قلم توك

“الكورونا” الذي كشف عن هشاشة القوة المفترضة عند الإنسان

قلم توك زاوية حرة تعبر عن وجهة نظر الكاتب

دائمًا في أزمنة الأزمات والحروب والأوبئة تنكشف مفارقة، الإنسان كنوع، يجمع في تكوينه الداخلي والخارجي، بين القوة الخارقة بكل مستوياتها وأنواعها، وبين الضعف والهشاشة والخوف لدرجة الهلع المجنون. تمامًا كما يجمع في الأحوال العادية بين الجمال والقبح حيث كثيرًا ما يكون  الجمال الخارجي وأناقة الشكل غطاء يموّه قباحة الروح والعكس صحيح.

وفي أيامنا هذه تكشف الأزمة الصحية العالمية عبر الانتشار الوبائي السريع لفيروس “كورونا” المستجد أو “كوفيد-19” على هذه المفارقة بوضوحٍ كبيرٍ كما أزعم في السطور التالية.

لمحة سريعة عن تاريخ الأوبئة في العالم:

نعلم جميعًا أن الأوبئة الصحية القاتلة والمميتة موجودة في التاريخ البشري قديمًا، ولاسيما في العصور الوسطى حيث مخلّفات الحروب الكثيرة وجثث القتلى والضحايا البشرية المتعفنة  التي تخلفها الحروب وراءها؛ لقد كانت مصدرًا كبيرًا وأساسيًا لظهور هذه الأوبئة كالطاعون والكوليرا والحمى الصفراء والانفلونزا ..إلخ.

كانت هذه الأوبئة تصيب مناطق جغرافية واسعة من العالم بيد أنها تبقى محدودة في الزمان والمكان على الرغم أنّ ضحاياها يكونون بالملايين بسبب عدم تقدم الطب والعلم والوعي الصحي عند البشر آنذاك بما يكفي لمواجهة هذه الأوبئة. ولعل استعراض هذه الأوبئة الفتّاكة عبر التاريخ يحتاج لمقال كبير، لكن ما يهمنا هنا هو الإشارة السريعة لبعض أهم هذه الأوبئة التي ظهرت منذ بداية القرن الحالي.

فأول هذه الأوبئة كما تشير أغلب المصادر والدراسات المتوفرة بكثرة على الانترنت اليوم هي:

فيروس “السارس”

الذي ظهر بداية كحالة تسمم رؤي معدي بين عامي 202 – 2003 في هونغ كونغ ثم انتشر بسرعة خلال بضعة أسابيع في 37 دولة.  تم احتوائه والتغلب عليه بسرعة كبيرة أيضا حيث لم يخلف أكثر من 922 ضحية بعد أن نشر الفوضى والرعب في آسيا خصوصا. “ويخشى خبراء الصحة من وجود الفيروس كمستودع طبيعي في بعض مجموعات الحيوانات وأن يتسبب في حدوث أمراض عند البشر في المستقبل”.

فيروس “أنفلونزا الخنازير”

ظهر أول مرة عام 2009م  “في المكسيك في أبريل/نيسان من ذلك العام، قبل أن ينتشر في العديد من دول العالم. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن إنفلونزا الخنازير من أكثر الفيروسات خطورة حيث يتمتع بقدرة تغير سريعة، هربا من تكوين مضادات له في الأجسام التي يستهدفها، وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في عام 2010 عن وفاة 18 ألف شخص جراء الوباء”.

فيروس “أيبولا”

كُشف عنه أول مرة في ديسمبر/كانون أول 2013، “في غينيا وانتشر إلى ليبيريا وسيراليون المجاورتين، ليعرف بعدها باسم “فيروس إيبولا في غرب أفريقيا”، الأمر الذي كاد يتسبب بانهيار اقتصادات البلدان الثلاثة، وخلال ذلك العام، توفي حوالي 6 آلاف شخص بسببه. وفي عام 2018، ضرب إيبولا مجددًا في جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث فقد أكثر من 2200 شخص حياتهم.”. 

فيروس “كورونا”

هذا الفيروس الذي يظهر اليوم كأحد السلالات الجديدة الخطيرة والقاتلة لهذه الفيروسات, الذي اتفق على تسميته “كورونا” المستجد أو “كوفيد-19” .

خلال شهرين منذ بداية ظهوره في مدينة “ووهان” الصينية انتشر بسرعة مذهلة في 150 دولة وإقليم في العالم حسب أخر إحصائية عند كتابة هذه السطور 16/3/2020. نتج عنه سبعة آلاف حالة وفاة، وأكثر من 175 ألف إصابة, والأرقام مرشحة للتزايد يوميا، الأمر الذي ينتج عنه ذعر هائل في مختلف أنحاء ودول العالم، خصوصا في الأقوى اقتصاديًا وعلميًا وفي كبرى مدنها الرئيسة. لذلك اعتبر هذا الوباء أسوأ أزمة صحية تواجهها البشرية حتى اليوم .

ومع ذلك لم يستطع العلم ومختبرات الطب الحديث، حتى الأن، من الوصول لاكتشاف الدواء المضاد والشافي منه. الأمر الذي يتيح لهذا الفيروس تطوير نفسه وتكييفها باستمرار مع الانتشار السريع والواسع له في مختلف بلدان العالم.

أسئلة واستنتاجات وهواجس:

ما أود الإشارة إليه من هذا العرض السريع لظهور هذه الفيروسات هو المفارقة النوعية سلبا, الكبيرة والقوية في شخص الكائن البشري, كما أسلفت في العنوان والتقديم.

على الرغم من التقدم الكبير والدائم في علوم الإنسان ومعارفه وكل ثوراته العلمية المذهلة في حال السلم وكل جبروت أسلحته الفتاكة القادرة على تدمير الأرض عدة مرات، والتي يستخدمها ضد الجنس البشري نفسه أوقات الحروب وما أكثرها حتى يومنا هذا.

محاولات الإنسان الدائمة لخرق مجال الجاذبية الأرضية وسبر واكتشاف مجاهل الفضاء الكوني المحيط للأرض، كل هذا ويهزمه اليوم فيروس صغير لا يرى بالعين المجردة ويجعله يغلق كل شيء؛ المعابد والنوادي الليلية وكل أماكن التجمع، والأسواق التجارية والدوائر الحكومية والمدارس والجامعات. مما يعني إفراغ الشوارع والساحات وإيقاف حركة الملاحة الجوية والبحرية مع إغلاق الدول لكافة حدودها البرية فيما بينها.

ويختبئ الناس في بيوتهم لأجل غير معروف .. لحين اكتشاف الدواء المضاد، لكن السؤال الأهم هنا هو لماذا يظهر وينتشر هذا الفيروس كوباء خطير لدرجة الاستيطان  في الدول والبيئات الصناعية أكثر من غيرها ؟!.

أليس لمخلفات نواتج مراكز الصناعات الكبرى ولاسيما الكيميائية والنووية منها  دورا كبيرا في مساعدة هذا الفيروس ذي المنشأ الحيواني كما تقول عنه الأبحاث على تطوير نفسه ليصيب الانسان؟!.

لعله كما أزعم وافترض هنا. جشع الإنسان الدائم بلا حدود عندما لا يبالي بالتقدم المعرفي الأخلاقي والفلسفي الحاصل في الجانب الأخر من الحياة.

القوة بلا حدود والضعف لدرجة الهشاشة في آن معا !!. مفارقة تكشف عن عبثية هذا الكائن التي تشكّله باستمرار من جديد بالرغم من النجاحات التي حققها الجانب العقلاني في شخصه عبر التاريخ.

مع أني لست مع نظرية المؤامرة التي يتم تداولها اليوم حول مصدر أو تصنيع هذا الفيروس وإطلاقه كوباء ينتشر بسرعة إلا أني أزعم أن هذا الوباء وكل الأوبئة التي سبقته في التاريخ القديم والحديث مضافا إليها كل الحروب والمجازر، وكل المجاعات وكل الكوارث البشرية أو الطبيعية التي حدثت وتحدث باستمرار؛ هي في النهاية نتاج فعل بشري يؤسس تدخّله الفاعل في الحياة وفي الطبيعة على قياس واحد لا غير هو إشباع غريزة التملك الجشع وما يرافق ذلك من عبودية الإنسان للإنسان من جهة، وإخضاع الطبيعة بحساب كمي استثماري بحت لا يقيم وزنًا للحساب البيئوي الصحيح أو الأخلاقي والإنساني السليم.

هذه الغريزة التي لا يمكن إشباعها أو وضع حدود لها بالتقدم العلمي وحده إن لم يرافقه تقدم موازي في بيئة عالمية واسعة للمعارف الأخلاقية والفلسفية الكبرى  وتنمية الذائقة الفنية الرهيفة في ظل مناخ ديمقراطي عالمي سليم وكبير.

ف”الكورونا” كما افترض هنا هو فيروس خطر ظهر ككائن فيروسي جديد  ضمن سلسلة فيروسات ضارة وخطيرة وجدت قبله وكلها ناتج خلل سلبي في علاقة الإنسان مع  الإنسان ومع الطبيعة.

لذلك ستبقى الفيروسات الخطرة تتناسل وهي تهدد حياة البشر على الأرض ولا أمل إلا بتغيير أسس هذه المعادلة جذريا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق