السلايد الرئيسيتحقيقحصاد اليوم

أوجه الجريمة المنظّمة في السويداء .. الجزء الثاني

إعداد: ورد العبدلله

أثرنا في ختام الجزء الأوّل من هذا التحقيق العديد من الأسئلة، وفي الجزء الثاني منه سنقدّم بعضاً من الأجوبة ووجهات النظر المتعلّقة في هذه القضايا بالاعتماد على ذات أساليب البحث والتقصّي التي كنا ذكرناها آنفاً في مطلع الجزء الأوّل من التحقيق.

كشفنا سابقاً أنّ معظم الجرائم التي حقّقنا فيها، سرقة السيّارات ومقتل الطلاب الجامعيين والخطف المضاد بين محافظتي درعا والسويداء، كانت جرائم منظّمة منفّذيها هم أفراد عصابات مدعومين من النظام الأمني والعسكري في المحافظة، ونشير هنا إلى أنّ هناك العديد من الحوادث الفردية لكنّها لا تشكّل إلا جزءً بسيطاً من إجمالي الجرائم المنظّمة.

فمن هي هذه التنظيمات أو المجموعات المسلّحة أو العصابات التي ذاع صيتها في المحافظة وتمّ اتهامها في العديد من هذه الجرائم؟ من يقف خلفها ويدعمها؟ كيف وُلدَت؟ من هم قادتها وما هي عقائدها المتبعة؟.

من التهريب إلى القتل .. رحلة الفلتان الأمنيّ في السويداء

لم تتحوّل السويداء بين ليلة وضحاها إلى وكر للعصابات والخارجين عن القانون، وإنما، حالها كحال معظم المناطق السورية، توالت الحوادث فيها وأدّت نتائجها إلى بلوغ المحافظة مستوى غير مسبوق من الفلتان الأمنيّ. وبحسب محدّثنا فإنّ الأمر برمّته كان قد بدأ من القرى الحدودية في المحافظة، التي أخذ بعض شبابها ينشط في تهريب المحروقات.

قال سمعان حنون، خمسيني متقاعد من قرية الرضيمة الشرقية، للاتحاد برس:

“بدأ التهريب في السويداء ما بين عامي 2013 /2014 من قرية صغيرة تسمّى مَلَح، وهي قرية حدودية مع الأردن تقع جنوب شرق السويداء، نشط بعض شبان هذه القرية في تجارة المحروقات (البنزين والمازوت) بعد عجز الحكومة عن توفير هذه المواد كما ينبغي في سوق السويداء، المحافظة شديدة البرودة، وسرعان ما ازدهرت هذه التجارة حتى باتت عملاً يستقطب الكثير من الراغبين في الثراء السهل والأكيد.

ففي قريتي مثلاً، بدأ رجل مسيرته في التهريب على “موتور سنفور” يحمل فيه غالوناً وراء غالون من المازوت، ثم اشترى بعد شهور سيّارة، وصارت السيّارة عدّة سيّارات، هكذا حتى صار من أثرياء القرية”.

تابع السيّد سمعان:
” بدأت مَلَح التهريب وأوحت بمصدر الرزق الغير مشروع هذا إلى باقي القرى الحدودية كدبين وأمّ الرمّان والغرية، وأخذت الظاهرة تستشري، واتضحت الأمور في المحافظة، خاصّة بعد قيام بعض مجموعات التهريب تلك بإقامة حفلات باذخة واستعراضات علنية للممتلكات والسيّارات والأسلحة في الشوارع وعلى فيس بوك وغيره، ممّا خلّف غيرة وحسد عند باقي الشباب في القرى الغير حدودية ما حدا بهم للبحث عن سبل غير مشروعة تؤمّن لهم ذات الفرص التي للقرى الحدودية، ناهيك عن تشكيل العديد من اللجان الشعبية التي راحت تضغط على المهرّبين وتلاحقهم وتصادر حمولاتهم، ما أدّى لتسلّح جماعات التهريب دفاعاً عن كنزها الجديد.”

_ تحدّثت عن حسد بعض شباب القرى الغير حدودية من وضعية جيرانهم في القرى الحدودية. فمن من قرى السويداء الغير حدودية شاركت؟ ولو تذكر لنا بعض الأمثلة عن طبيعة تلك الأعمال الغير مشروعة التي قامت بها؟

“شهبا مثلاً; لأن كانت بعيدة عن مراكز الاستفادة، لم تحظ المدينة بالفرص التي حظيت بها القرى الأخرى ما حدا بعصاباتها إلى اجتراح سبل وبدائل كالخطف وسرقة السيّارات والتشليح والتهديد، وظهر ما يُعرف اليوم بعصابة شهبا، التي واظبت منذ سنوات على ترهيب أهالي شهبا والقرى المجاورة. “

يرجّح السيّد سمعان أن تكون ساعة تسلّح المهرّبين واشتباكهم مع حواجز اللجان الشعبية، هي ساعة انحلال أوّل خرزة من مسبحة الأمن في السويداء وانفراط المسبحة كلّها في السنوات اللاحقة.

لكن في سياق مغاير تعتقد الدكتورة (هيام..)، أنّ الأمور بدأت مع شروع السلطة بتغذية حملات أمنيّة هدفها تفتيت البنى الاجتماعية في السويداء، بمثابة عقاب للمحافظة لعدم اتخاذها موقفاً واضحاً من الأحداث السياسية، ولمنع أبناءها من الالتحاق بصفوف الجيش.

وتقول:

” قبل خروجي من السويداء، وبعد دخول تنظيم داعش إلى المحافظة وارتكابه أفظع الجرائم، صار لديّ يقين، وبالمناسبة لست وحيدة في يقيني هذا، من أنّ هذا النظام مستعد لبيع المحافظة “بقشرة بصلة” كما فعل ساعة سمح للداعشيين بتنفيذ مجزرتهم الجبانة بحقّ أهلنا، وقبل ذلك بسنوات عندما غضّ الطرف عن ميليشيات الأمن العسكري والدفاع الوطني وغيره من الأجهزة التي عزّزت دور العصابات ووفّرت لها الحماية.”

_ ولكن ما مصلحة (النظام) من انتشار الفوضى في السويداء؟

” مصالح كثيرة، وعلى رأسها الضغط على الشباب المتخلّف عن الخدمة الإلزامية، وبالدرجة الثانية كسب الرأي العام وتوجيهه إلى أنّ المحافظة بحاجة إلى تدخّل الجيش وإلى حمايته وبالتالي إلى تسليم أبناءها المتخلّفين عن الجيش والرضوخ لإرادة السلطة ومشيئتها.”

تتضارب وجهات النظر حول اشتعال فتيل الفلتان الأمنيّ الأوّل في المحافظة، غير أنّها تشترك بما يتعلّق بتورّط بعض الأجهزة الأمنيّة واللجان الشعبية في استدامة هذا الوضع الأمنيّ المأزوم والمتدهور.

عصابة عريقة في أعلى القائمة .. ويليها …

على مدار هذا التحقيق لاحظنا أنّ معظم محاورينا كانوا متفقين على أنّ عصابة عريقة هي الأكثر إيغالاً وتورّطاً بالجرائم المنظّمة في السويداء، تتنوّع التهم والروايات والأسماء وتبقى جملة “عصابة عريقة” الأكثر تكراراً على ألسنة المحدّثين، لذلك قرّرنا إفراد محور كامل من التحقيق بهدف الكشف عن شبكة أعضاء هذه العصابة وداعميها.

كشف مصدر مطلع لـ الاتحاد برس، رفض التصريح عن اسمه، أنّ هذه العصابة كانت نشأت على انقاض لجان “حماة الديار” تحت قيادة “نزيه الجربوع” أحد منسّقي التسويات بين المتخلّفين عن الخدمة العسكرية والأفرع المسؤولة كـ”فرع الأمن العسكري” بقيادة “وفيق ناصر”.

إنّ معظم أفراد هذه العصابة من أبناء قرية العريقة الفارين من الخدمة، وهم بحسب الأهمية “صفوان عزام” و”محمد عزام” و”عذاب عزام” الأخير الذي ثبت تورّطه في جريمة الشاب وسيم طرودي.

بدأت العصابة نشاطها مع إعلان السويداء عدم تسليم أبناءها للخدمة الإلزامية في الجيش، حيث انتسب هؤلاء الشباب إلى لجان حماة الديار بغرض الدفاع عن السويداء وأهلها، ومع زيادة الضغط على المحافظة اقتصادياً وأمنيّاً، لجأت هذه العصابة للتنظيم تحت حماية الأفرع الأمنيّة التي كانت تود إحكام قبضتها من خلال تغاضيها عن شيطنات العصابة وجرائمها التي بدأت بالسرقة ووصلت حدّ الخطف والابتزاز والقتل في حال عدم استجابة ذوي المخطوفين لشروطهم. بحسب المصدر.

أضاف المصدر: “انتهجت عصابة العريقة منهج فرّق تَسُد، فلا دين ولا ديانة ولا من يحزنون، مصالحهم ومصالح السلطة الحامية قبل كلّ اعتبار، فعندما ألقي القبض على صفوان عزام على حدود اللبنان وتمّ تسليمهُ إلى الجهات المعنية، ما هي إلا شهور قليلة حتى عاد لنشاطه ولكن هذه المرّة ببطاقة أمنيّة!، وهذا ما حدث مع عذاب عزام بُعيد افترائه على المرحوم وسيم الطرودي، فاحتمى بمبنى الأمن العسكري الذي رفض أن يسلّمه للأهالي، والطريف أنّه شوهد بعد عدّة أسابيع في أحد المنازل في قرية “ثعلة” يزور أحد أصدقائه.”

إنّ عصابة العريقة ما هي إلا واحدة من عشرات العصابات التي تهدّد أمن السويداء وتعزّز انتشار الخوف والحيطة بين الأهالي، فهناك أيضاً عصابة “شهبا” التي اختصّت برصد كمائن الخطف للوافدين من العاصمة دمشق، على طريق دمشق _السويداء.

وبما يخصّ هذه العصابة، كشفت صحيفة “سويداء الآن” عن جرائم عديدة تأكّدت من أنّ عصابة شهبا هي المسؤولة عنها، وكانت الجرائم:

  • هجوم مسلّح على مبنى المجمّع الحكومي بشهبا، والذي راح ضحيّته السيّدة هيام الخطيب، وأصيب عدد من المدنيين وعناصر الشرطة.
  • وهجوم على مبنى الأمن العسكري بعد أن ألقى أهالي قرية “داما” القبض على شخص بحوزته قذائف فراغية لمدفع 130ملم، واقتادوه لقسم الأمن العسكري بشهبا،, قامت العصابة بالهجوم على الفرع واختطاف أحد العناصر ومبادلته بالذي ألقي القبض عليه .

وفي خبر يعود للعام 2016، كشفت فيه صحيفة سويداء الخبر، عن تورّط “وسام الطويل” في زعامة عصابة شهبا، وأتى الخبر في سياق تأكيده على سطو قامت به العصابة لإحدى الأبنية العائدة ملكتيها لآل “صالحة” على طريق المسبح القديم في شهبا، بحيث اقتحمت منزل أحد الوافدين وسلبت 700 ألف ليرة سورية ومصاغ زوجته وسيّارته العامّة (تاكسي) التي هي مصدر رزقه الوحيد، ولم يجرؤ أيّاً من قاطني البناء على التدخّل، بينما تلكأ مخفر المدينة مفوّتاً ميعاد الجريمة.

والجدير بالذكر أنّ عدد عصابات السويداء، بحسب تقرير لمركز الدراسات الشرق أوسطية “نيفاتي”، فإنّه تجاوز ال50 عصابة منظّمة وتنشط بشكل دوري في المحافظة وريفها.

من حزب الله إلى الأمنيين ومن ثمّ إلى … المخدرات في السويداء

لا يبدو أنّ حرباً تستمرّ دون مقوّمات; فساحات الحرب السورية لم تخلُ يوماً من وقودها السحري والفعّال (المخدّرات والمنشّطات)، وبالرغم من تنوّع مصادر دخول هذه المواد، إلا أنّ السويداء وساحاتها ضجّت على حين غرّة وبشكل مفاجئ بشتى أنواع المخدّرات؛ فسادت في الجامعات الحكومية والجمعات الشبابية وفي كلّ قرية من قرى المحافظة.

ولكن من أين تأتي هذه الكميات؟ من يروّج لها؟ وما سبب بخس ثمنها؟

تمكّنت الاتحاد برس، بمساعدة من بعض الجهات الموثوقة في المحافظة، من التوصّل إلى أنواع البضاعة التي يتمّ ترويجها، فكانت:

مادة الحشيش المخدّر، بسعر 5500 للـ 12،5 غرام.
مادة الكيبتاغون المنشّطة، بسعر 200 ليرة للـحبّة الواحدة.
مادة الهرويين المخدّر، بسعر 12000 ليرة للـغرام الواحد.

علّق مصدر متهكّماً: ” هي أسعارها من لمّا بلّشت الأزمة، لا ارتفعت ولا نزلت، فشو القصة؟”.

لاحظ هذا الشاب أنّ المواد المخدّرة في السويداء تحافظ على سعرها بالرغم من غلاء كلّ مادة في السوق ضعفاً أو ضعفين، ويتساءل عن سبب ثبات سعرها، بينما يُبطل لنا “نجد”، موزّع غذائيات وعضو سابق بإحدى اللجان الشعبية، هذا الاستغراب بقوله:

” تأتينا المخدّرات من حزب الله في اللبنان، عبر مزارع شبعا باتجاه السويداء، ويتم تسليمها لبعض المرتزقة من أعضاء اللجان أو عناصر أمنية متدنّية الرتبة لتقوم هي بدورها بتوزيعها على شبكة مصغّرة من المنتفعين وهكذا حتى تملأ سوق السويداء، ولم يعد مدخّني المواد أو شاربيها يخفون الأمر بل باتت موضة دارجة حتى البنات يشاركن بها.”

كما أعلنت وزارة الداخلية السورية على موقعها الإلكتروني، مطلع العام الجاري، ضبطها طناً ونصف الطن من المواد المخدّرة مهرّبة ضمن سيارة لنقل الخضار في ريف درعا، واصفة إياها بأكبر عملية تهريب في المنطقة الجنوبية.

وأوضحت الوزارة أن المواد المصادرة تضمّ حبوباً، إضافة إلى مخدّر الحشيش، ضمن سيارة لنقل مادة البصل كانت متوجّهة من محافظة درعا إلى محافظة السويداء.

وأضافت أن من ضمن المواد 500 كيس من حبوب الكبتاغون المخدّر، وفي كلّ كيس نحو ألف حبّة و8516 كيساً من الحشيش بأسماء شائعة.

ونهايةً نذكّر بأنّ السويداء ترزح، منذ بداية الحرب السورية وإلى غاية اليوم، تحت وطأة الفلتان الأمنيّ والجريمة المنظّمة والعادات الاجتماعية الدخيلة دون حسيب أو رقيب، وليس واضحاً، إلى الآن، إن كانت الحكومة السورية تنوي التحرّك الجدّي بمؤسساتها لاحتواء هذا الفلتان، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وملاحقة العصابات وتفكيكها؛ وبالتالي استمرار هذا الوضع الأمنيّ المؤسف في المحافظة وريفها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق