أكاديميا

إشكالية حقوق الإنسان وضمانة الأمن الإنساني في ظل الفقر

د. فارس محمد العمارات

تُعتبر مُعضلة الفقر، انتهاكاً صارخا لحقوق الإنسان، وتهديداً للأمن الإنساني، وهي ظاهرة مُزمنة وقديمة تحول دون إمكانية تحقيق معايير جودة الحق في الحياة، وهي نوعاً من الحد من حرية وقدرات أصحاب الحقوق، وانتهاكاً لبُعد الكرامة الإنسانية بصفة مُستدامة للأفراد والجماعات أينما كانوا، وهذا ما يجعل الترابط بين كل من حقوق الانسان والأمن الإنساني يظهر في مُعضلة الفقر.

وتوصلت الدراسة إلى نتائج عدة منها: أن الفقر كمفهوم مُتعدد الأبعاد يظهر في أكثر من أنه مُجرد انخفاض في مستوى الدخل، بل يُعد مفهوما أكثر شمولية لمُختلف الأبعاد، وأشكال الحرمان المُختلفة، و لا يزال هناك تجاهل وعدم اعتراف بمركز قانوني للفقراء.

وأوصت الدراسة بتوصيات منها: وقف كافة أشكال الحرمان المُختلفة من القدرات التي ترتبط بالصحة أو التعليم، والمُشاركة في التنمية، والتركيز على الأمن الإنساني للأفراد والجماعات، من أجل رفع   وزيادة مُستوى الأمن الوطني والسلم الأهلي والدولي.

المُقدمة

تعد ظاهرة الفقر من أقدم المُعضلات التي عرفتها كافة المُجتمعات على مر العصور، حيث استقطب موضوع الفقر اهتماماً كبيراً، من مُختلف الأدبيات والاختصاصات، وقد حظيت هذه الظاهرة باهتمام بالغ وعلى مستويات عدة سعيا من أجل التخفيف من حدتها.

وبعد الحرب الباردة والتحول في مُستوى المفاهيم الأنية والإنسانية والتي كانت نتاج لإفرازات العولمة، خاصة بعد التهديدات المُرتبطة بصورة منهجية في إطار حلقة مفرغة من الأسباب والأثار المُتبادلة في سياق دوامة الضعف المُتبادل والتي حولت العالم الى مُجتمع للمخاطر، باعتبارها تهديدات من شأنها لا التهديد والإضعاف بالأمن الإنساني للأفراد والجماعات، والتغييب بجودة الحق في الحياة لهؤلاء، بل حتى المساس والهدر بالأمن على مُستوى أكثر شمولاً.

ومن هنا فإن مفهوم الأمن الإنساني يرتكز على ضمان حماية أمن وسلامة أفراد المُجتمع حيث إن هذا المفهوم يتعدى التهديدات العسكرية، والذي يشمل البيئة والأوبئة، وغيرها من الأمور الماسة بحياة الإنسان ،وهو يشمل المبادئ العامة التي ترتبط بحياة الإنسان، وما يتعلق بحرياته، وكقيمة جوهرية يسعى الأمن الإنساني إلى توفير الطمأنينة، والشعور بالأمن للجميع بدون أي تحيز لإنسان عن آخر، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين، وهذا حق له  لا يمكن أن ينتقص أو يتنازل عنه مهما كان ،الأمر الذي  يجعل الامن الإنساني يسعى لضمان الكرامة الإنسانية، والرفاه الإنساني، كونه يعتمد منطقاً أساسياً للوقاية الاستباقية  كأداة من أدوات الاستجابة لمُختلف الظواهر التي قد تنال منه، أو قد تمس بمعاير جودة الحياة . (ALKIRE,2002)

وهناك علاقة ترابطية بين حقوق الإنسان والأمن الإنساني تتمثل في  أن حقوق الإنسان الأساسية يعتمد كأساس على فعالية منظومة حقوق الإنسان الأساسية الغير قابلة للتجزئة  وأن انتهاكات حقوق الإنسان غالباً تُعد بمثابة  السبب الجذري لهشاشة وضعف مُستوى مُعين من مُستويات الأمن الإنساني، كالعنف أو الصراع، وأن توفير وضمان الأمن يؤدي إلى تحقيق أمن الإنسان  عبر مُختلف القطاعات، بل إنها توفير وضمان عبر مُختلف تحليل البناء الأمني المُتكامل  بالإضافة إلى أن مُتطلبات الكرامة الإنسانية ومعايير القيم والأخلاق وتوفير كافة مُتطلبات الإنسان والحاجات الأساسية له  تُعد بمثابة ركائز هامة وجوهرية لضمان فعالية حقوق الإنسان، وهي الجوهر الحيوي للأمن الإنساني .

مُشكلة الدراسة:      

تٌعد ظاهرة الفقر من إحدى أهم المُعضلات التي واجهها الإنسان، وعرفتها مُختلف المُجتمعات البشرية، وقد استقطب مُصطلح الفقر أهمية بالغة من قبل مُختلف الدراسات وأكد على أهميتها المُختصين، وقد حظيت هذه المُعضلة باهتمام بالغ على جميع الأصعدة سعيا بذلك للتخفيف من حدتها، فبعد أن كان الفقر يعرف كمرادف للنقص في مُستوى الدخل، إلا إنه تحول في مُستوى المفهوم كنتاج لإفرازات العولمة حيث حولت العالم إلى مُجتمع مليء بالمخاطر كونها تُهديد وإضعاف للأمن الإنساني فحسب، بل هي مساس بالأمن على مُستوى العالم.

ومن هنا فإن السؤال الذي سيتم طرحه: ما هو شكل حقوق الإنسان وضمانة الأمن الإنساني في ظل الفقر.؟

أهمية الدراسة:

تأتي أهمية الدراسة من أهمية موضوع الفقر كإشكالية هامة ومُعضلة من المعاضل التي تواجه العالم أجمع، بالإضافة إلى أنها من الدراسات الغير مسبوقة في هذا المجال، ويُمكن ان يتم البناء عليها من قبل الباحثين والدارسين والاستفادة منها بشكل أوسع.

أهداف الدراسة:

تهدف الدراسة إلى بيان ما يلي:

1-     الرابطة العلائقية بين حقوق الإنسان والأمن الإنساني.؟

2-      كيف يظهر الفقر كمُعضلة مُرادفة لمفهوم الانتهاك.؟

3-     ما هي البيئة الآمنة لضمان الكرامة وتحقيق جودة حياة للكائن البشري. ؟

منهجية البحث

اعتمد الباحث في هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، الذي يهدف إلى تحليل المعلومات المتوافرة   حول موضوع الدراسة: إشكالية حقوق الإنسان وضمانة الأمن الإنساني في ظل الفقر، وذلك من خلال الرجوع إلى الدراسات والأبحاث، والدوريات، والصُحف من أجل الوصول إلى بيان هذه الإشكالية.

المحور الأول- الإنسان وحقوقه، والأمن الإنساني

تُعتبر حقوق الإنسان حق يتمتع به كل فرد، فهي حقوق عامة يمتلكها جميع الأفراد بدون استثناء، وهي تحمل في طياتها أصناف من بينها حق المواطنة، وأكثر دقة هي الحقوق المدنية، والسياسة التي تنشأ من خلال عضوية الفرد في مُجتمع سياسي، والحقوق هذه تُشكل جوهر وعصب الامن الإنساني الذي يتم التعبير عنه، بمجموعة الحقوق الديمقراطية التي تمُكن الناس من القدرة على التمتع بحياة كريمة ومرضية ذات جودة عالية. (كأني ،2013)

إن مُصطلح حقوق الإنسان مُصطلح قد تم تداوله منذ القدم، وأكدت عليه كافة الديانات السماوية، ثم أكدت عليه مواثيق الأمم المُتحدة في العام 1945 ووافقت عليه المُنظمة الدولية كاعتراف بحق الإنسان في العام 1948، ولم يكن هناك تعريف لحقوق إنسان موحد لجميع الدول على كافة أعراقها، وهي حقوق عامة أساسية لا يمكن تجزئتها ،أو الانتقاص منها بغض النظر عن أية عوامل أو ظروف قد تطرأ هنا وهناك، وهناك تعريف لحقوق الإنسان مفاده : إنها مجموعة من المطالب التي يجب توفيرها بالنسبة لعموم الأفراد أينما كانوا  في مُجتمع خالي من التميز  بغض النظر عن الاعتبارات التي تتعلق بالجنس أو اللون أو العقيدة  ،أو أي اعتبار آخر. (مشري ،2018)

أما الأمن الإنساني فهو مُصطلح قديم من حيث المبادئ التي احتوتها، لكنه من حيث التسمية يُعتبر حديثاً، وهو يتعلق بأمن الإنسان من القهر والعنف والتهميش، والحرمان وعدم التمكين الاجتماعي، والحاجة والفقر، وهناك من يُعرف الأمن الإنساني على أنه مُمارسة الناس لخياراتهم بكل حرية وسلامة  ويعتبره آخرين أنه مجموعة من العمليات التي تحمي وتحافظ على حقوق الإنسان الضرورية من أجل بقاءه ومُشاركة في التنمية، وفي مُجملها هي حماية حقوق الإنسان من التهديدات المُختلفة والخطيرة،  وتمكينه من تطوير قرارته من أجل تحقيق الخيارات التي يسعى إليها . (البكوش، 2003)

 والأمن الإنساني هو مفهوم معياري ذو أهداف أخلاقية، حيث يسعى وبصفة جوهرية واضحة إلى تعزيز قُدرات الأفراد من خلال تصور أفضل لحقوقهم في حياة كريمة ذات جودة عالية حسب المعايير العالمية، ويهدف مفهوم الأمن الإنساني لتوجيه الاهتمام إلى جميع المخاطر والتهديدات سواء كانت مُباشرة او غير مُباشرة، تلك المُرتبطة بالعنف، أو ما دون ذلك أو الماسة بالقيم الإنسانية إلى جانب تركيز المفهوم على مجموع العوامل والأسباب التي من شانها تغييب الامن والمساس بالكرامة الإنسانية. (حمو، 2004)

ويُعرف الأمن الإنساني من المنظور العام على أنه: الأمن الإنساني جوهر الفرد، إذ يعني بالتخلص من كافة ما يهدد أمن الأفراد السياسي والاقتصادي والاجتماعي من خلال التركيز على الإصلاح المؤسسي وذلك بإصلاح المؤسسات الأمنية القائمة وإنشاء مؤسسات أمنية جديدة لمواجهة كل ما يهدد أمن الإنسان. (البكوش ،2003)

ويُعبر مفهوم الأمن الإنساني في نهاية المطاف عن النسيج المُترابط والمُتكامل لمجموع حقوق الإنسان المُتكاملة والغير قابلة للتجزئة، ناهيك عن اعتماده على مبادئ الكرامة الإنسانية التي يسعى إلى الحفاظ عليها كونها بمثابة الجوهر الحيوي لجميع البشر، إلا أنه وأمام المُتغيرات الجذرية التي عرفتها الساحات الدولية والبيئة الأمنية المُعقدة فإنها مُرتبطة أساساً بصعوبة تحقيق الحقوق وضمان الكرامة الانسانية.

وجوهر الأمن الإنساني قائم على حقوق الإنسان وتطورها، وهناك من يعتبرها شيئاً واحداً كونها تحتوي على مُفردات الحقوق والحريات، لكن مفهوم الأمن الإنساني يُعتبر أبعد وأصدق من ذلك، كونه يحتوي على التمكين الفعلي والإصلاح وخاصة إصلاح المؤسسات الأمنية.

ومن هنا فإن مفهوم الأمن الإنساني هو دمج وضم لأبعاد حقوق الإنسان الأساسية، حيث إن العلاقة الوطيدة والترابط الوثيق بين الأمن الإنساني ومنظومة حقوق الإنسان الأساسية   وذلك لعدم اقتصار ذلك على التهديدات المُرتبطة بالمجالات العسكرية والاقتصادية فقط بل هي أبعد من ذلك كونها تشمل عجز الدول على مستويات التنمية الإنسانية والبناء الديمقراطي، وهي ترتبط مع بعضه البعض في حركات صناعة الاستقرار السياسي والحفاظ على التجانس الاجتماعي في ظل عولمة كل التحديات والمخاطر، وبروز مجموعة من المظاهر البنيوية العابرة للأوطان، كالإرهاب، والجريمة المُنظمة  والهجرات السرية . (برقوق، 2009)

وأمام التغيرات الجذرية التي عرفتها الساحة الدولية، والأمنية المُعقدة، خاصة فيما يعرف بنظريات تغيير المفاهيم، وظهور مفهوم الشبكات على مستوى العلاقات ما بين الدول بالإضافة إلى ظهور عدة عوامل ساهمت في تغيير الأنماط والتهديدات، المُترابطة في إطار علاقات التفاعل السلبية والضعف المتبادل فيما بينهم، حيث شكل هذا الإطار صعوبة في تحقيق وضمان أمن الأفراد وكرامتهم الإنسانية، فالبرم من أن الاعترافات الدولية للمنظومة الحقوقية  بمبدأ التكامل وعدم قابلية تجزئة الحقوق كمبدأ جهوري واساسي  على مستوى الجهاز الحقوقي، إلا أنه ما زال هناك بعص العوائق والاعتراضات التي تحول دون انتفاع الافراد من مُمارستهم لبعض حقوقهم الأساسية، وهذا ما يجعل المساس بالحقوق والحريات والكرامة تغييب للأمن الإنساني .

 إن الاعتماد على مبدأ التركيز الإنساني مُرتبطة ثمة مسئولية أخلاقية، حيث تتجسد أساسًا في وجوب السعي لإعادة توجيه مفهومي الحماية والأمن نحو الإنسان، بدلا من التركيز على أراضي الدولة، وهذا ينسجم مع الصكوك المُختلفة التي تم الاعتراف بها دولياً في مجال حقوق الإنسان، وتبنياً لفلسفة إشباع الحاجات الأساسية للإنسان، وهي ركيزة هامة لتحقيق الأمن الإنساني خاصة بعد التحرر من العوز والجوع والفقر القائم على بعد الأنسة وخطابات الأمن لشمولها واحتضانها للبُعد الإنساني. (Matthew, & others,2010).

 إن فعالية حقوق الإنسان ذاتها تعتمد بدورها على مجموعة من المعايير الجوهرية، من بينها وجوب الربط بين مُختلف القدرات الفردية  فيما بينها  وبين القدرات الفردية والهياكل المؤسساتية السائدة في إطار النظام الاجتماعي  العام اعتمادا على الذكاء المُشترك فيما بين الأفراد  والمؤسسات من خلال تقوية القدرات  حيث إنها أفضل كفالة لضمان الفعالية، وهنا يكون التركيز الإنساني من خلال مُعاملة الفرد كغاية وليس كوسيلة، ويستند  كبعد أخلاقي كل من فعالية منظومة حقوق الإنسان، وإطار الأمن الإنساني بصورة مزدوجة ليتجسد في الآتي :

أ‌- الفرد كمرجع في إطار الدراسات الأمنية: حيث يُعتبر الفرد كائن مرجعي هام كونه المعني بالحماية من مُختلف التهديدات، ومن خلال الاستجابة إلى حاجاته الأساسية والضرورية، التي تُمكنه من البقاء والعيش بكرامة وتُمكنه من الانتفاع بها حتى يتمكن من التحرر من العوز والفقر، وتوفر له الأمن والسلامة من مُختلف مصادر الخوف.

ب‌- اعتبار الفرد صاحب حق: فالفرد حامل لمجموعة من الحقوق والواجبات لتحقيق جودة الحياة، ومُستوى المعيشة المقبول اعتماداً على معايير العدالة، ضمن أطر تنموية لتطوير القدرات الشخصية وتوسيع خيارات الفرد لارتباطهما بمُمارسات الحريات الأساسية، وذلك استجابة لكل مُقتضيات الحرية والكرامة الإنسانية باعتبارها ضروريات لتحقيق الديمقراطية وإعادة البناء.

ومن هنا فإن الأمن الإنساني من خلال التشديد على الطابع العالمي المُترابط لجملة الحريات الأساسية  لحياة الإنسان، والتي تشمل التحرر من العوز وحرية العيش بكرامة إلى جانب  ترابطه الوثيق بكل من الأمن  والتنمية وحقوق الإنسان كأحد لبنات بناء أمن الافراد، حيث أنه يُركز أساساً على ضرورة ووجوب تحقيق معايير جودة الحق في الحياة، بصفة شاملة لمُختلف الأبعاد الضرورية المؤسسية للرفاه البشري، وأن الجودة في الحياة  هو مطلب ومسعى جوهري يهدف الأمن الإنساني  إلى ضمانه، ولا يقتصر  على مُستوى قطاع مُعين  او بعد مُعين، بل إنه واجب الشمولية  الاستدامة لمُختلف القطاعات .  (LITTLE,2003)

 وتسعى حقوق الإنسان كمطلب أساسي  لحماية المصالح الأساسية للأفراد ضد مُختلف التهديدات التي تمس المصالح الإنسانية، وذلك لارتباطها ببعد الكرامة الإنسانية، وهو ما يجب أن يُقر به كاعتراف بالواجبات والالتزامات، لا سيما ان مجموع الحقوق الإنسانية تعد بمثابة  استحقاقات عالمية لكل فرد من الأفراد، وبالتالي فإن استقراء منظومة حقوق الإنسان  الأساسية التي تُعد بمثابة إطار مفاهيمي وأساسي لمفهوم الأمن الإنساني، وذلك من جانب مجموع الحريات الأساسية  ومعايير الديمقراطية والعدالة والحرية، وهي تُعد مصدراً اساسيا وهاماً لفعالية حقوق الإنسان بصفة عامة . (,2010 Jones).

 وهناك العديد من الدراسات التي تحاول تبيان أبعاد العلاقة بين مفهوم الأمن الإنساني ومنظومة حقوق الإنسان، وهذا على اعتبار أن مفهوم الأمن الإنساني ومفهوم حقوق الإنسان يعملان كمثير ومحرك للكثير من المشكلات، وعلى وجه الخصوص عندما نقوم باستخدام هذان المُصطلحان في الدراسات السياسية على وجه الاختصاص. كما يمثل مصطلح الأمن الإنساني أحد النماذج المستخدمة في توضيح العلاقة بين الجزء والكل؛ وذلك من خلال كون حقوق الإنسان الجزء الأكثر شمولية وعموماً مقارنة بمفهوم الأمن المُجتمعي، ويعتبر حق الإنسان في الأمن المُجتمعي واحد من أهم وأكبر الحقوق التي يجب أن يتمتع بها.

ويُعتبر وجود كل من مفهومي الأمن المُجتمعي الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم حقوق الإنسان تطور بحد ذاته ويعتبر ذلك من أهم التطورات التي انعكست على الدراسات السياسية بشكل عام، وعلى الدراسات الإستراتيجية بشكل خاص. يرجع ذلك إلى أن الإنسان هو اللبنة الأساسية لبناء هيكل الدولة، ومن المفروض أن يكون الإنسان هو الهدف النهائي لكافة السياسات العامة التي يتم تطبيقها في إطار الدولة أو في دائرة المجامع الدولية ومن المُفترض إعادة تقدير الإنسان بحد ذاته لأنه هو نفسه يمثل المركز الأساسي لمبدأ عمل السياسات الأمنية، والتي لا نستطيع ذكر بعض وترك البعض الآخر، فيعتبر شعور الأمن عند الإنسان الإشارة الفصل التي تقيّم من خلالها السياسة الأمنية، وكذلك تقييم نتائج هذه السياسات ومن ثم عمل تحليل ودراسة لها والخروج بنتائج مفيدة.

كما أن العلاقة بين السياسة الأمنية في ظل مُصطلح الأمن الإنساني وبين حقوق الإنسان علاقة في غاية الأهمية لأن ما يدعو إليه المُصطلحين هو دراسة وتوضيح علاقة المواطن مع الدولة، ويُعتبر هذا موضوع مُلح وهام في ظل مجموعة من النقاط المُهمة ألا وهي: (العمد،2019)

المحور الثاني- حقوق الانسان، والأمن الإنساني في ظل الفقر

لقد تطور مفهوم الفقر تطوراً تاريخياً، حيث يختلف من حضارة إلى حضارة، بالإضافة إلى المعايير التي تُستخدم في التفرقة بين الفقراء وغير الفقراء، وهي معايير تعكس مفاهيم معيارية خاصة تتعلق بالرفاهية والحقوق، وقد جاء في تقرير التنمية في العام (1990)، بان الفقر هو عدم القدرة على تحقيق الحد الادنى من مستوى المعيشة، وانه عدم القدرة على الحصول على الخدمات الاساسية التي تهم الإنسان. (تقرير البنك الدولي ،190)

ويُعد الفقر مفهوماً نسبياً مُطلقاً، وهو حالة الحياة المحددة بالجهل وسوء التغذية والمرض وارتفاع مستوى الوفيات بين الاطفال، وانخفاض فترة الحياة إلى حد أقل، وهذا ناتج عن سوء التغذية والأمراض، والتلوث الذي يُحيط بالبيئة، مما يجعل الحياة مُستحيلة بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون في هذه البيئات، جراء عدم مقدرتهم على الحصول على الحد الأدنى من جودة الحياة. (زين ،1985)

إن الفقر لم يقتصر على أنه عدم القدرة، أو الفشل في تلبية مُستويات الحد الأدنى من التغذية أو المسكن ،وانخفاض مُستوى دخل الفرد، أو عدم كفاية الموارد المادية التي يتم استخدامها  لمُتطلبات الحياة، بل هو أكثر من ذلك، فالفقر يُعتبر مُصطلح مُرادف للفشل  في القدرة على مواكبة جملة من المعايير السائدة اللائقة في إطار مُجتمع مُعين، وهذا يعود إلى تفكك وانحلال العلاقات الاجتماعية  نتيجة غياب روابط الانتماء، وذلك  لأن الفقر مُرادف للتهميش الاجتماعي  وغياب للعلاقة الإنسانية  التي تربط بين الفرد ونفسه، وبين الفرد وعلاقته بالآخرين، بل تزيد عن ذلك بغياب الرابطة بين الفرد والمؤسسات الأخرى في الدولة  وهذا ما ينتج عنه حلقة مُفرغة، وتغييب للاندماج الاجتماعي .

وهناك أبعاد مُحددة لصاحب الحق، وهو الفرد في المُجتمع، وأن الترابط بين هذه الأبعاد وبين حقوق الإنسان، والمُتضمنة بدورها لكل بُعد من أبعاد وقطاعات الأمن الإنساني المُرتبطة بها وهي الآتية:

أ‌- البُعد الاقتصادي والاجتماعي: حيث يُقابله كل منهم بُعد من أبعاد الأمن الإنساني كل من الأمن الصحي، والأمن الاقتصادي، وهي بدورها أبعاد تجد تكريساً صريحاً في إطار منظومة حقوق الإنسان الأساسية، وهي حقوق اقتصادية واجتماعية، كالحق في الصحة والعلاج، والحق في الغذاء، والحق في العمل والتعليم.

ب‌- البُعد السياسي والثقافي : حيث يُقابل كل منهم في إطار الأمن الإنساني  بُعد الأمن والحرية، في حين يرادفها من  منظومة الحقوق، الحقوق السياسية  والمدنية، وأن كل حق من الحقوق، التي تعرف الأمن الإنساني هو مُرادف ذاته لتجسيد العلاقة ما بين صاحب الحق والمدين، والمُتمثل في الكرامة الإنسانية، وأن مُعضلة الفقر الإنساني  سواء كان انتهاك لحق من حقوق الإنسان، أو مساس بالكرامة الإنسانية  فإنه يُعد بمثابة مساس وتغييب للعلاقة الاجتماعية المؤسسة للحق، بالإضافة إلى أنه هدر للكرامة الإنسانية  التي تُعد جوهر ونواة حقوق الإنسان من جهة، والأمن  الإنساني من جهة اخرى، ناهيك عن ان عدم انتفاع الفرد من حق من حقوقه الأساسية نتيجة الفقر، هو نوع من انواع التهميش الاجتماعي، وذلك جراء غياب المساواة والعدالة الاجتماعية، وعدم تمكينه من الوصول إلى الموارد المُتاحة في الدولة، جراء تغييب قدراته وتعرضه لشتى أنواع التمييز والتهميش الاجتماعي، وهو ما يُشكل نوعاً من انواع المساس بأمنه الإنساني والمُقابلة لكل حق من حقوقه، بل  يُعد اكبر انتهاك لهذه الحقوق الأساسية .

وتُعتبر حقوق الإنسان سلسلة مُتكاملة مُترابطة، لا يمكن تجزئتها، وهي حقوق غير قابلة للتنازل بغض النظر عن أي ظروف او مُتغيرات، خاصة أنها لصيقة للإنسان وهي وطيدة ببُعد الكرامة المُتأصلة، حيث تتكون هذه السلسلة من الحق والحرية والمسئولية، كقيم إنسانية لا يمكن أن تنفصم عن بعضها.

أما الأمن الإنساني فمفهومه الشامل في مضمونه للحق والكرامة الإنسانية، والمُتمثل في الحق في المساواة، وشمولية الحرية، والتي تشمل الحرية والأمن من الخوف والحرية والأمن من العوز كحقوق مؤسسة وضامنة لغيرها من الحقوق.

أما الفقر كمفهوم مُتعدد الأبعاد، والذي يُشار إليه على إنه شبكة مُعقدة تشمل الحرمان والافتقار للموارد، والدخل، وحالة المُعاناة من مُختلف أشكال التهميش المُتداخلة ببعضها البعض، كما أنه يُعد مُرادفاً لتغييب وإنكار جودة حياة الأفراد   وهذا ناتج عن عرقلة الانتفاع الفعلي من مُختلف الحقوق، وفقدان الاشباع من جملة الحاجات الضرورية، ناهيك عن الإذلال والإهانة، والإحباط النفسي، جراء انتهاك الكرمة الإنسانية للفرد، بعدم منحة تلك الحقوق ليستجديها.

ويُعتبر الاعتراف ببُعد الكرامة الإنسانية واحترامها بمثابة مسعى ومطلب ضروري وأساسي لن يتحقق الا من خلال خلق وتوفير جملة من الشروط الجوهرية التي تضمن التمكين الفعلي والمُتكامل وغير القابل للتجزئة، وهو مُمارسة فعلية واحترام لجميع الحقوق الإنسانية الأساسية التي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الانسان في العام 1948، وبُعد الكرامة الإنسانية لا يُعد بمثابة الجوهر الحيوي وإلهام للأمن الإنساني فحسب، بل هي ضمانة هامة رئيسية وجوهرية، ويُعد مطلب وشرط مُسبق لضمان توفير الأمن على كافة المُستويات.

 وأن افتقاد الفرد للقدرة بالمُطالبة بالحقوق الأساسية، بالإضافة إلى غياب الصفة الاجتماعية في حالة سيادة وديمومة الفقر، والذي من شأنه ان يؤدي بدوره الى تغييب الصفة القانونية، ووجود الإنسان وكيانه، وهو ما يُسمى بالوفاة الاجتماعية للفرد، وهذه الوفاة ستؤدي إلى الوفاة السياسية للفرد وتهميشه سياسيا، وهذا ما يؤدي إلى المساس بالصحة الجسدية للفرد وكيانه وكرامته.

 وبالرغم من الاقرار بأهمية الكرامة الإنسانية، كونها تعُد مصدراً مُشتركاً لكافة انوا ع الحقوق الإنسانية، هي مفهوم الأمن الإنساني، والتنمية الإنسانية، لكنها ما تزال تواجه عراقيل عدة وهي محل دحض وانتهاك مُستمر نتيجة لمُعضلة الفقر، والذي يُشكل أكبر تُهدد وتحدي رئيسي للأمن الإنساني، وذلك من خلال تغييبه لبُعد الكرامة الإنسانية، كونها تُعد المصدر الرئيس للجسم الحيوي للأمن الإنساني، بالإضافة إلى جوهر منظومة حقوق الإنسان. (2007 Tad bakhsh& Chenoy)

ولكون حقوق الإنسان يُعتبر من المبادئ التي لا يمكن أن تتجزأ، بل هي وحدة واحدة ومُتكاملة، وهي قيم أساسية مُتجذرة قائمة على بُعد الكرامة الإنسانية، والذات الإنسانية التي تسعى إلى ضمان كافة الحقوق الإنسانية، لا سيما الحقوق الذاتية للكائن الإنساني، وأن الطابع المُميز لكل بُعد من أبعاد حقوق الإنسان الأساسية، يتجسد فيما يلي:

1- أمن الإنسان من الخوف: وهذا يرتبط بالجيل الأول لحقوق الإنسان، وهي الحقوق المدنية والسياسية، حيث يُقابلها كل من الأمن السياسي، والأمن الشخصي، كونها عناصر هامة وأساسية للأمن الإنساني، فهو يُسهم بكل من مبدأ التكامل وعدم القابلية للتجزئة.

2-   أمن الإنسان من الحاجة: وهذا يرتبط بالجيل الثاني لحقوق الإنسان، وهي الحقوق الاقتصادية، والحقوق الاجتماعية، حيث يضم كل بُعد من أبعاد الأمن الإنساني والتي تتعلق بالأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن الاقتصادي. (Tadjbakhsh, &Chenoy,2007)

3- الكرامة الإنسانية: وهي الجيل الثالث لحقوق الإنسان الشامل لكل من حقوق الإنسان الشاملة لكافة الحقوق، سواء كانت الحقوق التضامنية، والحقوق الثقافية والبيئية، كالحق في بيئة صحية مُناسبة وآمنة ،والحق في الُمُشاركة في التنمية والحق في الحصول على مُستوى معيشي كريم ومُناسب.

وأن الترابط والتكامل والمُتبادل هنا هو بين مفهوم الأمن الإنساني بأبعاده المُتكاملة كالأمن الصحي، والأمن البيئي، والشخصي وغيرها، وبين حقوق الإنسان المُوحدة وهي الحقوق الاقتصادية، والحقوق المدنية، والحقوق السياسية، وغيرها. (Benedek,2017)

ويُعتبر مفهوم الأمن الإنساني مُرادفاً للسلامة من التهديدات المُزمنة، مثل الجوع والمرض  والقمع، ناهيك عن سعيه الدائم لتوفير الحماية ضد مُختلف الحوادث المُفاجئة والضارة بأنماط الحياة اليومية، وذلك لاعتماده التركيز على البُعد الإنساني، ومركزية الفرد ،والكائن الإنساني  قائماً في الأساس على مبدأ تحرير الأفراد من مُختلف مصادر وأسباب الخوف والعوز مع تأكيده على مبدأ العدالة الاجتماعية، ناهيك عن الترابط الوطيد بين الأمن الإنساني، ومجموع حقوق الإنسان الأساسية، والنظر إلى العلاقة المُتبادلة بين كل من الديمقراطية  وحقوق الانسان، والأمن الإنساني  التي تظهر أساساً من خلال الترابط بين الحقوق الاقتصادية والحقوق الاجتماعية، والثقافية ،والمدنية والسياسية، من خلال بُعد التحرر من كافة أنواع الخوف والتحرر من الفقر والعوز، وذلك كون كل هذه هي حقوق الإنسان  الأساسية، والامن الإنساني  والتي تعُتبر كلها أطر مُشتركة تعتمد التركيز عل كرامة الإنسان . (BENEDEK,2010)

إن ارتفاع نسب الفقر وأشكال الحرمان، وافتقاد مُختلف الموارد والضروريات اللازمة للوصول إلى  الحد الأدنى من مستوى معيشي لائق، هو من شأنه تعريض الحريات المدنية  والسياسية للتآكل ، إلى جانب عرقلة المُمارسة الفعلية لها ،بالإضافة إلى إنها تغييب وإضعاف للكيان الديمقراطي ومٌستوى الأمن السياسي، خاصة أنه النواة الاساسية لتحقيق احتمالات مُرتفعة من مستويات جودة الحياة للفرد، والجماعة كونهم لهم فواعل اجتماعية قوية ولهم حق ذو سلطة عامة، ومُشاركة ديمقراطية، ومن جهة أخرى  ففي ظل بروز بعض التهديدات، المُتمثلة في الضعف السياسي، أو الفساد الاجتماعي، أو الصراعات والنزاعات  خاصة الناتجة عن أشكال الفساد، ، وذلك كونها عوامل تأثر سلباً على نسب دخل الفرد والمُساهمة في زيادة حالات الفقر والعوز ،والتهميش الاجتماعي . (Sindzingre,2015)

المحور الثالث- الفقر والتهميش وتغييب جوهر الأمن الإنساني

يُعد الفقر من أخطر التهديدات التي تواجه الأمن الإنساني، وذلك من خلال تأثيره على الأبعاد والقطاعات الإنسانية، وهذا ناتج عن تغييب الشروط الضامنة للتحرر الإنساني من العوز والخوف، بالإضافة إلى سيطرة حالة عدم القدرة على إشباب مختلف الحاجات الأساسية الإنسانية، كالغذاء وإشكالية الحصول على الرعاية الصحية، والافتقاد الى الحماية الاجتماعية، وفرص العمل، وانعدام الأمن الاقتصادي، وغياب فرص المُشاركة السياسية ناهيك عن عدم توافر شروط جودة الحياة الإنسانية والرفاه الإنساني، كمطلب هام من مطالب الأمن الإنساني. (Oberleitner,2005)

والفقر كمفهوم مُتعدد الأبعاد يظهر في أكثر من أنه مُجرد انخفاض في مستوى الدخل، بل يُعد مفهوما أكثر شمولية لمُختلف الأبعاد، وأشكال الحرمان المُختلفة من القدرات التي ترتبط بالصحة أو التعليم، او المُشاركة السياسية، وصولاً إلى عمليات الحرمان من الرفاه الإنساني، والأكثر من ذلك أن الفقر يُشير الى فشل القدرات وتقييد الفرص والخيارات التي قد تتاح للأفراد، جراء غياب عدم تحقيق الحريات الاساسية للفرد، مما يؤدي الى عد القدرة على الوصول الى مُختلف الموارد المُتاحة اللازمة لضمان الحصول على حياة كريمة. (Palomar-Lever,2005)

ويُشير مُصطلح القدرات، إلى مجموع الحريات الإيجابية والسلبية، والفرص والتحديات للرفاة الاجتماعي الإنساني، ومستوى جودة الحياة للأفراد، وهو يُعبر عن ما يمكن أن يتمكن الفرد من تحقيقه، وان مجموع القُدرات الأساسية مُرتبطة أساساً بصفة مُباشرة ببُعد الكرامة  الإنسانية، كأساس للحياة الكريمة التي يسعى الفرد  للحصول عليها، والفقر من منظور القدرات  تعد بدورها بمثابة  الجوهر الحيوي للإنسان، وقد يتخذ الحرمان المنهجي صوراً في الحصول على السلع والخدمات والموارد اللازمة لضمان بقاء الفرد واستمرارية حياته  والحد من قدرات الفقراء على النفوذ في المٌشاركة في عمليات اتخاذ القرار ومُسائلة المؤسسات التي تؤثر على حياتهم وقدراتهم في الحصول على الحقوق، وإعاقة الإشباع الفعلي للحاجات المادية للأفراد، بالإضافة إلى ذلك فإن الفقر يٌساهم في تغييب قدرات الأفراد وتقييدها في أداء ومُمارسة الحاجات المعنوية الأساسية، كعرقلة مُمارسة الحقوق الثقافية، وإشكالية التنوع الثقافي والخصوصية، لا سيما إنها أعادت جوهرية  وحيوية في تكريس وضمان الأمن الإنساني.

ويتمثل جوهر منظومة الحقوق الأساسية في وجوب ضمانها وتحقيقها للوفاء والانتفاع من قبل الأفراد بُمختلف الحقوق الأساسية ،في حين أن المُعاناة من الحرمان والفقر، العائد إلى غياب الوفاء وعدم القدرة على الانتفاع من حقوق الإنسان، وهذا ما يُشير إلى انعدام وغياب الأمن الإنساني، الناتج عن افتقاد عوامل التمكين للانتفاع من الحقوق الإنسانية  كأصحاب حقوق وحريات، لذلك فان مُعضلة الفقر  هي مصدر مباشر لتأجيج مشاعر الإحساس بالمذلة والإهانة، والإحباط النفسي، والتهميش والاستعباد الاجتماعي، وهو إنكار جميع الحقوق الأساسية، حيث يُعد الفقر من أخطر الشرور كونه مُرادف للحرمان من مُمارسة الحقوق الأساسية.

 إن غياب القدرة على الوصول الى مُختلف الموارد الضرورية للحياة، هو مُرتبط ارتباطا مُباشراً بإشكالية غياب الاستحقاقات، فالتشرد هو عامل مُرتبط  بعدم القدرة على انتفاع الفعلي بالحق في السكن، وصعوبة الوصول إلى الموارد الضرورية، حيث أن انتشار المجاعات في كثير من المناطق في العالم  لا يعود بالأصل إلى النقص في كميات الطعام والغذاء، أنا تمت نتيجة عدم قدرة الأفراد  على التمكن  من شراء واقتناء مُختلف كافة المواد الغذائية المتوافرة لغياب الاستحقاقات اللازمة نتيجة حالة وأشكالي الفقر، ومن جهة فان مُساهمة الفقر في افراز عدة سلبيات مُترابطة ومُتشابكة، كتفعيل الصراعات، والنزاعات  من أجل الموارد جراء الفقر، واجهاد التربة، وندرة الموارد البيئية  واضمحلال قدرات  مؤسسات الدولة، ومن جهة اخرى التسبب في زيادة مستويات الهجرة القسرية، والتي ستكون تهديداً للأمن الوطني وتُهدد الأمن والسلم الدولي .( Tadjbakhsh, &Chenoy,2007)

 إن علاقات التأثير والتأثر  المُتبادلة بين إشكالية الفقر الإنساني، المُتعدد الأبعاد، والمُتعلق بأمن الأفراد والجماعات، وذلك عبر مُختلف الأبعاد والمستويات المُتكاملة، هو ما يؤدي إلى حلقة ودوامة ضعف دائمة، وتفاعل ثنائي بين كل من الفقر وانتهاك حقوق الإنسان بالإضافة إلى حالة الضعف وغياب بُعد من أبعاد الأمن الإنساني، إلى  جانب التفاعل الشبكي  وذلك بالنظر إلى الطبيعة المُتجانسة المُتعددة الاتساق للتهديدات المُترابطة، والعابرة للأقاليم والدول الاخرى، وأن التشابك والتداخل بين مُختلف البيئات التي يعيش فيها الفرد  والمُترابطة والمُركبة بالتهديدات المُستجدة، والتي تزامن ظهورها على  المستوى الدولي خاصة فيما بعد الحرب الباردة  والماسة بكرامة وبقاء الإنسان، من خلال التقليص والحد من احتمالات تحقيق مُستويات عالية من الجودة التي تتعلق بالحياة .

 وُيعتبر مفهوم المُعاناة من العوز والحرمان والفقر والجوع  ناتج عن غياب الأمن الإنساني كون مُعضلة أفقر تؤدي إلى الحرمان من الانتفاع من الحقوق  الإنسانية الكاملة، بالإضافة إلى عرقلة مُمارسة الحريات الأساسية، وقد تُشكل حاجزاً أمام المُطالبة بالحقوق والحريات الأساسية أمام الوصول إلى الإشباع  الفعلي والحقيق لكافة الحاجات الأساسية والضرورية نتيجة شعور واحساس الفرد بالإهانة والاستعباد، وان مفهوم الأمن الإنساني في مضمونه للحق والكرامة الإنسانية في المساواة بين الأفراد، الى جانب شموليته للحرية الشاملة لكل من بُعد الحرية والأمن من الخوف، وأن الكرامة والمساواة  هي حقوق مؤسسية وأساسية لا يمكن انتزاعها مهما كان بغض النظر عن أن الفقر يعتبر كمُهدد للأمن الإنساني  الذي ينشده الجميع . (LAZARUS,2013).

  وفي سياق “الحق في الضمان” الواجب الإنفاذ قانونا، ينبغي أن يحمي هذا الحق فقط ما لا يمكن للحقوق الأخرى القائمة بذاتها والثابتة أن تحميها في ظاهرها. وبالتالي ينبغي ألا يشمل “الحق في الأمن والحقوق الراسخة والراسخة مثل الحق في الحياة والكرامة، والحرية والصحة والتحرر من التعذيب وما إلى ذلك، وإذا كان الحق في الأمن يُعني أي شيء على الإطلاق، فيجب أن يحمي من شيء لم تُلتقط هـو هذه الحقوق الأساسية والقائمة بذاتها صراحة.

 وأياً كانت أسباب هذا الوضع، فمن الإنصاف القول إنه في خضم المُناقشة العامة المُستفيضة بشأن التوازن المُناسب بين الحفاظ على الأمن الوطني والعام والفردي من جهة، وحماية الحرية الفردية من جهة أخرى. غير ذلك، وعلى الرغم من الاتجاه الدولي الناشئ إلى الحديث عن “الأمن الإنساني” في خطاب الحقوق، لم يول اي اهتمام يذكر بشكل ملحوظ لمسألة ما هو المقصود تحديداً بـ “الحق في الأمن” بالمعنى القانوني، وإن “الحق في الأمن” يجب أن يكون ذا مغزى ومُحدداً. وكما أننا حذرون من الإشارات غير المُتمايزة وغير الناقدة إلى السعي العام إلى “الأمن” في المُحاولات المتفشية للحد من الحقوق الفردية، نحتاج أيضاً إلى توخي الحذر بشأن الإشارات الغامضة إلى “الحق في الأمن”. عبارة الأمن مع جاذبية الراحة أو وعدا ضيق من الغياب. (LAZARUS,2013)

إذن تُعتبر مُعضلة الفقر كتهديد لاستقرار العالم ،كفاحشة أخلاقية لارتباطها أصلا بغياب المساواة بين الأفراد، حيث تُعد من اخطر التهديدات الثابتة لأمن الإنسان، وذلك لتأثيرها على مُختلف الجوانب والأبعاد الحيوية للأمن الإنساني، من حيث مفهومي الحرية والامن من العوز والحاجة، والحرية والأمن من الخوف، وهذا ما يظهر من خلال عدم قدرة الفئات التي تُعاني من العوز والحرمان والجوع، إلى جانب مُعاناتها حالة من الغياب الاقتصادي، من خلال الافتقاد إلى فرص العمل والحصول على الغذاء، وهو تغييب لمعايير الكرامة والإنسانية ،وجودة الحق في الحياة ومساساً باستمرارية الكائن الإنساني، كأبعاد جوهرية ونواة الأمن الإنساني، بل وعلى مستوى الأمن الدولي . (BENEDEK,2010)

وقد أصبح تعدد أبعاد الفقر الآن مفهوما مقبولا على نطاق واسع، وكما بين ( أمارتيا )، فإن أبعاد الفقر لا تشمل الفقر بين الدخل واستهلاك الدخل فحسب، بل تشمل أيضا الحرمان من القدرات المُرتبطة بالصحة والتعليم ،والمُشاركة في أنشطة المُجتمع، وإن المؤسسات والمعايير تُشكل عناصر سببية محورية في مستويات هذه الأبعاد وإنجازاتها واستقرارها وفي العلاقات بينها غير أن المؤسسات لم تحلل بوصفها مُحددات لتعدد أبعاد الفقر، حيث تشارك العمليات العقلية نفسها في ظهور المؤسسات وتأثيرها، وتُشكل المؤسسات والقواعد هذه الأبعاد، وفي جانبين. هما: (Sindzingre,2015)

1-      أبعاد الفقر ظواهر دينامية، حيث يُمكن لكل بُعد أن يدخل في علاقة سببية مع بُعد آخر.

2-     تُحدد المؤسسات القواعد وتتحقق من التصورات الفردية والنماذج العقلية والتوقعات والسلوك فيما يتعلق بالرغبة والقدرة ،والاستراتيجيات للإفلات من الفقر فالأفراد قد يسعون إلى تحقيق تصوراتهم الخاصة، كالاهتمام، أو الدخول في سلوك تعاوني، أو استبعاد أنفسهم من أنشطة المُجتمع بسبب اليأس الناجم عن معايير التمييز، والتهميش الاجتماعي ،و تُعتبر المؤسسات والمعايير آليات معرفية تولد في أذهان الأفراد مُعتقدات حول دول العالم ومُعتقدات الآخرين والسلوك المُناسب لهذه الدول في العالم.

الاستنتاجات

 بعد ان استعرض الباحث إشكالية حقوق الانسان وضمانة الأمن الإنساني في ظل الفقر، فقد توصل الباحث إلى الاستنتاجات التالية:

1-     يُشكل الفقر تهديداً واضحا لشبكة الأمن الإنساني، وأن تغييب الأمن الإنساني للأفراد والجماعات، يسبب التقليل في مُستوى الأمن الوطني والسلم الأهلي والدولي.

2-     تُعتبر حقوق الإنسان الأساسية حقوق لا يمكن تجزئتها، وهي تُعد أساساً معيارياً أساسياً يقتضي اعتماده عند السعي لتنفيذ مفهوم الأمن الإنساني.

3-     يُعتبر التركيز على البُعد الحقوقي، والقانوني في إطار السعي للتخفيف من حدة الفقر وضمان الكرامة المتأصلة للأفراد والجماعات ببعديه الحرية من الخوف والخوف من الحاجة.

4-     الفقر كمفهوم مُتعدد الأبعاد يظهر في اكثر من انه مُجرد انخفاض في مستوى الدخل بل يُعد مفهوما أكثر شمولية لمُختلف الإبعاد، وإشكال الحرمان المُختلفة التي ترتبط بالصحة او التعليم، او المُشاركة السياسية

5-     لا يزال هناك تجاهل وعدم اعتراف بمركز قانوني للفقراء ،وعدم تكريس لمُختلف الآليات لاعتماد مبادئ المسؤولية والمُسائلة فيما بمدى إيفاء الأطراف في المُعاهدات لالتزامها بوجوب ضمانها الفعلي للتمكين من كافة الحقوق، التي نص عليها العهد الدولي والحقوق الاقتصادية.

6-     الاعتراف ببُعد الكرامة الإنسانية واحترامها، هو بمثابة مسعى ومطلب ضروري وأساسي لن يتحقق الا من خلال خلق وتوفير جملة من الشروط الجوهرية التي تضمن التمكين الفعلي والمُتكامل وغير القابل للتجزئة.

7-     يُشير مُصطلح القدرات، إلى مجموع الحريات الايجابية والسلبية ،والفرص للرفاة الاجتماعي الإنساني، ومستوى جودة الحياة للأفراد ،وهي مُرتبطة أساساً بصفة مُباشرة ببُعد الكرامة الإنسانية.

التوصيات

بعد أن توصل الباحث إلى عدة استنتاجات تتعلق بإشكالية الفقر وحقوق الإنسان والأمن الإنساني، فإن الباحث يوصي بما يلي:

1-     من الضروري أن يكون هناك دوراً للمُشاركة في العملية السياسية وأن لا يتم تهميشهم كفئة هامة في المُجتمع.

2-      السعي إلى الاعتراف ببُعد الكرامة الإنسانية واحترامها واشعار كل الذين لهم حاجة أو يعانون من الفقر بأن لهم حق لا يمكن أن يُجزأ.

3-     على الدول مُجابهة التحديات لتحقيق الرفاة الاجتماعي الإنساني، والوصول إلى مستوى جودة الحياة للأفراد في المُجتمع.

4-     وقف كافة أشكال الحرمان المُختلفة ،والتي ترتبط بالصحة أو التعليم، والمشاركة في التنمية.

5-      التركيز على الأمن الإنساني للأفراد والجماعات، من أجل رفع وزيادة مستوى الأمن الوطني والسلم الاهلي والدولي.

6-     الاعتراف بمركز قانوني للفقراء ،و تكريس مُختلف الاليات والاجراءات القانونية لاعتماد مبادئ المسؤولية والمسائلة للدول.

قائمة المراجع العربية والاجنبية في الرابط الأصلي للدراسة
نشرت في المركز العربي للبحوث والدراسات

المصدر
المركز العربي للبحوث والدراسات
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق