سوريانا

أفاميا.. حيث يغفو التاريخ بين أعمدتها.. وتصحو الأسطورة

الاتحاد برس _ المحرر الرئيسي

تعتبر محافظة حماة من المدن السورية الغنية بآثارها، عايشت العصور التاريخية المتلاحقة، وشهدت ازدهارًا في العصر الإسلامي تدل عليه الآثار الباقية…

في موقع قريب من مجرى نهر العاصي، وعلى طرف البادية السورية الشمالية وهي تشرق على الغاب الداخلي تقع مدينة أفاميا، وتضم بين جنباتها آثار تاريخية ترقى للعصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، من خلال النصوص المسمارية يمكن القول بأن المدينة كانت عامرة في الألف الثاني قبل الميلاد.

 تبعد حوالي 60 كيلومترًا عن حماة إلى الشمال الغربي حيث يمر على بعد 3 كيلومترات غربًا نهر العاصي، ونصل إلى أفاميا من ثلاث طرق، شمالية تمر بجسر الشغور فسهل الغاب وجنوبية عبر حماة فشيزر، وشرقية عبر المعرة فخان شيخون.

عن أفاميا

في العهد السلوقي (نهاية القرن الرابع قبل الميلاد) بنيت أفاميا وفق أفضل الشروط المطلوبة في ذلك العهد لبناء المدن، وتمتعت بموقع استراتيجي مهم للجيوش والقوافل معًا، وكانت تتصل بباقي المدن الكبرى بطرق واسعة مرصوفة لا تزال بقاياها ماثلة حتى الآن .

لا تقتصر الآثار المكتشفة في أفاميا على الفترتين اليونانية والرومانية فقد تعاقبت على الموقع آثار إعمار بشري منذ أقدم العصور (العصر الحجري القديم والأوسط والحديث والبرونزي)، وقد أثبت استمرار السكن فيها منذ العصر البرونزي القديم (الألف الثالث قبل الميلاد) كما مرّ على الموقع عهود كثيرة أخرى، حيث امتاز السلوقيون بأنهم كبار مشيدي المدن في عهدهم، فقد بنى سلوقس نيكاتور الذي حكم بين (312 280 قبل الميلاد) أكثر من 28 مدينة منها 16 مدينة تحمل اسم انطوخيوس و5 مدن تحمل اسم لاوديسا و3 مدن باسم زوجته الفارسية أبامي، وإحداها تلك التي تقوم في وادي العاصي وسط سوريا.

وكانت أفاميا تشكل مع أنطاكيا وسلوقيا ولاوديسيا المدن الرئيسية الأربع في سورية التي كانت مكلفة بحماية المنفذ الوحيد للإمبراطورية السلوقية الداخلية الشاسعة على البحر، وحافظت مدينة أفاميا طيلة تاريخها على هذا القدر الاستراتيجي، حيث كان لموقع أفاميا أهمية كبرى في نظر اليونانيين لعدة عناصر ساهمت في ازدهارها سواء أكانت جغرافية أو سياسية أو عمرانية كانوا يتقيدون بها في إنشاء المدن الحديثة أو إعادة بناء المدن القديمة، كما أن اختيار بناء هذه المدينة اختيار موفق بالقرب من حصن يحميها (قلعة المضيق) ووجود نهر العاصي الذي يؤمن ري الأراضي الزراعية فيوفر للمدينة المعيشة والغنى.

الموقع

تتوضع أطلال أفاميا التي تقع على الهضاب الشرقية، مرتفعةً قليلًا عن سهل الغاب وتمتد على مساحة 250 هكتار من الأرض المنبسطة مدعومة من الشمال بجبل (شمبشو) وهو امتداد لجبل الزاوية، وعند حافة الهضبة الشرقية يبرز منها نتوء صخري يشكل أساس الحصن أو القلعة التي كانت (أكربول) أفاميا، وتحولت من بعد إلى قرية صغيرة تختبئ ضمن أسوارها الإسلامية، وتعرف اليوم بقلعة المضيق، وتبعد عن الأطلال 1 كم.

وصف المدينة

بنيت المدينة حسب النظام الهلنستي على شكل رقعة الشطرنج، وتغطي حوالي 250 هكتارًا، يحيط بها سور حجري طوله حوالي سبع كيلومترات، وارتفاعه ما بين (2-7مترًا) وقد بني على مراحل حيث قسمه الأسفل يوناني سلوقي، وفوقه الروماني أما العلوي والأبراج بيزنطية.

وقد عثر على عدد كبير من القبور خارج الأسوار، ويمتد الشارع المستقيم من الجنوب إلى الشمال حيث يمثل تحفة معمارية حقيقية طوله 1174مترًا وعرضه مع الأروقة 38.5مترًا، وتلتصق بجذوع الأعمدة الحلزونية ذات الطابع الكورنثي قواعد حجرية بارزة كانت تحمل تماثيل الوجهاء من أهل المدينة أو الأشخاص الذين قدموا خدمات للمدينة، وله مدخلان في نهايته، حيث لكل مدخل قوس جميل وبرج على كل جانب يدعى الباب الشمالي بوابة أنطاكية والبوابة الجنوبية بوابة حماه.

وتمتلك المدينة سبع بوابات فخمة لتأمين الدخول والخروج منها، وكل بوابة تتصل بطريق عام يتجه إلى أنطاكية واللاذقية ولارسا وحماه (إبيفانيا) وتدمر وأسريا (سيريانا) وقنسرين (كالسيس).

لمحة تاريخية

يعود تاريخ أفاميا إلى الملك الإغريقي سلوقس نيكاتور عام 300 قبل الميلاد، الذي أعاد تأسيس المدينة وأطلق عليها اسم زوجته أباميا، كانت تشكل مع أنطاكية وسلوقيا ولاوديسيا المدن الرئيسية الأربع في سوريا التي كانت مكلفة بحماية المنفذ الوحيد للإمبراطورية السلوقية على البحر.

خضعت أفاميا للرومان بعد فتح سوريا عام 64 قبل الميلاد، ثم خضعت للبيزنطيين ثم إلى العرب المسلمين الذين دخلوها عام 638 ميلادية، بقيادة أبو عبيدة بن الجراح.

استولى عليها الصليبيون وضمت إلى إمارة أنطاكية ثم استرجعها نور الدين زنكي بعد أن دمرت المدينة تدميرًا كاملًا بالزلازل بين عامي 1157 – 1170.

الأبنية الأثرية

اكتشفت في أفاميا منحوتات مزخرفة، كما أن هناك آثارًا لمعبد الإله (زيوس) والذي لم يبق منه سوى كتلة الأساس الهائلة، وقد تم الكشف في أفاميا عن العديد من البيوت السكنية منها الكبير الذي تتراوح مساحته ما بين 2000 متر مربع إلى5000 متر مربع ومنها البيوت ذات المساحات المختلفة، بالإضافة إلى الآثار المسيحية ومنها الكاتدرائية ذات المساحة 12 ألف متر مربع، والكنائس كثيرة منها ما هو ظاهر ومنها ما هو مخرّب، بالإضافة إلى الخان الأثري الذي يعود إلى العصر العثماني ويقع في أسفل قلعة المضيق من الجنوب بني في أواخر القرن السادس عشر في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني تعرض هذا البناء إلى الإهمال فأثرت فيه عوامل الطبيعة فانهارت بعض أقسامه وتهدمت واجهته.

أبواب الخان

معبد الحوريات:  يقع إلى الشرق من الشارع الرئيسي وهو على هيئة “exedra” ويفتح على الشارع الأعظم مباشرة، وكان هذا المبنى مزخرفًا بالعديد من صور الآلهة اليونانية والرومانية.

الآغورا أو الفورم : تقع إلى الجنوب من الشارع العرضي وعند تقاطع الشارعين الرئيسين يبلغ طولها 150مترًا وعرضها 25مترًا وهي مركز الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المدينة اليونانية.

المسرح:  يقع غرب المدينة وإلى الجنوب من التقاطع العرضي الثاني يقع مسرح المدينة الذي يأخذ شكل نصف الدائرة ومحيطه ما يقرب من 135 مترًا وهو أكبر المسارح في سورية، ويرجح تاريخ البناء في عصر الامبراطور “ماركوس”.

القلعة : تقع قلعة أفاميا فوق هضبة عالية تنحدر من كل جوانبها باتجاه السهل وقد ساهمت هذه القلعة في حماية المدينة في عصر السلوقيين.

صورة تظهر قلعة أفاميا

الحمامات : تقع الحمامات في الشمال الشرقي من الشارع الرئيسي وتتكون من الأجزاء الثلاثة المعروفة.

ومن أجل حفظ هذه الثروة الأثرية قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بترميم الخان العثماني الأثري المنسوب إلى (سنان باشا) ليكون متحفًا خاصًا لمنطقة أفاميا إذ تم افتتاحه عام 1982 وهو متحف قيم جدًا ويحوي لوحات فسيفسائية رائعة.

متحف أفاميا

من اللوحات الموجودة في متحف أفاميا

  • لوحة سقراط والحكماء السبعة والتي تعود إلى القرن الرابع للميلاد أي إلى العهد الروماني .
  • لوحة فسيفساء الأزهار والنباتات والطيور والأسماك وهي مستخرجة من كنيسة صوران الواقعة شمال مدينة حماة.
  • لوحة الأمازونيات اللواتي يصنفن في الأساطير اليونانية على أنهن أمة من النساء المقاتلات (لهن ثدي واحد لأن الاخر قد قطع لتسهيل عملية المحاربة والاصطياد) وكن يسكن في منطقة القوقاز..

وهذه اللوحة تمثل فارستين تمتطيان جواديهما و تصطادان بعض الوحوش, وقد عثر عليها في القصر بأفاميا وتعود إلى القرن الخامس للميلاد، وجدير بالذكر أن بعض الآثار المكتشفة في أفاميا محفوظة في متاحف بروكسل ودمشق وحماة.

لوحة في متحف أفاميا
لوحة من متحف أفاميا

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق