ايام زمان

من أيام زمان وإلى اليوم .. جرن الكبّة لا زال حاضرًا

الاتحاد برس – المحرر الرئيسي

غالبًا وقبل وصول التكنولوجيا إلى مختلف المنازل، لم يكن منزل سوري قديم يخلو من جرن الكبة الذي يعدّ من أقدم التراثيات الحجرية في سوريا.

جرن الدق أو الكبة جرن حجري خاص يستعمل لدق الحبوب وتحضير المأكولات العربية القديمة ومع تقدم الأيام أصبح هذا الجرن من النادر وجوده لأن استعماله أصبح شبه معدوم أو ربما وجد فقط من باب الاحتفاظ بالتراثيات.

جرن الكبة منظر مألوف في أرض ديار البيوت العربية ويصنع الجرن من الحجر، أبيض كان أم أسود من البازلت أو الصوان، ويعود اللون إلى البيئة التي استخرج مكعب الحجر منها، فإذا كانت البيئة عادية، جاء مكعب الجرن من صخور رسوبية كلسية بيضاء لكن شديدة التماسك والصلابة لكي تستطيع تحمل الدق الطويل والمزمن، لأن صناعة الجرن تستغرق وقتاً طويلا ودقة وخبرة احترافية تتكون لدى قلة من بنائيّ الحجر، ولذلك ليس من السهل الحصول على الجرن بسهولة.

أما في البيئات ذات الأرض البركانية، البازلتية، فتكون ألوان الجرون سوداء، وهي أكثر قساوة من الحجارة البيضاء.

يتكون الجرن من كتلة صخرية غالباً من الحجر البازلتي مفرغة في الوسط بشكل دائري وتصنع أيضاً يد الجرن من حجر بيضوي مطاول.

عندما يتم التحضير لأكلة الكبة ينظف الجرن ويُؤتى باللحمة الحمراء يُؤخد قسمٌ منها يخصص ل(حوسة )الكبة وقسم لخلطه مع السميدة وتُقَطّع اللحمة أولا بالسكين ثم توضع في تجويف الجرن ويتم البدء بدق اللحمة باداة خشبية (الميجنة) حتى تتحول اللحمة الى كتلة رخوة متجانسة طرية.

تُخلط اللحمة بالبرغل المُنَمَّش بالماء ،يُعجن جيدا مع البهارات ،ملح ،كمون،مردقوش،فليفلة مطحونة ، وبسكين ذات راس رفيع تقطع كتلة عجينة الكبة بخطوط طولية وعرضية لتسحيب شروش اللحمة التي لم تستطع الميجنة القضاء عليها.

يجتمع الجرن والمدقة في كل الظروف، الفرقة ممنوعة حد الاستحالة بينهما لأن كل واحدة منهما تتمم الأخرى، وكل واحدة منهما لا قيمة ولا دور ولا حاجة لها من دون الثانية، فالجرن هو ركيزة من الحجر تضم “كوة” عميقة بعض الشيء، توضع فيها الأشياء المطلوب دقها أورصها أو طحنها، من اللحوم لصناعة الكبة أو الكفتة، والخضار والمعطرات التي تضاف إلى الأطعمة، أو لرص وطحن أصناف من الحبوب والتوابل كالبهار والقرفة المستخدمة مع الأطعمة المختلفة .

ومن دون المدقة لا معنى لاستضافة “الكوة” لكل هذه الأشياء، فالمدقة تؤدي دور الطحن والتنعيم والتليين لمختلف الأصناف . والفرق بين دور المدقة ودور الجرن أن الجرن يمكن أن يستضيف مختلف الأصناف، القاسي والصلب منها، والطري اللين، أما المدقة فيجب أن تكون أكثر تخصيصا للدور .

بمعنى آخر، يمكن أن تكون المدقة من الخشب لدق اللحم والخضار، لكن يجب أن تكون من الحجر لدق وطحن الحبوب القاسية الصلبة .

في أيامنا هذه، تراجع كثيراً حضور الجرن والمدقة، مع الحداثة التي اجتاحت التقليد، فحلت الفرامة الكهربائية محل الإثنين وبات باستطاعة ربات البيوت الحصول على الكبة والكفتة والحبوب المطحونة بواسطة الآلات الكهربائية لكن الجرن والمدقة، لا يزال يحتل موقعاً محبباً لدى أغلب الناس، أما رفع الجرن، فبقي لعبة تراثية في المهرجانات الفولكلورية حيث حلت محله مسابقات رفع الأثقال الثقيلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق