الرغم من أن الولايات المتحدة هي أكبر مُصدِّر للأسلحة في العالم.

مع ذلك، التشابهات الظاهرة في برامج المساعدة الأمنية الروسية والأمريكية تخفي اختلافات جوهرية في غاياتها وطرقها ووسائلها. فالعامل الرئيس الذي تقوم عليه تلك الاختلافات عامل اقتصادي كما اقترحنا للتو. والضعف النسبي للاقتصاد الروسي من حيث الحجم ونقص التنويع والاندماج الضعيف في سلاسل الإنتاج العالمية والاعتماد المتزايد على الصين وسعي الأطراف المقربة فيها الذين امتلكوا زمام الأمور وراء الريع يؤدي بشكل مطّرد إلى الاعتماد الأكبر على المساعدة الأمنية. فتلك المساعدة، إلى جانب الدبلوماسية القائمة عليها، هي الأداة الوحيدة تقريبًا المتبقية في حقيبة السياسة الخارجية لموسكو. وفي حين أن الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد السوفيتي في 1989 كان ضعف نظيره في الصين، فإن الناتج المحلي الإجمالي للصين الآن أكبر بستة أضعاف من نظيره في روسيا.

وفيما كانت روسيا يومًا ما مُصدِّرًا رئيسيًا للأسلحة إلى الصين، فإنها تعتمد الآن على المكونات الإلكترونية الصينية وغيرها من مكونات أنظمة أسلحتها. كما أن حوالي نصف معدات التنقيب عن النفط والغاز فيها صينية الصنع. فالصين ثاني أكبر سوق للصادرات في روسيا، لكن روسيا تحتل المرتبة العاشرة في سوق الصادرات في الصين.49 وتحرز الصين نجاحات ثابتة في موقع روسيا في آسيا الوسطى، بينما اكتسبت معظم الملاحق الغربية للاتحاد السوفيتي بالفعل الاستقلال السيادي والثقافي والاقتصادي.

من الجدير بالملاحظة أن الاستثمار والمساعدة الخارجية العامة، وهما أدوات عادةً ما تصاحب المساعدة الأمنية، غالبًا ما يكونان غائبين عن مجموعة الأدوات الروسية. ففي مصر مثلاً، بدأت موسكو مفاوضات في فبراير/شباط 2015 لاستثمار 7 مليار دولار في منطقة صناعية روسية بالقرب من بورسعيد.

وقد تم التوصل أخيرًا إلى اتفاق في يناير/كانون الثاني 2019 للبدء في مشروع من ثلاث مراحل من المقرر فيه بحلول سنة 2031 أن تعمل بعض الشركات الروسية، وذلك بعد حوالي 16 سنة من المفاوضات الأولية والإعلان السابق لأوانه جدًا عن الاستثمار الروسي بمبلغ 7 مليار دولار. واعتبارًا من أغسطس/آب 2019، لم تُقدم أية أموال روسية.50

في غضون ذلك، استثمرت الصين في أوائل سنة 2019 مبلغ 3 مليار دولار في مصر والتزمت بمبلغ آخر قيمته 20 مليار دولار، مما جعل أحد المراقبين يُعلق على الأمر قائلاً: “على عكس روسيا، فإن الصين لديها جيوب عميقة للغاية”.51

وبالتالي، فإن المساعدة الأمنية الروسية مدفوعة في المقام الأول بنقاط ضعف الدولة وشعورها العام بالضعف، الأمر الذي يتطلب استراتيجية دفاعية نشطة. يفيد نائب رئيس معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، الذي يُدرب حوالي 95% من الدبلوماسيين الروس، أن أهداف السياسة الخارجية الروسية هي “أن تكون لاعبًا مستقلاً وأن تدعم هويتها كقوة عظمى مستقلة استراتيجيًا”.

حاليًا يفيد بأن روسيا “تتعرض إلى سوء المعاملة… وللخيانة”.52 فالقادة الروس، siloviki، الذين خرجوا من جهاز أمن الدولة وجهاز الأمن الفيدرالي تدربوا على “رؤية العالم من حيث التهديدات”. وبالتالي، يرى أندريه سولداتوف، وهو صحفي استقصائي متخصص في الأمن، أنه “ليست لديهم استراتيجية” وأنهم “يعتمدون على التكتيكات” لأنهم “لا يعرفون هوية التهديد المقبل”، وبالتالي لا يسعهم “سوى الاستجابة وحسب”.53 كما يُفسر هو وغيره من المحللين في السياسات الأمنية الروسية “عودة روسيا مرة أخرى على المسرح العالمي على أنها ردود فعل وتكتيكات ومراهنات مرتجلة كانت في بعض الأحيان أكثر إزعاجًا من كونها مُتقنة”.54

العامل الثاني لسياسة المساعدة الأمنية الروسية التي تميزها عن سياسة المساعدة الأمنية الأمريكية هو السلطوية والمؤسسات والأيديولوجيات والسلوكيات التي تقوم عليها وأهم مثل هذه المؤسسات هي الجيوش والمليشيات التي تدعمها في المعتاد أجهزة الاستخبارات. فقد حلوا محل الأحزاب الشيوعية كحلفاء رئيسيين لموسكو وكمستفيدين رئيسيين لمساعدتها. كما أن الأيديولوجية مهدت الطريق للنفعية التي تركز على السيطرة كعوامل تحفيز رئيسة لكل من روسيا والمستفيدين من مساعدتها.

وبعيدًا عن تشجيع الرقابة المدنية على الوكالات القسرية والعمل على تطوير المؤسسات التي يمكن تحقيق ذلك من خلالها، تسعى المساعدة الأمنية الروسية الى تفضيل الفروع التنفيذية والوكالات العسكرية والأمنية المرتبطة بها على جميع الجهات الفاعلة الأخرى الحكومية وغير الحكومية. والكشف عن المساعدة الأمنية لسوريا منذ تدخل روسيا فيها في أواخر 2015 يدل على هذا النمط الأوسع. فقد بدأت بدعم الوحدات الرئيسية في الجيش السوري، والتي أخضعتها بثبات لسيطرتها المباشرة، وأخضعت حتى الجنرالات لضباط روس أقل رتبة.

ثم تحولت بطريقة مماثلة إلى تسخير مختلف الميليشيات الموالية لعناصر النظام أو لإيران قبل البدء في محاولة لاختراق مختلف أجهزة المخابرات التابعة للنظام وللسيطرة عليها.55 وتجاهلت روسيا ببساطة الجهاز السياسي السوري الأوسع، ناهيك عن اقتصاد البلاد.

العامل الثالث الذي يؤثر على غايات المساعدة الأمنية الروسية ويجعلها تختلف عن المساعدة الأمنية الأمريكية هو وجود سكان مسلمين عديدين على أطراف روسيا الذين خضعوا لنفوذ موسكو ثم لسيطرتها، أولاً من قِبَل الإمبراطورية الروسية ثم من قِبَل الاتحاد السوفيتي. فظهور الحركات الانفصالية والإرهاب، ناهيك عن احتمال وقوع الدول المجاورة لها في آسيا الوسطى تحت سيطرة المنافسين، وأهمها الصين، يثير مخاوف كبرى لدى صانعي القرار الروس.

تمثل الحرب في أفغانستان، التي واجهت فيها القوات الروسية المجاهدين المدعومين من الولايات المتحدة وأسقطت الاتحاد السوفيتي، كارثة واضحة في أعين القادة الروس.

كما أن المخاوف المرتبطة بالإسلام أكثر صلة بسياسات المساعدة الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تنتشر الإسلاموية انتشارًا واسعًا وتزعزع الاستقرار، تُعتبر سببًا رئيسيًا للانقسام بين الدول مثلما هو الحال بين قطر وتركيا من جهة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر من جهة أخرى.

يخلص الاستقصاء الذي أجرته صحيفة نيويورك تايمز حول استراتيجية بوتين العالمية إلى أن “أهداف روسيا بحسب القيمة الاسمية أقل توسعية بكثير من أهداف أمريكا، ومصالحها أضيق وأكثر ثباتًا. ومن الملاحظ أنها لا تمتد إلى مسائل حقوق الإنسان أو الديمقراطية”.56 وبينما لا يتناول التقرير بشكل مباشر مسألة ما إذا كانت “القيمة الاسمية” تعكس الاستراتيجية الروسية بدقة، أو تهدف على الأغلب إلى خداع المعارضين المحتملين نظرًا للقيود المفروضة على القدرات الروسية، فإن وجهة النظر القائلة بأن الأهداف الروسية “أقل توسعية” تبدو صحيحة، على الأقل الى حين تطوير تلك القدرات أو لحين ظهور سطوة الى إستراتيجية أكثر جرأة ومخاطرة في الكرملين.

باختصار، تشمل الغايات المحددة للمساعدة الأمنية الروسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي تعكس استراتيجيتها الشاملة والقيود التي تُشكلها، ما يلي:

  • المكاسب الاقتصادية من خلال نقل الأسلحة والتدريب والمساعدة العسكرية
  • تعزيز الأنظمة الاستبدادية “الصديقة”
  • احتواء الإسلاموية
  • تعزيز دور روسيا الإقليمي وموقفها من خلال تشجيع الاعتماد على نفوذها الدبلوماسي/الأمني
  • تقويض مكانة الولايات المتحدة في المنطقة

الطرق

وتحدد هذه الأهداف الاستراتيجية بدورها الخيارات المتعلقة بمن يجب دعمه ومعارضته في المنطقة وكيفية عمل ذلك. فرد فعل روسيا تجاه الاضطرابات في 2019 في السودان أمر مفيد. وبناءً على الوثائق التي سربها مركز Dossier في لندن التابع لرجل الأعمال الروسي المنفي ميخائيل خودوركوفسكي إلى صحيفة غارديان، سعت روسيا لنزع الشرعية عن المعارضة السودانية من خلال أخبار ومقاطع فيديو مزيفة تهدف إلى “تصوير المتظاهرين على أنهم معادون للإسلام وموالون لإسرائيل وللحركة المثلية”.57

وقد أرسلت في وقت واحد مجموعة من المرتزقة الذين تُوظفهم مجموعة فاغنر المملوكة للدولة لتدريب ضباط عسكريين سودانيين كجزء من محاولة لتوطيد شراكة مع المجلس العسكري الانتقالي الذي “وافق على دعم عقود روسيا المهمة في الدفاع والتعدين والطاقة في السودان”.58

وبحلول 2019، أصبح السودان ثاني أكبر مشترٍ للأسلحة الروسية في إفريقيا بعد الجزائر، حيث أن نصف إجمالي مشتريات السودان من الأسلحة تم الحصول عليها من روسيا.

كان الرئيس السابق البشير قد وافق شخصيًا على دخول شركة روسية لتعدين الذهب إلى بلاده وكان يتفاوض على إنشاء مصفاة نفط روسية وقاعدة بحرية روسية على البحر الأحمر عندما تمت الإطاحة به. ربما يكون مرتزقة مجموعة فاغنر قد انخرطوا بالفعل في إجراءات قمعية اتخذها المجلس العسكري الانتقالي. لكن المعارضة السودانية ترى أن روسيا تدعم الرجعيين في المجلس العسكري الانتقالي دعمًا كاملاً كجزء من استراتيجيتها الشاملة للحفاظ على استثماراتها العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية الضخمة في عهد البشير.59

تكشف الأنشطة الروسية الأخيرة في ليبيا عن نماذج مماثلة في السودان. اعترفت روسيا اسميًا بحكومة الوفاق الوطني المتمركزة في طرابلس وبخطة التسوية التابعة للأمم المتحدة، وبدأت في الوقت نفسه تغازل حفتر وجيشه الوطني الليبي في 2016.

وقد اعترضت روسيا على قرار الأمم المتحدة الصادر في مارس/آذار 2019 والذي يدعو حفتر الى وقف هجومه على طرابلس، وبعد ثلاثة أيام زار حفتر موسكو.60

يبدو أن حفتر بدأ يتلقى الأسلحة من روسيا في 2016 مقابل وعود بالسماح بإنشاء قواعد روسية في بنغازي وطبرق بمجرد انتهاء الصراع.

وفي ذلك الوقت أو بعد ذلك بقليل، بدأ مرتزقة من مجموعة فاغنر ومن شركة تعاقدات عسكرية ثانية يسيطر عليها الكرملين، وهي شركة RSB، في تعزيز قوات حفتر.

وفي 2018 التقى حفتر بالمالك الاسمي لمجموعة فاغنر، يفغيني بريغوزين، وهو من حلفاء بوتين ومدان سابقًا والمالك السابق لوكالة أبحاث الإنترنت الخاضعة إلى العقوبات التي استخدمتها موسكو للتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016. 61

وفي 2019، التزم 300 من المرتزقة في مجموعة فاغنر بتأمين موانئ طبرق ودرنة للأسطول الروسي وبالسيطرة على تدفق النفط الليبي.62 وفي العام الماضي، ذكرت صحيفة RBC الروسية اليومية أن روسيا أرسلت قوات إلى شرق ليبيا لدعم مروحة متنوعة من عمليات حفتر63 ومنذ ذلك الحين ظهرت تقارير مختلفة عن تلقي جنود حفتر للعلاج في مستشفيات روسية.64

وفي 2017، وقَّعت Rosneft اتفاقية مع المؤسسة الوطنية للنفط لتعزيز استخراج النفط. ويقول أحد المراقبين عن اختراق روسيا في ليبيا بعد القذافي أن “روسيا تعتقد أن الضامن الأفضل للاستقرار في ليبيا وحكم استبدادي وزعيم بخلفية عسكرية. بالإضافة إلى ذلك، يرى الكرملين أن حفتر هو من سيضمن الوجود العسكري والاقتصادي والعسكري الروسي في البلاد”.65*

هذه السوابق، إلى جانب الدعاية الروسية بأن دول البلطيق كانت “منحًا من موسكو في العهد السوفيتي وبالتالي فإنها تنتمي إلى روسيا”، حفزت تلك الدول على التخلص من الخلايا النائمة المحتملة وعلى المُحرضين المحتملين.66

الاتحاد السوفيتي كان قد فعل ذلك في مصر مثلاً عندما كان في ذروة نفوذه هناك وجند من بين أشخاص آخرين سامي شرف رئيسًا لأركان رئيس مصر السابق جمال عبد الناصر. وقد أصبح بعد ذلك أحد المتآمرين الرئيسيين في مؤامرة 1971 للإطاحة بالرئيس اللاحق أنور السادات الذي كان الروس يعتبرونه عن حق تهديدًا لمصالحهم.67

أما محاولة روسيا القياسية لكسب النفوذ لدى حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وخصوصًا الحكومات التي لها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، فتجري من خلال نقل الأسلحة. من المُفترض أن يكون الغرض الرئيسي هو تنمية العلاقات مع صناع القرار العسكري والمدني. ومن أمثلة ذلك مصر وتركيا ولبنان. فعندما أوقفت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما تزويد مصر بأنظمة الأسلحة، سرعان ما تدخلت روسيا وباعت القاهرة نظامًا مضادًا للطائرات بقيمة مليار دولار في 2015 وتبعت ذلك شحنات عديدة من الطائرات وغيرها من المعدات العسكرية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، قبلت حكومة رئيس الوزراء سعد الحريري في لبنان وقتها عرضًا طويل الأمد بقيمة 5 ملايين دولار في صورة مساعدات عسكرية روسية، وهذه دلالة على رغبة الكرملين “في تنمية العلاقات الدينية والثقافية والاقتصادية والعسكرية في بيروت كجزء من استراتيجية لتوسيع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط والنهوض بدورها كصانع سلام وتهميش الولايات المتحدة”.68

وفي وقت سابق من تلك السنة، كانت شركة نفط روسية جزءًا من تحالف ربح عقدًا لاستغلال قطاعين بحريين في المياه اللبنانية. ومنذ 2011، دعمت موسكو التجمع اللبناني الأرثوذكسي الذي يُعد من بين أبرز قياداته نائب رئيس البرلمان كجزء من جهده الأوسع لربط روسيا بالمعتقدات الأرثوذكسية الشرقية. كما زار الحريري موسكو كثيرًا، وذلك على ما يبدو بسبب رغبته في استخدام دعم روسيا في إدارة العلاقة مع سوريا.

ووافقت تركيا في 2019 على شراء منظومة الدفاع الجوي الروسي من طراز S-400، ويبدو أن هذا يرجع جزئيًا لتراجع شعبية الرئيس رجب طيب أردوغان وما صاحب ذلك من الرغبة في تعزيزها عن طريق إثارة العداء لأمريكا.69

منظومة s400

تشير هذه الحالات إلى أن روسيا تستهدف المساعدة الأمنية التي تدعمها في المعتاد الروابط الاقتصادية والسياسية، وذلك لدى القادة الاستبداديين في المقام الأول، وخصوصًا أولئك الذين يفتقر تمسكهم بالسلطة إلى الدعم الشعبي المؤسسي. ومن المُفترض أن هذا يُعزز نفوذ روسيا على النخب التي تحتاج إلى دعم خارجي. ويمكن لروسيا بعد ذلك استمالة النخب بتقديم مكافآت في شكل المزيد من عمليات شراء الأسلحة وتنازلات اقتصادية ومصالح دبلوماسية وما إلى ذلك.

الوسائل


تؤكد الصحافية الروسية إيفجينيا سوكولوفسكايا أن الكرملين لديه خطة ثلاثية لتوسيع نفوذه في إفريقيا، وهذا يعكس أيضًا نهجه لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. تتمثل الأولى في مبيعات الأسلحة، حيث يبدو أن الحالات التي تم عرضها تؤكد ذلك. والخطوة الثانية هي إرسال “مرتزقة… للحصول على فهم أوسع على أرض الواقع من دون مشاركة الكرملين رسميًا”. والأدوار الأساسية للمرتزقة هي حراسة القادة وتدريب القوات وإدخال الأسلحة الروسية كما هو الحال في ليبيا والسودان بحسب إفادة إيفجينيا.70

والخطوة الثالثة هي القفزة الكبيرة التي تتضمن إرسال أفراد عسكريين روس تتنوع واجباتهم ومشاركتهم وقد تتصاعد في مستواها كما في حالة سوريا. والنشر الأولي للقوات هو الأكثر شيوعًا لتعليم الجيوش المحلية على استخدام أنظمة الأسلحة الروسية وصيانتها، والغرض الرئيس منها في إفريقيا هو تمهيد الطريق لمشاركة روسية أوسع نطاقًا وخصوصًا في الاقتصاد.

أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث مستوى النزاع أعلى، تأخذ مثل هذه المشاركة أيضًا شكل مشاركة روسية مباشرة في المعركة كما هو الحال في سوريا. ولكن لكي يحدث ذلك، يتعين على الدولة المضيفة التنازل عن سيطرتها الكبيرة على قواتها لروسيا كما كان الحال في سوريا.

تُمثل خطة الكرملين الثلاثية المفترضة هذه الخطوط العريضة للاستراتيجية الروسية والوسائل المستخدمة لتحقيق الغايات، وإن لم يكن في كل بيئة ولا بتفاصيل دقيقة. فهي مثلاً لا تربط ربطًا واضحًا بين الغايات والكمية والجودة النسبيتين للأسلحة المقدمة، كما أن المحصلات يُفترض أيضًا أن تعتمد على قدرات المستفيدين. ولا تعالج مسألة جودة المساعدة التقنية العسكرية المقدمة، وهو موضوع لم يحظَ سوى بقدر ضئيل من الاهتمام.

تناول نورفيل ب. ديتكيني هذه المسألة في مصر. فبصفته ضابطًا حاليًا في الجيش الأمريكي، عمل على تقييم أداء نظرائه الروس.71 يشير إلى أنه قبل أن يقيلهم السادات، كان “المستشارون السوفييت على جميع المستويات يشاركون في كل جانب من جوانب التخطيط والتدريب واللوجستيات في مصر”. وكانت نقاط قوة مشاركتهم ترجع في المقام الأول إلى النهج البسيط نسبيًا الذي كان مستخدمًا.

“لم يكن من المتوقع من المتدربين قط استعمال المبادرة أو الابتكار، بل الاستمرار في أداء التدريبات حتى تصبح صفة متأصلة فيهم”.

أمضى المستشارون السوفييت فترات طويلة بشكل معقول في مصر وكانوا على استعداد لتحمل مصاعب كبيرة في الحياة اليومية. فالمعدات التي نشروها كانت بسيطة التشغيل والصيانة، في حين كان النظام اللوجستي أقل تعقيدًا بكثير من نظيره الأمريكي.

أما نقاط الضعف فشملت المشكلات اللغوية التي لم يجرِ علاجها بالكامل، بالإضافة إلى المشكلات الثقافية الأوسع نطاقًا التي يُوضحها ديتكيني بشيء من التفصيل والتي تدور حول مسألة التزمت النسبي للمستشارين السوفييت. منذ كانوا يميلون إلى عزل المصريين الذين شعروا بالسعادة عمومًا عندما طردهم السادات بحسب إفادة ديتكيني.

كما يرى ديتكيني أن الدروس الروسية المستفادة من التجربة المكثفة في مصر يجري تطبيقها الآن في سوريا. فالمستشارون العسكريون المتخصصون الروس يشاركون في القتال إلى جانب القوات السورية أو يمارسون عليهم القيادة، وهو نوع من برنامج التدريب العملي بدلاً من أساليب التدريس الأكثر رسمية التي تم استخدامها في مصر.

تأخذ المشاركة الروسية الشاملة في سوريا شكل حرب هجينة تشمل “قوات غير نظامية ومرتزقة وأساليب سرية ومعلومات وبرامج تضليل”.72

باختصار، تشتمل الوسائل الروسية للمساعدة الأمنية على مروحة من أنظمة الأسلحة وتدريب أفراد من الجيش أو من متعاقدين أمنيين “خاصين” مُتخفين، وتوسيع نطاق الحماية للنخب المحلية، وحملات التضليل التي تنطوي أحيانًا على دعم القوات العسكرية المحلية مثلما هو الحال في السودان. وهذه الوسائل مصممة تصميمًا جيدًا للغايات الروسية وللشركاء الذين اختارت روسيا العمل معهم.

تتشكل غايات روسيا وطرقها ووسائلها بأنظمتها الاستبدادية الخاصة بها والخاصة بالمستفيدين منها، والتي تتضح مواطن قوتها وضعفها بالمقارنة بالمساعدة الأمنية الأمريكية.

يتبع ..

____

المراجع والمصادر :

15أفشون أوستوفار، طليعة الإمام: الدين والسياسة والحرس الثوري الإيراني (نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد، 2016) 102-103، 107.

16المرجع نفسه.

17كينيث كاتزمان، “سياسات إيران الخارجية والدفاعية”، تقرير وكالة أبحاث الكونغرس رقم R44017، رقم. 2 (مايو/أيار 2016): 45؛ و، توماس جونو، “سياسة إيران تجاه الحوثيين في اليمن: عائد محدود من استثمار متواضع”، الشؤون الدولية (مايو/أيار 2016): 649.

18أوستوفار، 112-117.

19أوستوفار، 169-178.

20كاتزمان، 37-39؛ و، جونو، 649-650.

21كاتزمان، 47-48؛ و، جونو، 659.

22ويل فولتون، جوزيف هوليداى، سام واير، “الاستراتيجية الإيرانية في سوريا”، التقرير المشترك لمشروع التهديدات الحرجة الخاص بمعهد أميركان إنتربرايز ومعهد دراسات الحرب (مايو/أيار 2013): 6-7.

23ج. ب. تيرفيري، “تحليل مؤسسي لفيلق القدس في لبنان” (ماجستير في الدراسات الدفاعية، كلية القوات الكندية، 2013)، 27-30.

24مريم المزاده، “الجذور غير الرسمية للحرس الثوري الإيراني وتداعياته على السياسة الإيرانية اليوم”، موجز الشرق الأوسط، مركز التاج بجامعة برانديز لدراسات الشرق الأوسط (أغسطس/آب 2019، العدد 130): 2-5.

25أوستوفار، 9-11.

26أوستوفار، 102-107.

27أوستوفار، 112-117.

28تيرفيري، 33-37.

29تيرفيري، 37.

30أوستوفار، 111-112.

31كاتزمان، 37-40.

32جونو، 649-650.

33جونو، 659.

34جونو، 655-658.

35كاتزمان، 46.

36كارلا م. حمود، “لبنان”، وكالة أبحاث الكونغرس (R44759): واشنطن، 5 أكتوبر/تشرين الأول 2018.

37كاتزمان، 42.

38كاتزمان، 38.

39جونو، 655-658.

40المزاده، 2-7.

41فرهاد رضائي، “برنامج الصواريخ البالستية الإيراني: تطورات جديدة”، مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية، الورقة رقم 1110 (مارس/آذار 2019).

42كاتزمان، 45.

43جوليان بورغر وباتريك وينتور، “الولايات المتحدة تقدم أدلة على إمداد إيران بصواريخ أطلقها المتمردون في المملكة العربية السعودية”. غارديان (14 ديسمبر/كانون الأول 2017). https://www.theguardian.com/world/2017/dec/14/us-gives-evidence-iran-supplied-missiles-that-yemen-rebels-fired-at-saudi-arabia.

44كاتزمان، 37.

45أنتوني كوردسمان مع نيكولاس هارينغتون، “دول الخليج العربي وإيران: الإنفاق العسكري والتحديث والتوازن العسكري المتغير”، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (12 ديسمبر/كانون الأول 2018): 1.

46“التعاون العسكري والتقني كعامل في نمو التأثير الروسي”، المجلة العسكرية الروسية، العدد 6، يونيو/حزيران 2004، متاح من Eastview [قاعدة بيانات عبر الإنترنت]،  http://dlib.eastview.com.www2.lib.ku.edu:2048/sources/article.jsp?id=6514773، تم الوصول إليها في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2008. اُقتبست في تشارلز ك. بارتلز، “فهم التعاون الأمني: مقارنة بين الأنظمة الأمريكية والروسية للتعاون الأمني”، الجيش الأمريكي، مكتب الدراسات العسكرية الأجنبية (27 فبراير/شباط 2012)، https://community.apan.org/wg/tradoc-g2/fmso/m/fmso-monographs/200408، ص. 3.

47المنشور المشترك 1-02 ، قاموس وزارة الدفاع للمصطلحات العسكرية والمتعلقة ، مركز المعلومات الفنية للدفاع (DTIC) ، بصيغته المعدلة حتى 22 أكتوبر 2008 ، http://www.dtic.mil/dtic/ كما ورد في المرجع نفسه ، ص. 3.

48المرجع نفسه، ص. 5.

49“الشريك الصغير، إيكونومست (27 يوليو/تموز 2019)، ص. 15-18.

50حنان محمد، “إنشاء المنطقة الصناعية الروسية في مصر يدخل حيز التنفيذ”، مصر اليوم (1 فبراير/شباط 2019) https://www.egypttoday.com/Article/3/64142/Establishing-Russian-Industrial-Zone-in-Egypt-comes-into-force.

51فرانسيس غيل، “جيوب الصين العميقة في مصر”، أراب ويكلي (17 فبراير/شباط 2019) https://thearabweekly.com/chinas-deep-pockets-egypt.

52سارة أ. توبول، “ماذا يريد بوتين حقًا؟” نيويورك تايمز (25 يونيو/حزيران 2019) https://www.nytimes.com/2019/06/25/magazine/russia-united-states-world-politics.html.

53المرجع نفسه.

54المرجع نفسه.

55أليمار لازكاني، “القوات الروسية في سوريا وبناء وجود عسكري مستدام: الجزء الأول – نحو إعادة هيكلة الجيش السوري”، Policy Alternatives، مبادرة الإصلاح العربي (يونيو/حزيران 2018)؛ والجزء الثاني – ماذا عن الميليشيات السورية المدعومة من إيران؟ “(يوليو/تموز 2018).

56توبول، “ماذا يريد بوتين حقًا؟”

57جيمس م. دورسي، “روسيا تنضم لدول الخليج في تدريب الجيش السوداني”، ورقة بحثية لمركز بيسا (9 يوليو/تموز 2019) https://besacenter.org/perspectives-papers/russia-uae-sudan-sudan-military/.

58صموئيل رامهي، “يد موسكو في مستقبل السودان”، صدى (11 يوليو/تموز 2019).

59المرجع نفسه.

60نونا ميخليدزي، “تهميش إيطاليا مع توطيد روسيا لموقعها في ليبيا”، IAI Commentaries 19/40 (يونيو/حزيران 2019).

61المرجع نفسه.

62المرجع نفسه.

63“هل يمكن أن تكون ليبيا سوريا جديدة لروسيا؟” DW (10 أبريل/نيسان 2019). https://www.dw.com/en/could-libya-be-russias-new-syria/a-48277255 (تم الوصول إليه في 31 يناير/كانون الثاني 2020).

64ميخليدزي.

65*المرجع نفسه.

66“التخريب الروسي – العدو في الداخل”، إيكونومست (3 أغسطس/آب 2019) ص. 43. الاقتباسات اللاحقة مأخوذة من هذا المقال.

67حازم قنديل، الجنود والجواسيس ورجال الدولة: طريق مصر إلى الثورة. لندن: فيرسو، 2012، ص. 103-107.

68آنا بورشيفسكايا وحنين غدار، “كيفية قراءة قبول لبنان للمعونة العسكرية الروسية”، Policy Watch 3047، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (7 ديسمبر/كانون الأول 2018).

69محمد يجين، “تركيا بين الناتو وروسيا: التوازن الفاشل”، SWP Comment 30 (يونيو/حزيران 2019).

70إفغينيا سوكولوفسكايا، “خطة روسيا ثلاثية الخطوات لأي تدخل عسكري”، Lobelog (12 يونيو/حزيران 2019).

71نورفيل ب. ديتكيني، “فن التأثير الأجنبي: المستشار العسكري الروسي”، LimaCharlieWorld، https://limacharlienews.com/mena/the-russian-military-adviser/.

72المرجع نفسه.

المصدر
مركز كارينغي للشرق الأوسط
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق