قلم توك

العزة للنسر في السماء ولقصيدة النثر في الأدب

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

غريزة البقاء هي السبب في استمرارية حياة الكائنات الحية منذ القدم وحتى هذه اللحظة.. يندرج تحت هذه الغريزة غريزتي الحياة والموت ” الموجب والسالب “، وبسبب عمل هاتين الغريزتين تنتج طاقة الحياة بحسب النظرية التحليلية الفرويدية التي قد يختلف معها البعض من العاملين في المجال النفسي .

الجوع، العطش، الجنس، القتل، وغيرها من الغرائز يشترك فيها الإنسان مع كل الكائنات الحية.. فالإنسان يقوم بالقتل من أجل الملكية والسيادة والانتقام، وغيرها، ومن أجل الطعام أيضاً، ويحاول إيجاد مبررات لفعل القتل تكون أكثر إنسانية، وأقل حيوانية “غريزية “، فمرةً يقول دفاعاً عن النفس والعائلة، وأخرى لبناء الدولة والحفاظ على حياة البشر، وثالثةً أقتل لأنني سأموت من الجوع… وغير ذلك. بالطبع البعض من هذه المبررات قد يكون مُبرراً ، ولكنه يبقى ضمن دائرة غريزة القتل.

يعتبر علم النفس أن الطموح والرغبة في التملك والسيطرة والسعي للحرية والاستقلالية غرائز أيضاً، وبناءً على ذلك يمكن القول: إن كل الحروب والثورات التي قام بها البشر كان دافعها الخفي والعميق هو الغريزة !

يخبرنا محرك البحث غوغل الكثير عن أبناء الملوك وزعماء القبائل، الذين قاموا بقتل آباءهم بهدف السيطرة على المُلك، فقتل الأب موجود لدى الإنسان ولدى الآلهة أيضاً ! حيث نقرأ في أسطورة الخلق السومرية أن الآلهة ” نمو ” كانت تمثل قوى اللجة والعماء، وقد أنجبت ولدين ” آن ” إله السماء المذكر، و ” كي ” آلهة الأرض المؤنثة، وكانا ملتصقين ببعضهما وبأمهما ” نمو”، ومن ثم تزوج ” آن ” من ” كي ” وأنجبا ابنهما ” إنليل ” إله الهواء والذي كان يتمتع بالنشاط والحيوية. إنليل أزعجه أن يبقى محصوراً بين أمه وأبيه فقام بقوته برفع أبيه للأعلى فصار سماءً، وإبعاد أمه للأسفل فصارت أرضاً، وبقي هو بينهما ولكنه أقرب لأمه “عقدة أوديب “.

مع تطور البشرية تراجعت إلى حد كبير فكرة قتل الأب بالمعنى الحرفي للكلمة وأخذت بعداً رمزياً، ففي الفن على سبيل المثال قتل الأب هو تجاوز وتمرد على مؤسس مدرسة فنية ما، والقتل هنا ينتج عنه التطوير؛ فشعراء التفعيلة قتلوا شعراء العمودي، وشعراء قصيدة النثر قتلوا شعراء التفعيلة، ويمكن القول إنه في كثير من مجالات الحياة العلمية والفنية والاجتماعية لو لم يقتل الأبناء آباءهم -بهذا المعنى- لما حدث التطور .

في رائعة دوستويفسكي ” الأخوة كارامازوف” جاء على لسان الابن دمتري أثناء محاكمته بتهمة قتل والده ما معناه “أنا لم أقتل أبي ولكن من منا لا يرغب بقتل أباه”.

يسعى الذكر غريزياً لقتل الأب بهدف الحصول على الحرية والاستقلال والسيادة، فمعظم الذكور إن لم يكونوا جمعيهم شعروا بمرحلة عمرية ما برغبة قتل الأب، سواءً عن طريق العمل والاستقلال المالي أو بالخروج من البيت وإثبات الذات بعيداً عن وصايته وهنا يكون القتل ” رمزياً “.

كنت واحداً من أولئك الذكور، ففي سن المراهقة أعلنت الحرب على الأب الذي كان يعلن في كل لحظة محبته لي، ولعدة سنوات دارت الكثير من المعارك بيني وبينه على كافة الأصعدة، وكان متفوقاً اجتماعياً وعقلياً ومالياً وكل العائلة في صفه… لم أربح ولا جولة في حروبي كلها…

وفي كل هزيمة لي كان يمسك يدي بحب ويعيدني إلى الحياة. وحيداً ومهزوماً بلغت الثانية والعشرين من عمري بجسد يزن 58 كلغ وألم مبرح في الرقبة وتشنج في القولون والكثير من القلق والتوتر… بعدها بعام ونيف أوقفتُ الحرب وأصبحنا صديقين، وصار البيت أجمل وأكثر اتساعاً والأحاديث أكثر متعةً، وخلقت هذه الصداقة طقوساً محببة لم تكن موجودة إلا نادراً فيما مضى، ففي إحدى صباحات الحرب المشمسة كنت أتناول الإفطار معه ومع أمي، وإفطار القرية يعني الحليب الطازج والسمن والبيض البلدي والزعتر وما شابه، ولم تكن أمي ترى هذا الإفطار مُكلفاً مالياً لأنه من إنتاجنا، ولكنها كانت تدرك أن هناك غلاءً في الأسعار لأنها تشتري بعض مستلزمات البيت، وهذا ما جعلها تسألني من باب الاطمئنان على وضعي المالي: قديش عم يطلعلك مصاري هالدكان؟ وتقصد بالدكان المقهى الذي أملكه فضحكتُ وقلت: يا جمول ” جميلة ” هيدا مودكان ! هيدا مقهى واسمو قصيدة نثر.

أجابت : قصيدة النسر أو دكان كلو متل بعضو! سألتها: بتعرفي شو يعني قصيدة النسر؟ هزّت رأسها بالنفي وهي تمدّ يدها إلى صحن الزعتر… هنا ظهرت غريزة الصياد لدى أبي وأراد أن يصطاد أمي من خلال نيل إعجابها وظهرت أيضاً غريزة القتل التي استهدفني بها، أراد قتلي عن طريق تنحيتي وإخراجي من دائرة الحديث الذي تتبادله أمي معي، ولأنني تجاوزت المراهقة والخلاف معه وبنفس الوقت فُطمت عاطفياً عن أمي ولم أعد الطفل الذي يعتبرها ملكه ويحتاجها طوال الوقت تقبلت الأمر بفرح وقلت له: هات أخبرنا ما معنى قصيدة النسر؟ فقال: النسر أقوى من كل الطيور والسما كلها إلو وقصيدة النسر هي أقوى من كل الشعر.

ومن موقعي كصديق يريد أن يساعد صديقه في لفت انتباه الأنثى التي تقاسم معها تعب الحياة وفرحها قلت له: كلامك صحيح، أنت ذكي وسريع البديهة بتعرف إنو ما في شاعر بالعالم كلو ممكن يخطرلو هيك تعريف وشرح لقصيدة النسر. نظر إلى جمول وابتسم ابتسامة الفارس المنتصر والعارف بكل شيء.

أثناءها كانت أمي قد انتهت من مضغ لقمة الزعتر ومدت يدها إلى كأس الشاي. أبي الرائع أوجد تعريفاً جديداً لقصيدة النثر قبل أن تنهي أمي لقمة الزعتر .

منذ سنة كتبت على الفيسبوك :عشر فرسان نبلاء، وثلاث حقول من الحمضيات، وحقل شاسع من النعناع، أرض محروثة بعناية ومئات الينابيع العذبة تتدفق من سفوح جبل الأقرع، وفرة العيش الهنيء، وسنوات من الطمأنينة… هذه رائحة أبي الذي أصبح الآن في الخامسة والثمانين من عمره، وصار يتغنى بماضيه ويكرر أحاديث أحفظها غيباً، فأصغي إليه وكأنني أسمعها للمرة الأولى، وأحياناً أختار معه موضوعاً للنقاش ومتعمداً أطرح رأياً خاطئاً لأمنحه الفرصة كي يرشدني وأعلن إعجابي برأيه وحكمته وحاجتي لوجوده في حياتي، وحين يشتكي من وهنٍ جسدي أدعوه للمصارعة بالأيدي “المكاسرة ” وأتعمد الخسارة أمامه… فمنذ سنوات تبادلنا الأدوار؛ صرت أنا أحمله على ظهري وأركض، وهو يضحك ويطمئن.
أبي لم يضع لي (لايك) على ما كتبت… لكنه زرع في حديقة منزلنا دالية عنب وقال: هذه لك ولأولادك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق