قلم توك

وطن بالسنتيمتر


ألقوني على لوح خشبي، ربطوا جسدي، رفعوا الجزء السفلي من اللوح عاليًا، ثبّتوه، بدأت ضربات الكرباج تهوي على قدمي، ارتفع صراخي، ألوي جسمي و قدمي محاولًا الخلاص دون جدوى. كل شيء يطفو في عينيّ، تخدّرت أكثر كلما زادت ضربات السجان ذو العضلات المفتولة المتخصص بالتعذيب، يتناوب مع آخر ممتلئ القامة، كأنهم يرموني من شاهق.

طُلبت إلى فرع الأمن في حلب في الأسبوع الأول من دوامي في كلية الهندسة المعمارية، ذهاب وإياب العناصر المستعجلة ووشوشتهم أثار قلقي في غرفة المحقق. بدأ أسئلته عن أسماء عائلتي وأعمامي وزوجاتهم و أقربائهن الذين لم اسمع بهم.

أمرني بخلع ثيابي، صفعني صفعة مدويةً ارتطم رأسي بالحائط حين أجبته أنني لا أعرفهم، انبثقت أشكالًا برّاقة أمام ناظري. صرخ في وجهي ورائحة أنفاسه الكريهة لفحت وجهي قائلاً ” ولاك بهيم أنت متهم بانتمائك إلى حزب العمال الكردستاني”، أجبته بالنفي مصدوما، رفسني بهستيرية على رأسي وبطني و لكمات متواصلة، وسط شتائم لم يسلم أحد من عائلتي منها، رموني في سجن المنفردة ذات المتر بمترين وغطاء يسكنه حشرات متنوعة. تحسست سلامة رأسي اللزج بالدماء، لم أصدّق ما حصل مكذبًا آلام جسدي النازف.

لم أنم تلك الليلة من وجعي، فكرت باتصالات أهلي على هاتفي النقال، أصدقائي الذين ينتظرون عودتي في السكن الجامعي، في الثامنة صباحًا اقتادوني إلى غرفة التحقيق، يداي وقدماي مقيدة بجنزير حديدي، أربعة رجال يحدقون بعيونهم الثمانية المرعبة، سألني أحدهم ” ولاك كر شو بيشتغل صهر خالك؟”، لم أعرف ماذا أجيب، انقضوا علي صفعًا و لكمًا و أنا بسروالي الداخلي، لم أفهم شتمهم لأمي وأخواتي بين كل جملة و أخرى، أهي الشرقية المكبوتة؟ أم جزء من دروس ذلي بما أن المرأة هي قيمة الشرف.

صرخ قائلاً “خذوه ليعترف على بساط الريح”، شهر في سجن السياسيين، تهوي الكرابيج على قدمي، تنحبس الأنفاس في حلقي، وينفجر في كل صرخة صرخات خوف من الآتي وعدم اليقين مما يحصل.

تكاد عيوني تخرج من رأسي، أسحب يداي وأضغط عليها يمينًا ويسارًا فتنزف، كإسوارين من الدماء. لقد تأقلمت مع ألمي، لكنني خفت أن ينفذ التحمل لدي.

إحساس الخدر يتسلل حتى أشعر براحة غريبة. معاني العبودية و الذل كانت تتجلى حين يأمرونني أن أحضر بساط الريح بنفسي، فأمشي متحاملًا و متجلّدًا لأقف على قدمي المتورمتين مستندًا على الحيطان، وسط ضرب السياط و ضحكاتهم تتعالى مع صراخي. تخيلت خطوط الدماء الجافة الممتدة على البساط دمائي فأشعر بوجع مضاعف، وأن حياتي ستمضي بالتعذيب.

الجدران مليئة بالخطوط الدالة على عدد الأيام، “عصام، سردار، برخدان” أسماء لمارون عبروا هذه البقعة المخفية عن الحياة، كنت أعدل من جلستي أملاً بوضعية تريحني في ذلك الحيز الأشبه بعلبة الثقاب. شعرت أن قدماي تخترقها دبابيس كلما حاولت ارتداء حذائي للاستحمام وذلك خلال أربع دقائق فقط مع إهانات و شتائم، كمن يدهن جسمه بالماء.

الدقائق طويلة وثقيلة، الزمن هو توقعي للحظات رعب ما قد يحدث في الآتي، البرد ينخر عظامي و يجمّد مفاصل جسدي العاري وصمت مطبق لا يخدشه إلا صوت طقطقة مفاتيح السجان، ليقود أحد منا إلى التعذيب.

ينقبض قلبي كلما اقترب الصوت وأن كل شيء سينتهي بعد قليل، أتخيل جسمي يتراقص على “الكرسي الكهربائي أو معلقاً على طريقة التشبيح أو الخازوق”، يقترب الصوت بينما أغرق في رعب الاحتمالات المميتة فأدعو “يا رب بس ما كون أنا” يكاد قلبي يخلع، يفتح باب أحدهم، ينتابني الشعور بالخلاص، إنه الاحساس من أجل البقاء، صراخ التعذيب لا يغيب عن مسمعي بين كل لحظة وأخرى كمسٍّ كهربائي يصيبني.

احتجت لشخص أبث له معاناتي، فصرت أحادث نفسي، أحياناً استعرض الماضي وأخطط للمستقبل وإكمال دراستي، كنت من المتفوقين في امتحان قبول الهندسة، فكرت بما يفسره أصدقائي غيابي وإن كانوا يذكروني في جلساتهم.

في الساعة الرابعة أو ربما الخامسة اقتادوني إلى التحقيق والأسئلة ذاتها بعد شهر في المنفردة والتعذيب اليومي. منها نقلت إلى سجن آخر في المنفردة، كان أوسع بنصف متر انتظرنا أكثر من ساعة وأسناني تصطك بردا، بصق أحد المحققين بصوت مدو فور دخولي وفي عيونه فائض من الحقد اعتادت رؤية الآلاف أمثالي، خوفاً لم أرد على أسئلتهم، أمسكني من صدري وصفعني، سندت نفسي لأقف معتدلاً، فرفسني بكل قواه.

انتهى التحقيق ضربًا بالسياط بعد أن وقّعت على أوراق لا أعرف محتواها، رموني في المنفردة لتبدأ معاناة جديدة بالتعذيب على “الثابت”، وأحياناً الضرب بالسياط و آثار خطوطها الزرقاء تتجدد في كل مرة، ضربهم المفرط خفف من صراخي، الوجع يقوى لأنني لم أعلم أين ستحل الضربة الآتية و أنا معصوب العينين. بعد شهرين تبادلت أحاديث الاشارة مع سجين يقابل غرفتي، شعرت بالغرابة و النشوة، أتكلم دون أن أهان، أبادل النظرات مع أحد دون خوف.

بعد ثلاثة أشهر و نصف نقلنا إلى النظارة جناح السياسيين، كنا مقيدين من أيدينا و أقدامنا بسلاسل حديدية على شكل صفوف و كأننا بضاعة للمقايضة، وسائل التعذيب أخف لأنهم صلبوا سجينًا مسيحيًا وعذبوه على طريقة “التشبيح”، اعتصم المسيحيون وقتها أمام السجن فنقل الضابط على أثرها قبل سنوات.

نقلوني بعد ستة اشهر إلى سجن “عدرا” في مهجع، شعرت بالراحة، رأيت الشمس في وقت الاستراحة لأول مرة. ناداني السجان” زيارة” بعد مرور سنة و ثلاثة أشهر، تمتمتُ” (يارب ما يكونو أبي و أمي، مابدي حس بالفشل قدامون بعد كلشي عملولي ياه)” حضنتهم بحواسي خلف الشبكة الحديدية فور دخولي وبكائهم يعلو المكان، هدأتهم بأسئلتي عن أخبار العائلة متمثلاً القوة، أحدق في ملامحهم المتعبة حزنًا عليّ، عدت إلى المهجع بعد نصف ساعة، أجهت ببكاءٍ مريرٍ.

تناقل الجميع أخبار مظاهرات تعم سوريا كلما دخل سجين جديد، وستلغى الأحكام العرفية ونحاكم أخيراً في المحكمة المدنية بعد أن نسيت العالم الخارجي. ازداد عدد المساجين و اكتظت الممرات، نقلتُ إلى المحكمة المدنية في حلب وتم الإفراج عني بعد سنتين دون أن أعلم سبب تهمتي. لم يعد يثير اهتمامي شيء، عدت إلى الجامعة و نلت درجات عالية في الفصل الأول لكني تركتها.

وحيدًا أجلس في غرفتي لساعات بستار مسدلة وأبواب مغلقة بلا مفاتيح، أتمرن على برامج “الثري دي” دون أن أكلم أحدا، ربما فقدت لغة التواصل، طوال الوقت أشعر بالبرد، لا شعورياً أحسب موضع جلوسي ونومي بالسنتيمتر، ربما ضاع إحساسي بالمكان، وحتى الوطن بين داخل وخارج السجن.

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق