قلم توك

عندما التقيت مع بابلو اسكوبار

بقلم رئيس التحرير: أيهم صقر



الكورنيش البحري وبنهاية التسعينيات في مدينتي جبلة شهد لقائي الأول مع السيد بابلو اسكوبار ،الرجل لم ينتبه لرجفة سرت بجسدي في التعارف الأول فقد كان مشغولًا بسحب رجل من شعره خارج أحد المقاهي المشهورة بالمدينة.

دون وعي تركّز نظري على المسافة بين فمه الذي كان يزبد بشتائم يكيلها للرجل وكتفه، ثم امتداد يده وصولًا إلى شعر رأسٍ مدمى لجسد يزيد حجمه مرتين، عن حجم سكوبار. لكن للأخير هيبة ـ النسب ـ وسطوة السلاح الحربي الذي كان يحمله بيده الأخرى أداة تنفيذية لقاعدته الشهيرة (فضة أو قتل) وحوله رجال عصابته الذين وضعوا الرجل في صندوق سيارة “مفيمة” مطموسة النمرة، وغادروا بهيجان غرائزي مع بعض الرشقات النارية كإعلان سيطرة أسد شاب على مساحته في الغابة.

بابلو اسكوبار العاشق لكرة القدم لم يحرمني من طلته في لقاء ثاني خلال مباريات الدوري السوري عام 2001 ، الهجمة كانت في ذروتها لمهاجمي جبلة على المرمى التشريني حين دخل المنصة الرئيسية ورجاله المدججين بالسلاح بوجوههم الجامدة الخالية من الحياة يراقبون الجمهور الذي بدأ بهتافات الفداء بدمائهم وأرواحهم لاسكوبار الصغير ولزعيم (الكارتل _ cartel) الذي يراقب أليات سيطرته على الساحل السوري من قصره المطل على العاصمة السورية المظلومة فيحمي ـ ابن العم الصغير ـ مهما ارتكب من جرائم وأخطاء وتجاوزات لأن الشعب “همج” ووجب من يضبطهم لربما عطلوا مسيرة التصحيح والتطوير والزود عن حدود الوطن، فهي مطيات إدارة الغنائم الكبرى.

بابلو قبل عام 2011 كان نجم الساحات على امتداد الساحل السوري، سيطر ـ بمعيةـ العراب الراعي على التهريب والتجارة والاستيراد والتصدير والتعمير ولقمة العيش والكرامة، كان الحاكم العسكري لبقعة جغرافية ساحرة تطل على المتوسط فتصلح أن تكون (سانتوريني) أخرى.

بالمناسبة السيد اسكوبار وطني وجامع لم يكن يومًا طائفيًا كما يُتهم في الساحل السوري. ففي حين اعتبر أبناء القرى المحيطة بمملكته خدمًا وأتباعًا ومدجنة لحراسة الحامية، وضع يده بيد أبناء المدن فكانوا شركاء التهريب والتصريف والسمسرة وتبييض الأموال متبعًا نهج الزعيم الكبير في علاقته التاريخية مع علية العائلات الدمشقية والحلبية التي ترعى جلالته وجلالة ورثته، فطبق القاعدة في اللاذقية وجبلة وطرطوس وبانياس، وظهر أبناء البحر محدثي النعمة مدعي العراقة خواجات على مائدة بابلو المطبوخة بدم الفقراء من كل الطوائف في ساحلنا.

كما لم يكن بابلو لا ضليعًا ولا مهتمًا بمصطلحات غريبة على مسمعه كالرأسمالية والإمبريالية العالمية، بل على العكس فقد أرسل بعض أبنائه لدول معادية لحركات التحرر العالمية ومنهم من حصل على جنسيتها. وفي حادثة مشهورة لأحد أبنائه الذي يدرس في بلد إمبريالي كما يصفه العرّاب الكبير كان في إجازة عطلة الصيف بمزرعة اسكوبار الفاخرة وانفجرت به قنبلة أخذها من أحد الحراس ليتسلى بها وقُتل على الفور.


المفارقة أن الجميع كان يخاطب اسكوبار بمعلم أو أستاذ مع أنه جاهل بكل مكونات التعلم والتعليم، بل يجهل تمامًا بأن منزل مؤلف الثابت والمتحول أدونيس لا يبعد عن بيته كيلومترات قليلة، كذلك منزل الشاعر العظيم نديم محمد، وفي جولاته لتفقد انضباط الرعية مر الأستاذ مرارًا بـ”حصين البحر” دون أن يدري بأنه تجاوز قبر حاكم الأمل وأحد كتاب سوريا العظام سعدالله ونوس.

الأستاذ اسكوبار لا يعرف من هو “حيدر حيدر” ولا “بو علي ياسين” ولا “حنا مينا” ولا “هاني الراهب” وغيرهم …..الخ ، ثم لما يعلم من هم وماذا يفعلون وما قيمة ما يبدعون..؟

في حين أن زعيم ( الكارتل_ cartel ) هو المبدع الأول والشاعر الأول والكاتب الأول والمثقف الأول والقديس الأول والحامي الأول لكل “الاسكوباريين” على امتداد البلاد طولها وعرضها وبحرها، الذي نفذوا فيه آلاف عمليات التهريب غير الشرعية وبنوا المقاهي المخالفة على كورنيشه وسيطروا على موانئه من الباب للمحراب.

فالزعيم وصبيانه كإعلانات الانتساب للكليات الحربية التي تستقبل بشكلها الأكبر أبناء الجبال والجيوب الفارغة يسيطر على المنطقة برًا وبحرًا وجوًا، ويصون عن حماها حتى أخر قطرة من دمائنا وعرقنا وألمنا نحن أبناء الفرح والموسيقا والحياة. نحن رواد وصناع ساحات الأمل كمهرجان جبلة الثقافي والملاجة، نحن من أسسنا وشاركنا وحضرنا وروينا المعذبين من منابع الجمال، لذلك بتنا العدو الأول لبابلو اسكوبار الذي لا يملك صفاء أرواحنا ورغباتنا المشمسة.

ولعل ما يملكه فقط جعب وبنادق وأسلحة خفيفة ومتوسطة تعرفنا على كل أنواعها صغارًا في الثمانينيات والتسعينيات بساحات مدننا وقرانا في الجبال والساحل.

لقد حاربوا السماء بانتخابات العراب القائد بينما شاهد أبناء المدن السورية الأخرى هذه الأسلحة قبل عام 2011 بوثائقي الحرب الأهلية اللبنانية على قناة الجزيرة.

بعد عام 2011 بات اسكوبار أكثر فتكًا وبطشًا، فمواكب سياراته السوداء التي تخرج من نوافذها فوهات البنادق التي لم تغادر المنطقة على الإطلاق، تجول القرى والمدن والبلدات في استعراض لقوة الأسد سيد الغاب، لذلك فإنّ أي تحرك ضد سلطته يحتاج شجعانًا أو مجانين لتنفيذه، وبشكله الأكبر يحتاج إدراكًا من الأخر بأن بابلو اسكوبار بنى أسوارًا عليه تهديمها باعتباره خارج الحصن ليثق من في الداخل بأن القادم هو شريك حقيقي بوطن اسمه سوريا التي نريد ونحب وليس بابلو اسكوبار آخر أكثر فتكًا وبطشًا واقصاءً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق