حصاد اليومقراءات نقدية

الكرتون للجميع.. ميازاكي ومستويات القراءة في بوركو روسو

أمجد شتي

تتوارى الرموز والعلامات في الأعمال الفنّية بالقدر الذي تكشف عن نفسها به. هذا ما علّمني إياه المسرح وفاجأتني به السينما منذ أن تعلّقت بهما في طفولتي المبكرة. فلماذا يقوم مخرج ما بتصميم طائرة؟ أتحتاج السينما حقاً إلى مهندس طائرات؟ ولماذا يضع آخر ثقله الفكري في فيلم للأطفال؟. كثيرة هي أسئلتي حول هذا النوع من المخرجين، وميازاكي واحد منهم.

عزم عرّاب الأينمي اليابانية “ميازاكي“، في فيلمه “باركو روسو”، على تقديم خطاطة سينمائية مركّبة ومنسوجة بطريقة أوشت بعبقريته; فقدّم لنا مادةً تستوعب بمرونتها كلّ الأعمار من سنوات الطفولة الأولى وحتى آخر أيام الكهولة.

ميازاكي

تتراكب صور “باركو روسو” الإشارية والتذكارية وتتوارى خلف قصة لطيفة للأطفال، يتخذ من الجزر الإيطالية والبحر المتوسّط فضاءً خصباً لأحداثه مقصودة التسلسل، خليط من البراءة والذكاء والبطولة والحبّ والغرابة، هذه هي مكوّنات الجرعة التي أراد ميازاكي حقنها لمشاهديه.

فما هي رسائل ميازاكي الخفية في فيلم بوركو روسو؟

طائرة بوركو روسو و سقوط الإمبراطورية اليابانية

ليس بوركو روسو فيلماً كرتونياً كما هي أفلام ديزني مثلاً، بمعنى أنّه لا يندرج في قائمة “أليس في بلاد العجائب” او “الأسد الملك” على الرغم من اشتراكه معهم في طريقة العرض، فهو فيلم رسوم متحرّكة إلا أنّ الدلالات المبطّنة في “بوركو روسو” تغدو أكثر عمقاً وتعقيداً من تلك التي نجدها في “الأسد الملك” أو “أليس في بلاد العجائب”.

ينفتح الفيلم على مشهد لخنزير يتشمّس على جزيرة إيطالية بديعة التكوين!. يتلقى “بوركو روسو”، طيّار فاشي سابق وصيّاد جوائز حالي، اتصالاً استغاثياً من قبطان سفينة يتعرّض ركابها لمحاولة اعتداء من عصابة قراصنة طيّارة.

يهرع روسو إلى طائرته غريبة التصميم، يدوّر محرّكها، فتندفع بصعوبة تشي بعتقها وتقادم قطعها، يصل روسو إلى السفينة في اللحظة المناسبة، يصارع العصابة، يهزمها ويعيد الرهائن بسلام إلى متن السفينة. وعلى كلّ حال ليس ثمّة ما يدعونا للتعجّب أو الارتياب; فها هي وظيفة الخنزير الخيّر والودود “بوركو” أن يقوم بإنقاذ البشر مقابل الجوائز.

لكنّ القراصنة المهزومين لا يمكن أن يستسلموا بهذه السهولة لبراعة روسو وحنكتهِ في المناورات الجويّة، ولأنّهم فشلوا في هزيمته في المعركة الأولى، صار لزاماً عليهم استدعاء “كورتيس “، طيّار أمريكي ماهر، لمواجهة الخنزير وإحباطه وتعجيزه.

لم تعد طائرة “بوركو” بمحرّكها العاطل تسعفه في مهامه، وبالأحرى لم تعد تطير أبداً. لم يستسلم بوركو روسو إلى العِطل المفاجئ فعليه أن يطير، عالج المحرّك بشكل مؤقّت وطار قاصداً “ميلانو” الإيطالية بغرض الصيانة.

وفي الطريق إلى ميلانو، ومن خلف السحاب الكثيف، يظهر “كورتيس” بطائرته الحديثة والقوية، يلاحق ويناور بوركو العاجز عن القتال بسبب طائرته الخَرِبَة، وبعد مناورة لم تطل كثيرا أسقط كورتيس طائرة بوركو العاجزة تماماً، ممّا أدّى إلى تحطّمها وتبعثر أجزائها.

لم تكن الإمبراطورية اليابانية، في منتصف القرن العشرين، أفضل حالاً من طائرة بوركو روسو بديعة الشكل محطّمة البنى والمحرّك. وكذلك الأمر مع الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تكن أفضل أخلاقياً وإنسانياً من كورتيس الذي قصف روسو دونما رحمة أو تحذير.

ففي عام 1894 استطاعت الإمبراطورية اليابانية فرض احتلالها على كوريا، ممّا أغضب الجارة الصينية وأسفر ذلك عن حرب ضروس خرجت اليابان منها منتصرة، واعتبرت مذاك، بحكم تطوّرها العسكري، من أقوى الدول الآسيوية، إلا أنّ الإمبراطورية ككلّ المنظومات السياسية الدكتاتورية والشمولية وضعت اليابان وشعبها في مخطّط توسّعي تنخر بناه ومؤسساته كلّ أنواع الجريمة والفساد والفقر.

ولم يكن غريباً أن تؤدّي سياسات هذا النظام، في الحرب العالمية الثانية، إلى هزيمة نكراء أمام دول التحالف وعلى رأسهم أمريكا التي جرّبت سلاحها النووي الفتّاك ولأوّل مرة على الإمبراطورية المتداعية في كلّ من مدينتي ناغازاكي وهيروشيما في عام 1945.

وما أشبه محرّك روسو الخَرِب راشح الزيت بالإمبراطورية اليابانية، وما أشبه كورتيس الأمريكي المتغطرس والمتعدّي والشرير بالولايات المتحدة الأمريكية.

المرأة في بوركو روسو

بعد حربه الأوّلى مع الأمريكي كورتيس، تحطّمت طائرة الخنزير بوركو، وتفسّخت إلى أشلاء.
نجا الخنزير من الموت، وتحضّر للذهاب إلى مدينة “ميلان”، حيث سيصلح طائرته المنكوبة في ورشة عمل “بيكولو”.
هناك، في الورشة، يلتقي بالفتاة الأمريكية “فيو”، التي بحسب جدّها، ستصمّم طائرة بوركو.

يفاجأ الخنزير فيما بعد، باكتشافه أن جميع عمال الورشة استبدلوا بنساء من جميع الأعمار، يتدافعن إلى الورشة للبدء بتصميم الطائرة، تحت إشراف “فيو”.
في البداية، تعامل بوركو مع جماعة النسوة، وأدركها بذات الأفكار المعلّبة والمُحجّمة للمرأة التي كانت منتشرة في تلك الفترة من التاريخ.

إلا أن إبداع “فيو” في تصميم طائرته، والكفاءة العالية للنساء، جعلت بوركو يدرك القيمة الحقيقية لما تقدّمه المرأة في المجتمع.
وهكذا، حظيت “فيو” والعناصر النسائية الأخرى لدى ميازاكي، باحترامٍ كبير لقدراتهن، لا لمظاهرهن. وظهرن، كما أراد ميازاكي، نساء ماهرات وناجحات على توازٍ مع الرجال. فهل كان هذا الأمر اعتباطياً؟

بُعيد أفول الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية وغيرها من الديكتاتوريات الشمولية في أوروبا ظهر دور مغاير وجديد للمرأة، فناهضت الجندريّة وأثارت مسألة النوع وراحت تطالب بالمساواة الاجتماعية ومقاومة جميع أشكال الاضطهاد والتحجيم التي تتعرّض لها، بعد أن حكمت عليها الأحزاب الفاشية أن تكون تابعةً للرجل وعنصراً ثانوياً أو حتى عنصراً فائضاً عن الحاجة.

وفي هذا يورد ديفيد رينتون في كتابه (الفاشية بين النظرية والتطبيق):
“إن الفاشية استمرّت على القول بأنّ المرأة ينبغي عليها أن تظلّ في المنزل، وقاد موسوليني حملة لعودة المرأة إلى الأسرة وإنجاب أطفال من أجل الوطن”. (1)

ويضيف: “في الحزب النازي لهتلر، لا تشكّل النساء سوى نسبة من 6 إلى 8 بالمائة”.(3)

وإن كان ذلك يدلّ على شيء إنما يدلّ على تردي أوضاع المرأة في تلك المرحلة الزمنية، آلة لا تصلح سوى للإنجاب، وعنصراً مهمّشاً لا يمارس حقّه بالمواطنة، ولا يشارك في الحياة السياسة إلا بشكل محدود.

ولعل الفتح النسوي الجديد تجلّى في هذه الحقبة تحديداً، لاكتشاف المرأة لما تحمله من طاقات مكبوتة، وغير موظّفة؛ فبسبب انشغال رجالات الأحزاب في العديد من الحروب القائمة، تحصّلت المرأة على العديد من الأدوار التي كانت محددة بالذكور آنفاً، وبدأت العمل في شتى مجالات الاقتصاد، مما مكّنها فيما بعد من المطالبة بتقليص الفجوة المختلقة بين جنسها وجنس الذكور من حيث الحقوق الاجتماعية والسياسية وغيرها.

هذا ما أراد ميازاكي أن يولّفه في ذهنية الأطفال المشاهدين الذين سيلاحظون بيسرٍ أنّ من صنع الطائرة القوية والحديثة للبطل بوركو روسو إنما هنّ النساء.

تقاطب الوجوه الأمريكية في خطاطة ميازاكي الدلالية

ليس اختيار ميازاكي لإيطاليا كقطعة من أوروبا اختياراً اعتباطياً، فهناك كانت مقبرة الفاشية وبجانبها القومية الألمانية أو النازية. وهناك كان الجديد .. النظام الجديد بقيادة أمريكا يولد في عمق القارة العجوز.

كان الطيّار الأمريكي ” كورتيس” لخّص لنا الروح العسكرية للأمريكان ساعة أسقط طائرة بوركو على الرغم من سابق معرفته بتعطّلها، يجلّي هذا المشهد لنا الطريقة الرخيصة التي تقود بها الولايات المتحدة الأمريكية حروبها، طريقة تولّد ذات الشعور الذي تملّك المشاهد لحظة سقوط طائرة الخنزير، ومن ثم استعراض ميازاكي للاحتفاء الهذلي الذي قام به كورتيس بشيء من العجرفة والتعالي وكأنّ الحادثة كانت بسبب شجاعته ودقة إصابته! وليس تعطّل محرّك طائرة بوركو روسو.

يمكن اعتبار الطيّار كورتيس بمثابة الحلّة الصلبة القاسية التي أدخلت فيها أمريكا ثقافتها إلى أوروبا واليابان بعد الحرب العالمية الأولى، إعلانات وصيحات في كل مكان عن نصر حاصل، ومن ثمّ تجميع القراصنة غير المنظّمين حولها ليكونوا نوعاً من المرتزقة تحت إمرتها، ويبدو هذا واضحاً في الفيلم.

فها هو بوركو روسو يهبط وفيو بطائرته الجديدة على شاطئ جزيرتهِ، وفجأة، ومن بين الصخور، تخرج لهم العصابة المخرّبة وقائدها كورتيس، إنّهم أوروبيون تحت قيادة أمريكا يودون القضاء على بوركو (هذا ما ندركه من الأعلام المتموضعة على طائراتهم)، ولكنّ “فيو” تتصدّى لهم بخطاب صادم عن معنى الرجولة وطبيعة الحقّ والنزاهة وأخلاق الطيّارين، تحكي عن صفات لا تتوفّر في كورتيس تتكلّم عن الشرف والمروءة والرجولة وأهميتها معاً من أجل تحقيق العدالة، ممّا يدفعهم للتسليم باقتراحها الذي نصّ على “حرب عادلةٍ” بين بوركو روسو من جهة والأمريكي ” كورتيس” من الأخرى.

أمّا الفتاة “فيو” فهي أفضل ما يمكن لأمريكا ان تصدّره لأوروبا واليابان: خطاب ديمقراطي وأسواق حرّة للمنافسة النزيهة بالإضافة لدقّة في التصميم العلمي وشغف بهزيمة الشرّ المتمثّل بالإمبراطوريات والأنظمة الفاشية.

جاءت فيو لإيطاليا من أمريكا بهدف مساعدة جدّها الذي يملك مصنعاً للطائرات في ميلانو، لم تكن فيو فتاة عادية، فلها روح ذكية ولطيفة استطاعت من خلالها أن تَسحِرَ بوركو وتجعله يؤمن بها ويلقي على كاهلها همّ صيانة طائرته المحطّمة، وهذا ما نجحت فيو به مثبتةً نجاعة تعليمها وأخلاقها.

مشهد الشاطئ يلخّص لقاء الصورتين في سياق واحد، وصورة أمريكا كورتيس المتعجرف الاستغلالي والحقود مقابل صورة أمريكا – فيو العدالة والديمقراطية والتقدّم.

في مشهد سابق يقدّم ميازاكي صورة غير مألوفة عن مجاز الخنزير. هنا الخنزير ليس الدكتاتور أو الرأسمالي او الصورة الرمزية النمطية للشراهة والطمع، بل هو مثالاً على رفض بوركو لأن يكون إنساناً أصلاً، وأن يتحوّل إلى خنزير في سبيل تخليه عن صفات الفاشيه والابتعاد عن رموزها، وهذا ما بدى جلياً في المشهد الذي يلتقي به بوركو روسو بصديق قديم من الجويّة الفاشية، حيث أخبره هذا الصديق القديم أنّ باستطاعته ان يعيده إلى القوات الجوية الفاشية دون ايّ مشاكل، أمّا رد بوركو فكان:
_ أفضّل أن أكون خنزيراً على أن أكون فاشياً.

وهذه هي الصورة السلبية للإنسانية التي انطبعت عند بوركو بعد فقدانه لأصدقائه في الحرب، ولم تتغيّر هذه الصورة إلا بمجيء الفتاة “فيو” التي أجبرته على أن يقرّ في منتصف الليل، بعد أن أخبرها عن سبب كونه خنزيراً، أنّها هي من أعادت الألوان لحياته بعد أن سرقتها الحرب.

يختتم الفيلم مشاهده بفوز عارم لبوركو روسو على نظيره الأمريكي كورتيس في معركة جوّية لم تكن سهلة على الطرفين، لم تنته المعركة في السماء وإنما بلكمة بوركو لكورتيس على الشاطئ أمام جميع البشر الذين جاؤوا ليشاهدوا هذه المعركة الحاسمة. فهل ستنتصر نزاهة الديمقراطية على شرّ الإنسان؟

هذا ما لا يبشّر به ميازاكي فيقول في مقابلة له مع مجلة تليغراف الكندية: ” اعتقد أن الوقت السلمي الذي نعيش فيه أخذ يقترب من نهايته “.(3)

المصادر:

الفاشية بين النظرية والتفطبيق، ديفيد رينيتون، ترجمة عصام محمد محمود صـ121 :(1)
(2): ذات المرجع أعلاه.

(3 ): Hayao Miyazaki interview with Telegraph 9/5/2014

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق