السلايد الرئيسيحصاد اليومقراءات نقدية

المعتدي و المعتدى عليه في الفيلم الإسرائيلي Waltz with Bashir

الاتحاد برس

نزار ابراهيم

توطئة

لا يمكن لأيّ ناقد أو باحث عربي أن يدّعي الحياد فيما لو تعلّق المنتج الفنّي الذي يعالجه بقضية فلسطين، والتي تعتبر إلى اليوم قضية العرب الأولى. وأنا هنا أحاول جاهداً أن أقفز فوق هذه الحساسية في محاولة منّي لأعمل بشفافية وموضوعية على هذا المنتج الذي بين يدي.

” أنا لا أؤمن بالموضوعية. لا توجد موضوعية في صناعة الأفلام. منطقياً، لا يمكن أن توجد الموضوعية”.

هذا ما عبّر عنه (آري فولمان Ari Folman) كاتب ومخرج فيلم رقصة الفالز مع البشير في إحدى لقاءاته الصحفية.

في هذا الفيلم يحاول المخرج والمجند السابق في الجيش الإسرائيلي، آري فولمان، استعادة صور من اجتياح لبنان 1982 ومجزرة صبرا وشاتيلا.

لقد فقد آري فولمان ذاكرته، لكنّ صورة لسماء بيروت المشتعلة بقيت عالقة في ذهنه تلاحقه من ليلة إلى ليلة في كوابيسه لمدّة 25 عاماً.

رقصة الفالز مع البشير ليس مجرّد فيلم وثائقي; لأنّه أيضاً أفضل وسيلة لتدفق ذاكرة ستة جنود إسرائيليين شاركوا في حصار مخيمي صبرا وشاتيلا اللذين قضى فيهما نحو 3 آلاف نازح فلسطيني على أيدي زمرة من الجنود الكتائبيين في ليلة أقلّ ما يقال عنها مروّعة!.

رفاق السلاح أخبروه كلّ شيء عن تلك الحرب، أمّا هو فعالج نفسه من خلال حياكة هذه الأصوات في نسيج فيلمي ليكون شاهدًا على مجزرة اعتبر فولمان أنّ كلّ الأطراف التي شاركت فيها كانت ضحية حرب.

ولأنّه لا يؤمن بالموضوعية في صناعة الأفلام، أقحم فولمان ذاتيته عبر سجل مأخوذ عن حياته وهواجسه وكوابيسه وأسفاره العديدة ولقاءاته جمعاء مع رفاق السلاح بهدف معرفة دوره في تلك المجزرة، وأيضاً علاج نفسه من القلق الوجودي الذي يعانيه، ليخرج لنا فيلمًا هو وثيقة إسرائيلية قيّمة ومنتج فنّي غني بالعلامات التي لا بدّ من قراءتها من وجهة النظر العربية.

فهل يمكن مقارنة الضحية بالمعتدي؟ وهل يمكن لصدمة ما بعد الحرب والكوابيس التي راودت المخرج أن يكونا عقابًا كافيًا ومعادلًا لعذابات الضحايا الحقيقين؟

كلاب تطاردك إلى الأبد

ستة وعشرون كلبًا يطاردون “بوعز“، المجنّد الإسرائيلي المشارك في اجتياح بيروت 1982. لم يكن بوعز من أشدّاء القلوب ليرمي بناره على البشر; لذلك كان عليه قتل الكلاب التي يمكن لعوائها أن يفسد اختراق الجيش الإسرائيلي لإحدى القرى المتاخمة للحدود اللبنانية الإسرائيلية. فهذا ما قام به بوعز، فقتل 26 كلباً ببندقية مكتومة الصوت. دخل الجيش الإسرائيلي القرية، وانتهت المهمّة; لكنّ الكلاب السوداء الشرسة، بعوائها المتوعّد، ظلّت تطارد بوعز ككابوس في معظم لياليه التي تلت الحرب.

هذا ما نَخبره من المشهد الأوّل من فيلم رقصة الفالز مع البشير. إن بوعز ضحية كمثل المخرج (الشخصية الرئيسية في الفيلم) الذي يجلس أمامه على الطاولة مستجدياً أيّة ذكرى، ولو هاربة، عن تلك المجزرة التي تراوده بكوابيس لا تختلف كثيراً عن كوابيس بوعز. فبالرغم من انقضاء 25 عامًا إلا أنّ الصور والذكريات الشنيعة ما تزال حاضرةً في حيوات هؤلاء الجنود الذين يجهد الفيلم ليحمّلهم ملامح الضحايا. أو أنّ هذه هي الحقيقة فعلاً؟

يكتب المفكّر السوري ممدوح عدوان في كتابه الشهير (حيونة الإنسان)، في محاولة منه لفهم الأسباب التي تدفع بالبشر لارتكاب المجازر بإخوتهم البشر، التالي:

” يرى الجلاد في (الضحية – الخصم) أذى للبشر لأنّه عدو للبشر أو أنّه من غير البشر. ولم تكن النظرة العرقية، في البدء، تجعل الجلادين يحسّون بأنّهم يؤذون بشرًا، بل هم يخلّصون البشرية من أنصاف البشر الضارين (فالنصف الآخر في كلّ منهم شرير وحقير وغير إنساني ومؤذ للإنسانية) أو هم يروضون أنصاف البشر، هؤلاء، كما يروضون الجياد والبغال والحمير، لكي يصبحوا صالحين لخدمة البشر الأسوياء.


وتزداد هذه النظرة إلى الخصم عمقاً واتساعاً، فلا يكتفي الجلاد، والجلاد هنا ليس فقط ذلك الذي يمارس التعذيب؛ بل هو الذي يقوده ويوجّهه، بأن يرى الخصم حيواناً؛ بل يرى الطرف الآخر كلّه (القبيلة الأخرى كلّها، الحزب الآخر، الشعب الآخر، القومية الأخرى) حيوانات. ومن هذه النظرة الفوقية الاحتقارية للآخرين تتولّد نظرية الامتياز العرقي (الامتياز القومي، وشعب الله المختار).”(1)

وبحسب هذه الرؤية، والتي تفيد في فهم عقليّة (الجزّار) إذ صحّ التعبير، يمكن لنا أن نميّز بين عنف اختياري وآخر اضطراري. وبالرغم من أنّ عدوان لم يكن ينوي تَحِيّد الجلاد\الجزّار من خلال قوله الذي أوردنا، إلّا أنّ للمتأمّل بقوله فرصة في استنتاج ما يدلّ على تورّط الجزار في مجزرتهِ وإلغاء نفسه ضحية لهذا الفعل. فلا نكتفي بالقول بأنّ الإسرائيليين أقدموا على فعلتهم. ولكن هل أقدموا على ذلك راضيين؟ مسيّرين؟ ربّما أُمروا بذلك فحسب؟ أو هم ضحايا لسرديات سياسية وأضحوكات دينية و..إلخ؟.

إنّ الفيلم، من خلال الوثائق المسجّلة والمحوّلة فيما بعد إلى فيلم، يسعفنا هنا في تعرية شتى جوانب العملية. لقد كان شارون، نعلم ذلك من مشهد سنأتي عليه لاحقاً، كان يعلم أنّ ما سيقوم به الجيش الإسرائيلي إنما هو مشاركة بشكل أو بآخر في مجزرة صبرا وشاتيلا، أمّا الجنود المشاركين، وآري فولمان واحد منهم، لا يعلمون ذلك، ووجدوا أنفسهم بعد 25 عامًا على تلك المجزرة حبيسين لذاكرتهم المعذّبة والمشتتة للأفكار والباعثة على القلق الوجودي الذي لم يزل فلومان يصوّره من خلال ما توفّر له التقاني الفيلمية: الإضاءة، طبيعة التحريك، حوار الشخصيات، الوثائق الواقعية المعروضة، الموسيقى. فكلّ عناصر الفيلم هي عبارة عن عناصر وعلامات يمكن قراءتها على مستوى القلق الوجودي أو المصير العبثي في الحياة.

وما هي (رقصة الفالز) التي قام بها أحد جنود السرّية العسكرية إلا شكل من أشكال العبث: فكيف يمكن لرجل عاقل أن يخرج وسط آلاف من الرصاصات المتطايرة ويرقص في مدينة غريبة عنه وهو يطلق النار عشوائياً؟ أليست هذه قمّة العبثية واللاجدوى؟ وألم يكن هذا المشهد عنواناً للفيلم انطلاقاً من مضمونهِ العبثي؟.

كما دأب فولمان لتبدو صورة ” بشير جميّل”، بضخامة لا مثيل لها، مؤطّرةً لمشهد رقصة الفالز التي قام بها فرانكلين (شخصية جندي إسرائيلي في الفيلم). وذلك رغبةً منه للإشارة إلى ما مدى غرابة هذه الحرب عن هؤلاء الجنود الإسرائيليين وكثافة النواقص المؤدية بهم لافتعالها. فما هي العلاقة المباشرة للإسرائيليين بالقائد المسيحي المغتال بشير جميل؟ ولماذا حاربوا في لبنان؟ هل كانت هذه الحرب ضرورية؟ ما الذي جناه شباب إسرائيل من هذه الحرب؟. كلّها أسئلة تصدّى لها هذا الفيلم.

إذاً يكفي أن نشاهد التداعي الحرّ للرجال الإسرائيليين الذين كانوا متورّطين في هذه المجزرة لنستطلع كمّاً لا بأس به من القلق والتشوّه النفسي واللاجدوى وقد حوّط حيواتهم حتى بعد مرور 25 عاماً.

ويوضّح الفيلم أنّ هذه الحرب بالنسبة للجنود الإسرائليين لم تكن حربًا اختيارية بدافع التصفية العرقية للشعب الأكثر تهديدًا لوجودهم; ولكن حربًا قسرية أُمروا بتنفيذ خطّتها التي لم تلتزم القيادة الإسرائيلية بها أساسًا. فكان على الجيش بحسب الاتفاق، والذي سنورد بنوده لاحقاً، أن يحمي الجيش الإسرائيلي العُزل الفلسطينيين من الانتقام الطائفي الذي جهّز الكتائبيون أنفسهم لشنّه، وخلص الإسرائيليون، بأمر عن بُعد من قادتهم، لأن ينيروا بأضواء قنابلهم طريق المجزرة للكتائبيين.

آري فولمان

ولكن هل اعتقد آري فولمان أنّ ما تعرّض له ورفاقه من الجنود الإسرائيليين معادلاً لما حدث مع الـ3000 آلاف ضحية فلسطينية؟

في لقاء صحفي له يقول فولمان:
“عندما تشاهد هذا الفيلم، لن يراودك أيّ شك حول من هم الضحايا، فمن المستحيل التعاطف مع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي عندما ترى تأثير غزوهم – وهذا الفيلم يظهر بالتأكيد هذا التأثير: من الدمار غير الرسمي لشوارع بيروت وإلى المذبحة النهائية لمخيمات اللاجئين”. (2)

كما عكس الفيلم هذا الاعتقاد عندما منح للمعاناة الفلسطينية وحدها الحقّ في أن تظهر جليّة بصورتها الحقيقية (تميزًا لها عن الصور المتحرّكة) في نهاية الفيلم; كما لو كانت إشارة لأنّ نهاية هذا التسجيل الوثائقي لا بدّ أن يكون عرضًا لحقيقة ما فعلته الفصائل الكتائبية والجيش الإسرائيلي من انتهاكات بحقّ الشعب الفلسطيني.

طبيعة الذاكرة لدى المعتدي والمعتدى عليه

ليس غريباً أن يكون مشهد الجنود الإسرائيليين، السابحين في مياه بيروت والناظرين إلى سماء صفراء بفعل القنابل الحرارية المضيئة، مشهداً تكرارياً يعمل كإيقاع للعرض يضبط تدفقه على امتداد الفيلم; فهذه القنابل المضيئة كانت المهمّة الرئيسية للجيش الإسرائيلي; بحيث تُعبّد أضواؤها الطريق المعتمة المؤدّية لمسارب المخيم الذي ستقع فيه أحد أشنع مجازر العصر الحديث.(3)

الجنود يطوفون على سطح ماءٍ يعكس صفراءً متوهّجة من قنابل تدكّ سماء بيروت. إنّ هذا المشهد، والذي يمثّل الدور الإسرائيلي في المجزرة، هو كلّ ما يتذكّره الجندي\الشخصية الرئيسية\المخرج من هذه الرحلة الدمويّة التي خاضها في لبنان. لكنّ أقرانه من الجنود، الذين قصدهم في محاولة منه للبحث عن الذكريات المفقودة وإجلاء الاضطراب الناجم عن هذا الكابوس المتردّد في أحلام يقظته، أكّدوا له حضوره معهم، وروا تفاصيلاً فاجعيّة شهدوا على تناسلها في المخيم.

سيّر أحد الكتائبيين ستة أشخاص أغلبهم من النساء والأطفال. وجّههم بسلاحه إلى حائط إحدى الخيم. أمرهم بالاصطفاف رافعي الأيدي. نفّذ العُزَلُ أمره مرغمين. عالج سلاحهُ بسرعة، ثم صلاهم برصاص أمطر أجسادهم بأقلّ من عشر ثواني.

هذا ما رواه أحد رفاق المخرج\الشخصية الرئيسية في السلاح، وهذا ما تكفّل بتصويره لنا آري فولمان بطريقة بدى الجيش الإسرائيلي من خلالها متواطئاً مع الكتائب في هذه العملية عبر تكتّمه وتجاهله لما شهد عليه من انتهاكات وإجرام بحقّ اللاجئين.

يوثّق الفيلم مكالمة بين أحد الإعلاميين الإسرائيليين الذين كانوا يغطون المعركة ووزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك (شارون); يتصل الإعلامي بشارون بعد منتصف الليل ويخبره أنّ الكتائبيون ينفّذون مجزرة بحقّ الفلسطينيين، إلا أنّ شارون يكتفي بردّ السؤال بسؤال غير ذي بال ومن ثمّ يحيّ الإعلامي على إخباره ويشكره ويعود إلى النوم.

لم يحمِ الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين كما كان الاتفاق الدولي; ولكنّه ورّط الجميع في مجزرة أضاء سرادقها بقنابل أمطرت بيروت.

إنّ جميع أصدقاء المخرج الذين صوّر لنا لقاءاتهم في الفيلم كانوا يعانون من ذكرياتهم حول هذه المجزرة، حتى أنّ فلومان قالها في مقابلة له : “ليس الأمر أنني تعرّضت لفقدان الذاكرة بشكل كامل ، لكنّني عملت بجدّ كبير لقمع تلك الذكريات. كان لدي القصة الأساسية، ولكن كانت هناك ثقوب كبيرة.”(4)

وحتى الأتراك يرفضون إلى اليوم الاعتراف بمجزرة الأرمن، والألمان يعتبرون الهولوكوست من أفظع ما فعلته النازية التي لم يعد لها أثر ولا ارتباط بهم. فكثيرًا ما ينحو المعتدي ليضمر ذاكرتهُ حول حادثة الأعتداء، بينما المعتدى عليه يبقى متذكّرًا كما لو كانت الحادثة البارحة حتى بعد مرور 37 عامًا.

يحكي “فؤاد عابد” (48 عاماً)، وهو من سكان مخيم صبرا وشاتيلا إلى هذه اللحظة، في مقابلة له مع الجزيرة: “إسرائيل ساعدت من قام بتلك المجزرة من المليشيات اللبنانية، وهذه المجزرة من ضمن مخطّط لتهجير الفلسطينيين إلى الخارج حتى ينسوا أرضهم وحقّ العودة”.
ويضيف: ” إنّ كلّ ذلك لن ينسينا قضيتنا وأرضنا، ولن يثنينا عن الدفاع عنها، لأنّ الشعب الفلسطيني ما زال متمسكًا بأرضه وبحقّ عودته إليها.”. (5)

فهذا ما صرّح به فؤاد عابد حتى بعد انقضاء 37 عامًا على المجزرة. وفؤاد عابد واحد من ملايين الفلسطينيين الذين يتمسّكون بهذا الرأي حيال المجزرة والاحتلال معًا.

ما وراء اجتياح الـ82 والمجزرة

لبنان صباح الخير
ألمك سينتهي
لبنان صباح الخير
أحلامك ستتحقق
كوابيسك ستزول
حسناتك مصونة
لبنان صباح الخير
تتحولين الى اشلاء
بين ذراعي تنزفين
حب حياتي انت
حياتي القصيرة
حوليني الى اشلاء
أنزف بين ذراعيك
حب حياتي
لبنان صباح الخير

هذه هي الأغنية التي غنّاها الجيش الاسرائيلي وهو في طريقه إلى بيروت على متن دبابات تقضم أسفلت الشوارع وتدهس السيارات المصفوفة هنا وهناك. إن أهمّ ما يمكن تسجيله حول هذا المشهد، إنما هو شعور هؤلاء الجنود بنستولوجيا\حنين معيّن لأرض لبنان التي لم يدبّون عليها قط في حياتهم. فمن أين أتى هذا الشعور؟

إن الجيش الإسرائيلي هو جيش عقائدي; أي ينشط ويحرّك جحافله بدافع إيديولوجي مكوّن من إرث دينيّ سحيق في السلف، وسرديات سياسية تتحكّم في جهاز الدولة وهيئتها الوجودية على أرض فلسطين. وهذا يجعل منه، بطريقة أو بأخرى، جيش له قضية يسعى إلى تحقيق مقتضياتها. وكذلك الأمر مع حزب الكتائب المسيحي المتطرّف الذي توجّه إلى المخيّمات لينتقم لزعيمه (بشير جميّل) القائد الكتائبي الذي اغتيل قبيل الاجتياح بأيام.

ونعود هنا إلى عدوان، الذي أورد في حيونة الإنسان : ” إنّ منفّذ التعذيب، بعد شحنه بفكر معيّن وعواطف وأحقاد خاصة، يشعر بأنّه يؤدي خدمة خاصة للسلطة التي يحترمها أو يخافها أو يهابها أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها. وهذه السلطة، هنا، هي الحكومة أو (الشعب أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة الإثنية). الخصم “الحرّ” يجب أن يصنّف على أنّه “لا إنساني”، كما يقول دافيد كوبر في «ديالكتيك التحرّر»، «وغير الإنساني يصبح غير إنسان… وبهذا يمكن تدميره تدميراً تاماً من دون أي احتمال لشعور بالذنب».” (6)

إنّ من ينفّذ هذه العمليات إذاً شخصية مشحونة وهذا الشحن ذاته قد يجعل منها ضحية محتملة لما يمكن أن تقوم به.

يقول آري فولمان في حواره:

“لا أستطيع الذهاب إلى الأحداث العامة بعد الآن لأنني في النهاية أجد نفسي في الزاوية، كئيباً جداً، وشخص لم أره من قبل يجلس بجواري ويخبرني بكل قصص الحرب المروّعة”

ونهايةً أود أن أؤكّد على أنّ مهمّة الجيش الإسرائيلي كانت:
” الدخول إلى بيروت الغربية لمنع الكتائب من القيام بعمليات انتقامية كما أعلن المسؤولون الإسرائيليون. وكان هذا يعني حرفيًا حماية المدنيين الفلسطينيين والمسلمين العُزل في بيروت الغربية من انتقام الكتائب.”(7)

المخرج وبوعز

ولكن في نهاية المطاف ساهم الجيش الإسرائيلي بحسب طبيبة نفس فرنسية بالتالي: ” كانوا يدفنونهم أحياء، كانوا يربطون الفتی بسيارتين تسيران في اتجاهين مختلفين، كانوا يقتطعون من اللحم البشري بالسكين، ويضعون اللحم المدمّى في فمّ صاحبه، اغتصبوا وهتكوا، قطعوا الأيدي، خنقوا وشنقوا، أحرقوا بشرًا أحياء، تراهنوا على من يقتل أكثر في دقائق محدّدة، والخاسر كان يجرّب حظّه في مباريات جديدة.”(8)

ولا يبقى لنا سوى التذكير بأنّ كلّ الأطراف المشاركة في حرب من الحروب ستخرج منها خاسرة، لكنّ الخسارة تختلف، في حين خسر الفلسطينيون أرواحهم ومستقبل أبناءهم وأرضهم، خسر الإسرائيليون (العامّة منهم) أمنهم وأمانهم وشعورهم بالسجية الطيّبة للإنسان وتاريخًا كان يمكن أن يكون مشرقًا في ظروف غير هذه.

كما لا يمكن المقارنة بين الخسائر ولست في هذا الوارد أساسًا، ولا مراء من أنّ الكيان الصهيوني غاشم وظالم وغير شرعي إلى الأبد، إلا أنّه يجب النظر إلى الخسائر التي يكبدونها مواطني هذا الكيان لأنّها ستكون مفتاح من مفاتيح الحلّ الشرق الأوسطي.

المصادر
(1): حيونة الإنسان، ممدوح عدوان، دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع (الطبعة السادسة) صـ 31

(2): The Guardian\ Waltz with Bashir 21\Nov\2008\ Peter Bradshaw
(3): وكالة معاً الإخبارية، صبرا وشاتيلا.. بشاعة الموت يرويها جندي إسرائيلي شاهد على المذبحة بتاريخ 15 يناير 2014.

(4): https://screenanarchy.com/2009/01/waltz-with-bashirinterview-with-ari-folmon.html.
(5): 37 عاماً على مجزرة صبرا وشاتيلا: جراح لم تندمل https://www.aljazeera.net/news/arabic/2018/9/16
(6): حيونة الإنسان، ممدوح عدوان، دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع (الطبعة السادسة) صـ 30
(7): Ibid 22
(8): Ibid 23

المواد المنشورة في قراءات نقدية لا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق