سوريانا

عمريت السورية…المدينة الفينيقية التي لم تعلوها أي حضارة

الاتحاد برس ||

إلى جنوب مدينة طرطوس، تقبع المدينة الفينيقية المتكاملة الوحيدة في العالم، والتي كانت في غابر الأزمان واحدة من أهم مدن الشرق، عاشت ازدهارًا اقتصاديًا، وضربت النقود باسمها حيث عرفت باسم “ماراتوس”، والأهم أنها شهدت أقدم المنشآت الرياضية، حيث منها انتقلت عدة ألعاب رياضية إلى أثينا، إنها عمريت.

عمريت مدينة فينيقية كاملة لا مثيل لها في المنطقة كلها يعود تاريخها إلى العصر البرونزي الوسيط في الألف الثالث قبل الميلاد، وهي كنز أثري ضخم تقع على بعد 7 كم جنوب شرق مدينة طرطوس وتبعد عن البحر مسافة 700 متر.

تعتبر المدينة الفينيقية الوحيدة التي لم تبنى الحضارات اللاحقة على انقاضها، وإنما الى جوارها.

الموقع

تمتد مدينة عمريت على طول سبعة كيلومترات، وسط شاطئ شرق المتوسط، وتحديدًا جنوب الشاطئ السوري غير بعيد عن الحدود اللبنانية السورية،

يخترقها نهر صغير معروف باسم نهر عمريت أو نهر مارتياس، وتعتبر من أبرز مدن الساحل الكنعاني – الفينيقي، ويذكر أنها كانت المدينة الرئيسية في القسم القاري من مملكة أرواد، وذكرت النصوص القديمة أنَّ عمريت هي المدينة الرئيسية التابعة لمملكة أرواد الفينيقية، وتمتد البقايا الأثرية التابعة لمدينة عمريت على طول الساحل المتوسطي للمنطقة قبالة جزيرة أرواد.

الاكتشاف وبداية أعمال التنقيب

في عام 1697م وصل الرحالة البريطاني هـ .ماوندريل للموقع ووضع وصفًا أوليًا للمعبد الكبير والطبيعة الساحرة للموقع.

تلاه رحالة آخر في عام 1745م وهو ر. بوكوكي ، ووصف موقع المعبد وكيفية نحته في الصخر وجدرانه، وتحدث عن وجود مدخلين للمعبد، كما وصف النهر الذي يجاور الموقع من الجنوب.

أما أولى الأعمال الاستكشافية للموقع ومحيطه فكانت خلال عام 1860م، وهي التي قام بها المستشرق الفرنسي إ. رينان، وتمثلت بإجراء عدة أسبار أثرية في مناطق مختلفة من الموقع، وثَّق فيها للمعبد الرئيسي والمدافن وللعديد من المباني المهمة.

وإلى جانب رينان كان هناك ماكس برشام وإدمون فاتيو ، الذين تولوا أعمال التوثيق للموقع بالرسومات والصور وأخذ الملاحظات المعمارية.

ومع بداية عهد الانتداب الفرنسي على سوريا، تابع الأعمال في الموقع بدءًا من عام 1926م الآثاري موريس دونان وخصوصًا فيما يتعلق بالمعبد، إلى جانب البقايا الأثرية الأخرى للموقع ومنها هيكل بالقرب من المعبد يعرف باسم عين الحية (نافورة الثعابين)، وقد تم خلال هذه الأعمال الكشف عن مجموعة من التماثيل النذرية واللقى الأخرى.

‏توقفت أعمال التنقيب بعد ذلك، لتبدأ مرحلة جديدة بعد استقلال سوريا في عام 1954م وذلك من قبل المديرية العامة للآثار بالتعاون مع الجانب الفرنسي، واستمرت الأعمال ضمن منطقة المعبد، إلى جانب التل الرئيسي للموقع، والمدافن.

وفي عام 1978م تابعت دائرة آثار طرطوس أعمال التنقيبات الأثرية، ولا تزال هذه الأعمال مستمرة.

تاريخ عمريت

تأسست مدينة عمريت في العصر الأموري في الألف الثالث قبل الميلاد، إلا أن فترة ازدهارها كانت ما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر قبل الميلاد، وهو عصر ازدهار المدن الفينيقية.

وخلال عهد الإسكندر المقدوني عرفت المدينة ازدهارًا وغنى كبيرًا، إلى جانب جزيرة أرواد، ففي البداية كانت عمريت خاضعة لجزيرة أرواد التي تبلغ مساحتها ما يزيد عن 30 هكتارًا.

وهناك ذكر لعمريت أثناء حملات تحوتمس الثالث (1501- 1474ق.م)، حيث يرد اسم «قرت-أماروتا»، كذلك خلال فترة آشورناصربال الثاني (883-859 ق.م) الذي سيطر على الساحل الجنوبي حتى أرواد وأمورو، وأمورو هذه يقصد بها عمريت.

التسمية

ومعنى اسم عمريت أو أومريت هو الاسم الكنعاني القديم معناه العمارة والبناء، وأيضًا بمعنى أديرة ومساكن، وفي عهد الإسكندر المقدوني دعيت ماراتوس وكانت من أكبر مدن الشرق على البحر المتوسط.

معبد عمريت

قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام بني معبد عمريت فوق نبع للماء العذب، يتوضع المعبد في الجانب الغربي من التل الذي يبعد عن الشاطئ حوالي 2كم، ويحده من الشمال نهر عمريت، وإلى الشرق منه نبع ماء كان يصب ضمن البحرة المقدسة، ويأخذ المعبد شكلًا مستطيلًا منحوتًا ضمن الطبقة الصخرية المطلة على النهر، ويعود تاريخه إلى نهاية القرن الخامس قبل الميلاد وبداية القرن الرابع قبل الميلاد.

نُحت المعبد ضمن الطبقة الصخرية الطبيعية بمخطط على شكل مربع، وتم تفريغ الداخل لإنشاء بحرة يتوسطها هيكل مرتفع فوق مستوى الماء وهو يرتكز على صخرة تم الحفاظ عليها لهذه الغاية، ويتم الوصول إلى البحرة عبر مدخل كبير يحيط به من كل جانب مدخل على شكل برج مؤلف من طابقين، ومن ثم نجد درجًا هابطًا داخل البحرة.

مدرجات ملعب عمريت الأولومبي

أما المداخل الجانبية فتفضي إلى الأروقة المحمولة على أعمدة والتي تحيط بالبحرة المقدسة وتطل عليها، وكانت هذه الأروقة تستخدم للطواف حول الهيكل المركزي، كما تم افتراض وجود قوارب صغيرة كانت تستخدم لكبار رجال الدين لإتمام الطقوس الدينية والوصول إلى الهيكل المتوضع وسط البحر. 

يحكى أن المعبد كان مخصصًا للإله ملكارت، وهو الإله المحبوب في المدينة، والإله الشافي، ويمكن القول أنه كان يعتبر إله الطب، خصوصًا بعد أن تم دمجه مع هرقل، وعبادته كانت معروفة في عالم البحر المتوسط.

ملعب عمريت

ملعب عمريت الأولمبي، ينافس في القدم الملعب الأولمبي في أثينا وهو أقدم منه وكانت تقام علية الألعاب الرياضية وتقام به احتفالات ومسابقات رياضية، وتشير الدراسات أن الفينيقيين في الساحل السوري نقلوا معهم ألعابهم الرياضية من سوريا تحديدًا من مدينة عمريت إلى اليونان مما يدل على قدم المنشآت الرياضية في عمريت السورية.

ورغم أن بعض الدول تنسب إلى شعوبها وتاريخها بناء أقدم الملاعب الكروية وخاصة في بلاد الإغريق إلا أن عمريت أعلنت للعالم عن احتضانها لأقدم ملعب في التاريخ يفوق في قدمه الملعب اليوناني، وتشير الدراسات التاريخية، إلى أن سكان عمريت نقلوا حضارتهم وألعابهم الرياضية إلى اليونان مما يدل على قدم المنشآت الرياضية في مملكة عمريت .

والملعب الذي يقع في الجهة الشمالية الشرقية من المدينة تبلغ أبعاده 230م طولًا و30م عرضًا ويتألف من سبع درجات تم نحتها في الصخر بشكل مستو ومدرج ويتسع ل 1200متفرج.

وهو في شكله هذا يشبه استاد مدينة أليس في اليونان لكن الاختلاف بينهما في الأبعاد والقدم حيث يعتبر ملعب عمريت الأقدم، ويعد من أهم ملاعب الاولمبياد في العالم وكانت تجرى فيه احتفالات وألعاب رياضية متعددة منها ألعاب القوى .

لعمريت مزايا أخرى

عرفت عمريت الأقنية المائية، التي تتوزع في المدينة بين المنشآت السكنية، بعضها مخصص للمياه الحلوة والآخر للمياه المالحة.

وأيضًا مدافن عازار التي تقع في السهل الممتد بين طرطوس وعمريت على الجانب الغربي للطريق تحت الكثبان الرملية، وتعود إلى العهد الفنيقي واليوناني والروماني، بعض المدافن له شكل هرمي، كما عثر على مقابر فنيقية جماعية.

مدافن عازار

وتظهر مقابر عمريت أن الفينيقيين، وهم سكان الشاطئ اللبناني وأجزاء واسعة من الشاطئ السوري والجزء الشمالي من الشاطئ الفلسطيني، كانوا من الشعوب التي تولي الدفن اهمية خاصة، فقبور عمريت تحف فنية وهندسية مليئة برموز وفلسفة الخلود، ومن سوء حظ هذه الآثار أن تقاليد الفينيقيين كانت تقضي بدفن ممتلكات الميت بما فيها من حلي وذهب معه.

أما متحف عمريت، يضم أهم المكتشفات الأثرية للموقع في هذا المتحف وهو دليل مادي على عبقرية ونشاط وتقدم شعبنا في كافة المجالات والمؤسسات خاصة الرياضية التي تبني الإنسان عقليًا وجسديًا واجتماعيًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق