حصاد اليومقلم توك

الكورونا يغير موازين القوى السياسية

عند انتهاء الحرب الباردة، حُلَّ حلف وارسو بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي عام 1991، وتأسس الاتحاد الأوربي الذي نشأ بموجب معاهدة ماسترخت عام 1992.

واستنادًا لما امتلكه هذا الاتحاد من سمعة كثاني أقوى اقتصاد في العالم خاصةً وأنه قد تشكل من تكتل كان يطلق عليه اسم المجموعة الاقتصادية الأوربية فقد سارعت دول أوربا الشرقية (والتي كانت دولاً أعضاءً في حلف وارسو) للانضمام إليه رغبةً منهم بالنهوض بالمستوى الاقتصادي لبلدانهم وتحسين مستوى معيشتهم، فما كان من الاتحاد الأوربي والذي تشكل دول أوربا الغربية جزءًا أساسيًا فيه، إلا أن يرحب بانضمام دول أوربا الشرقية ولاسيما وأن جميع هذه الدول قد انضمت تدريحيًا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد حل حلف وارسو، وأن غالبية دول أوربا الغربية هم أعضاء في حلف الناتو.

كل هذا.. ويضاف إليه سيطرة الهيمنة الأميركية على الاتحاد الأوربي في ظل غياب السيادة الأوربية الحقيقية، حيث استثمرت الولايات المتحدة الأميركية هذا التكتل وقامت بالتسويق للانضمام لحلف الناتو ضد روسيا، وباتت تستخدم أسلوبها الذي بثته على شكل فلم رعب هوليدي بين صفوف الأوربيين من هول بطش الدب الروسي.

وكذلك فقد توسع حلف الناتو ليصل إلى الحدود الروسية إلى لاتفيا، ليتوانيا، استونيا (دول الاتحاد السوفياتي سابقاً) إلا أن روسيا ومن جميع المنابر كانت تؤكد على الدوام أن حلف الناتو موجه ضد روسيا مستنكرةً وجوده وتوسعه بعد انتهاء الحرب الباردة.

لقد ظهر غلاف بروشور المؤتمر بخارطة توضح توسع النفوذ الروسي في أوربا، وتضمن جدول أعمال البروشور كيفية الحد من توسع روسيا أوربيًا، ومما تجدر الإشارة إليه هو مظاهر الحفاوة والوئام الذي خيمت على القادة الأوربيين وأميركا عند لقائهم خلال هذا المؤتمر، حيث لقطت الصور والقنوات الابتسامات والقبلات وأظهرت مدى قوة العلاقة الودية بينهم.

وفي الوقت نفسه، كانت غيمة وباء الكورونا قد بدأت تنتشر نوائبها في السماء الأوربية بعد أن تفشت في إيطاليا ومن ثم اسبانيا لتكمل زحفها وتسيطر على كامل الأراضي الأوربية، فما كان من كل دولة من دول الاتحاد الأوربي إلا أن أعلنت نفيرها وأغلقت حدودها، وقُطِعَ جسر تواصلها بين بعضها لتعود دولاً تفصلها حدود كسابق عهدها، ولم يقف الأمر هنا بل تكالبت بعض الدول على بعضها ومارست بحق بعضها عهرًا سياسيًا واقتصاديًا وتمثل ذلك بعملية القرصنة التي حدثت بالطائرة المرسلة من الصين إلى إيطاليا، والمحملة بالمعدات والمستلزمات الطبية، والمواد المعقمة والقفازات وغيرها، لمواجهة فيروس كورونا المستجد، وبسبب عدم وجود طيران إلى إيطاليا نزلت الطائرة في براغ-التشيك (من دول أوربا الشرقية)، الذين قاموا بمصادرة الطائرة وما تحمله تحت عنوان قضية تهريب.

كما قامت بولندا (من دول أوربا الشرقية أيضاً) بمنع تصدير الأدوية لكل الدول الأوربية، وانحسار استعمالها في بولندا.


وعند تفشي الوباء في إيطاليا واسبانيا نادت كل من هاتين الدولتين بطلب المساعدة SOS(وهو الرمز العالمي لطلب الاستغاثة) أجابت روسيا النداء على الفور وقامت بإرسال مساعداتها من المواد والمعدات والمستلزمات الطبية لشعب (لمبارديا) شمال إيطاليا لمساعدتهم في محنتهم، حيث أرسلت المساعدات عن طريق الشرطة العسكرية الروسية لعدم وجود طيران إلى إيطاليا ولمنع قرصنتها في أوربا.

يمكن القول أن لفيروس الكورونا جانب إيجابي واحد، وهو أنه

ليظهر كل طرف منهم بوجهه الحقيقي بأنه لا يهتم لهويته الفوق قومية.بل أن كل دولة تهتم بالبحث عن مصالحها الفردية. في حين حاولت بعض الدول الظهور بمظهر المنقذ كما فعلت ألمانيا التي أعلنت عن طريق المستشارة أنجيلا ميركل بقبولها معالجة 8 حالات إصابة من فرنسا، وهو رقم لا يذكر في ظل تفشي الوباء بين الآلاف في فرنسا.

سنعود بالأحداث قليلاً إلى تاريخ سابق وتحديدًا إلى عام 2018 عندما وجه أحد الصحفيين سؤاله للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مستفسرًا عن مدى معرفة الرئيس بوتين بواقعية الأحداث منذ عام 2001، مشيرًا لخطابه الشهير الذي ألقاه الرئيس الروسي أمام البرلمان الألماني (البوندشتاغ) آنذاك باللغة الألمانية معلنًا نهاية الحرب الباردة، وأن روسيا تتنازل عن طموحات الاتحاد السوفياتي في أوربا، ودعا دول أوربا للاتحاد مع روسيا وتشكيل قوة اقتصادية مركزية.

فكان جواب الرئيس الروسي بأن روى للصحفي أحداث حصلت منذ عام 1993 في بون (العاصمة الألمانية آنذاك)، حيث كان المستشار الألماني (هلموت كول) قد أفرغ مكتبه من الزوار وطلب من محافظ بطرسبورغ وكان يسمى (أناتولي سابشاك) بالبقاء ليوصل إليه رسالة شفهية، واضطر لإبقاء بوتين(كان مساعد سابشاك آنذاك) لأنه يتقن الألمانية، وكان مفاد الرسالة: أن الولايات المتحدة الأميركية ستنشغل في المستقبل القريب بمشاكلها الاقتصادية وباقتصاد قارة أميركا بشكل عام، وسيتحول شغفها عن الاتحاد الأوربي ليتخبط بمشاكله وحده ، لذلك يجب علينا أن نتحد مع روسيا، وذلك لأن أرضها الشاسعة، وثرواتها الغنية وخاصة النفط والغاز، وثقافتها المشابهة لثقافة أوربا، إضافةً لامتلاكها منظومة عسكرية ودفاعية قوية، وأن اتحاد روسيا وأوربا سيشكل قوة عظمى خاصةً في الوقت الذي ظهرت فيه القوى الاقتصادية العظمى في آسيا مثل الصين والهند.

فكان جواب الرئيس بوتين على سؤال الصحفي بأنه استخدم كلام المستشار الألماني آنذاك في خطابه الشهير عام 2001 ، وقد أدلى الرئيس بوتين بخطابه هذا بحضور هلموت كول المستشار الألماني السابق، ولكن ألمانيا لم تستجب للدعوة الروسية رغم محاولة المستشار الألماني آنذاك وهو غيرهارد شرودر الذي رحب بالتقارب الروسي -الألماني وأصبح صديقاً للرئيس بوتين، وعمل على مشروع غاز السيل الشمالي، إلا أن العقوبات الأميركية فيما بعد والضغط الأميركي على ألمانية أجبر المستشارية الألمانية بعدم استمرار العلاقات مع روسيا.

وفي خطاب آخر للرئيس بوتين في مؤتمر الأمن والسلام في ميونيخ عام 2007، أكد الرئيس الروسي بخطاب شديد اللهجة على ضرورة إيقاف الهيمنة الأميركية عند حدها في أوربا، فقد باتت أميركا تتدخل بكل دول العالم، وكأنها الوصي الرباني على كامل الكرة الأرضية، وقد قامت بممارسات خاطئة في الشرق الأوسط مستغلةً وجودها كقطب واحد وقوة عظمى لا يمكن لأحد أن يقف أمامها ليظهر أخطاءها.

في عام 2011 بدأ ما يسمى الربيع العربي، وبدأت أذرع أميركا وأوربا الغربية تصل إلى ملفات دول الربيع العربي، وكانت النتيجة حدوث مأساة في كل منها، مثل ليبيا واليمن على غرار العراق، فليبيا واليمن الآن هما دولتان تنحصر تسميتهما بالحدود الجغرافية فقط لأنهما دولتان بدون سيادة ومن غير المتوقع أن تنتهي فيهما الحرب وتصلا لسيادة في المستقبل القريب، وهذا على خلاف التدخل الروسي الذي جاء ناجحًا ويحقق صالح الجانب السوري، فقد ساهم الدعم الروسي باستمرار وجود سورية كدولة قائمة ولها سيادة، وقطع الطريق أمام مصير سورية أن يكون مشابهًا لمصير ليبيا واليمن.

ومن الجدير ذكره أن التدخل الروسي في سورية جاء بعد خطاب الرئيس الروسي في نيويورك في أيلول عام 2015 موجهًا رسالته للأميركيين والأوربيين بأنه الوقت قد حان لوضع حد لهذا التخبط الذي تقوم به كل من دول أميركا وأوربا، وهو أمر يعترف به زوار روسيا من القادة الأوربيين في الوقت الحالي، حيث يذكرون بأنهم كانوا مخطئين بسياستهم بشكل عام.

أميركا بدأت فعلاً بسحب قواعدها وقواتها وبدأت الانشغال بمشاكلها الاقتصادية وصعوبات القارة الأميركية، وباعتبار أن فيروس الكورونا ساهم بإظهار روابط الاتحاد الأوربي الهشة

الوقت متاح أمام دول أوربا لإعادة خلط أوراقها من جديد وتغيير المعادلة وإعادة ترتيب مصالحهم، والتخلي عن فوبيا روسيا التي زرعتها أميركا في نفوسهم، والعودة للصواب وإنشاء قوة اقتصادية كما ذكر الرئيس الروسي في خطابه عام 2001.

محمود الأفندي


الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق