حصاد اليومقلم توك

الحياة السرية للأشجار.. وللفيروسات!

في كتاب فريد عنوانه “الحياة السرية للأشجار*” (1) يتحدث المؤلف الألماني “بيتر وولبين” بشغف عن الأشجار وحياتها التي تلامس حياة الإنسان والحيوان دون أن نوليها العناية اللازمة لفهمها.

ويعلّل الكاتب ذلك بأن دورة حياة الأشجار تختلف عن دورة حياة الإنسان، فالأشجار تعيش مئات السنين بينما يُقاس عمر الإنسان عشرات السنين، وعندما تبلغ السنديانة نصف قرن من العمر تكون لم تغادر طفولتها بعد، في حين يكون الإنسان في مرحلة النضوج وقد اقترب من الكهولة والشيخوخة.

لكن للأشجار حياتها ووسائل اتصالها وتكافلها وتضامنها وحروبها للحفاظ على وجودها. الأشجار العالية تظلل الأشجار الصغيرة لتنظم نموها، وتعرف الشجرة البالغة أن الشجرة الشابة لن تكون قوية بما يكفي إن استطالت بسرعة دون تقوية جذعها الذي سيحميها مستقبلاً من العواصف والرياح والجراثيم.

والأشجار وهي محكومةٌ بالثبات، تستنبط وسائلاً للاتصال وللتكاثر، فتستخدم الهواء لنقل بذورها وجذورها العميقة لنقل الغذاء إلى جاراتها حين الحاجة. وحين تفوح روائحها الزاكية، تتسابق لغواية النحل كي يقوم بعملية الإلقاح سامحاً للحياة بالاستمرار.

لدى دراسة نوع من السنديان لا يتجاوز طوله خمسة أمتار -بينما تصل السنديانة عادة إلى ثلاثين متراً- لاحظ العلماء أن السنديانة القصيرة كانت قد عرفت في حياتها فترات جفافٍ متتالية، ففرضت على نفسها نظاماً تقنينياً صارماً، وعوضاً عن صرف طاقتها للنمو، اكتفت بما يضمن لها البقاء على قيد الحياة. لكن الشجرة بقيت على نظام التقنين حتى بعد نهاية فصول الجفاف.

استنتج العلماء أن للشجرة قدرة على تخزين المعلومات واستخدامها، وبالتالي فهي تملك ذاكرة، وهنا تساءلوا:

لا إجابة حاسمة، لكن الافتراض الأكثر معقولية هو أن دماغ الشجرة قد يكون موجوداً في جذورها!

تابعت قراءة الكتاب بشغف، وكانت تعود إلي بشكل متوازٍ صور طفولتي في دمشق، تذكرت دهشتي، وأنا ابن المدينة، حين لاحظت أن الفلاحين يتعاملون مع الأشجار كما لو كانت من لحم ودم. كانت أم سليم، ابنة داريا، حين نزورها للسيران، تتحدث عن شجرات بساتينها كأبنائها: هاي زعلانة وتشير إلى شجرة أعجز اليوم عن تحديد نوعها، هاي ما عطت هالسنة، هاي مريضة! أما التينة فكانت حنونة على الدوام، وكنا نركض بحرية لا تتيحها المدينة ونتمتع بكرم آلِ أم سليم وضيافتها ونعود محملين بما يفوق حاجتنا من الفواكه والخضار.

تغير كل هذا، ولم تعد داريا داريا، وأتى زمن الدمار الذي لم يوفر البشر والشجر والحجر، ولم نلتفت بما فيه الكفاية كم احتكر الإنسان الأرض وجيّٓشهٓا وطيّٓفها وقسمها. ثم انتبهنا متأخرين، مع الحروب والاحتباس الحراري والتلوث وكل ما اقترفته يد البشر إلى الضرر الذي لحق بالأرض. ثم جاءنا اليوم الكورونا، لنكتشف معه كم هو هشٌ العالم، وكم نحن عاجزون عن الإمساك بأقدارنا. ماذا يعني أن يكون الحٓجِرْ في أماكننا دون حراك، هو كل ما نستطيع القيام به للحد من الوباء، بعد قرون من الحث على العمل والإنتاج؟

هل تتألم الأشجار؟ يتساءل مؤلف الكتاب الذي استقال بعد عشرين عاماً من عمله كمسؤول عن منطقة غابات في إحدى مقاطعات ألمانيا. يقول هل بإمكان أي كان الجزم أن الشجرة لا تتألم حين يطالها المنشار الكهربائي العملاق؟ والحقيقة أن السؤال أهم من الجواب، وهو يعني كم أن الإنسان يجهل ما يحيط به، فنحن نتعامل مع كل أنواع الحياة الأخرى بما يتوافق مع حاجاتنا لا أكثر. وقد يكون من المفيد أن نتغير قليلاً وأن نتواضع قليلاً وأن نتقاسم الأرض مع كل من فيها وما عليها.

واليوم يطرح علينا الوباء الجديد أسئلة ليس بمقدور أحد الإجابة عنها. لقد أُجبرنا على البقاء في بيوتنا، ودُفعنا إلى الشك بالهواء والماء كأعداءٍ محتمليين وغير مرئيين.

وها هو الكورونا هنا، لا تنفع معه إيديولوجيا، ولا توقفه ليبرالية سوق ولا أية دكتاتورية. هو اللامرئي الذي يحيلنا إلى مرآتنا التي كانت تؤكد لنا جمالنا وقوتنا. لقد أوقف لوحده حركة الطيران وأغلق الحدود وهدد الإقتصاد العالمي، وأحال إلى مرتبة متأخرة أهمية حروب الإنسان مع الإنسان.

في مقاله الأخير، يلاحظ “جاك أتالي**”(2) أن التغييرات الهامة في التاريخ كانت تأتي دائماً بعد الأوبئة التي كانت تحصد الملايين، فعندما فشلت الكنيسة مثلاً في القضاء على الطاعون تراجعت سلطة الدين وأسست لتغيير اجتماعي كبير. ويضيف أننا مررنا خلال عدة قرون من السلطة القائمة على الإيمان، الى السلطة القائمة على احترام القوة، ثم إلى نوع أكثر فاعلية وهي السلطة القائمة على احترام دولة القانون**. وقد نكون اليوم على عتبة تغيير جديد.

اليوم، وكل يوم حتى نهاية الأزمة، وبينما أقبع في داري انتظر كالآخرين ما سيجري، وفي الساعة الثامنة تماماً كما جرت العادة منذ عدة أيام في فرنسا، سأقف مع زوجتي وأبنائي لنصفق شكراً لكل العاملين في المجال الصحي من أطباء وممرضين بعد أن حلوا في المخيلة العامة مكان الشرطي والجندي في المقاومة ضد العدو الذي لا يفيد معه سلاح ولا قنبلة.

لا شك عندي أن الإنسان سيتمكن من الوباء في نهاية المطاف. والحقيقة أنه تصفيق من القلب لا تشوبه ذرة إيديولوجيا ولا ذرة تردد. أصفّق وأنا أنظر إلى الأشجار التي أراها من شرفتي، ألاحظ بسرور الأوراق الربيعية الجديدة، وأقول لنفسي لعلني أفهمها أكثر، فلا زال للشجر والحيوانات والصخور و… للفيروسات أيضاً، الكثير مما تقوله لبني البشر، عنها وعنهم، لا فرق.

La vie secrète des arbres- Peter Wohlleben/ Édition Les Arènes2017 pour la traduction française. *

** Jacques Attali: que naîtra-t-il/ site de l’auteur www.Attali.com

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق