قلم توك

هل نعاني من نقص في موارد العالم الطبيعية؟ مقال في نقد الرأسمالية

في ألمانيا يعيش حوالي 83 مليون نسمة يذهبون للتسوق بشكل يومي. نورما، ليدل، ألدي، ريفي، ماركت كاوف. خمس شركات مبيعات أغذية تسيطر على النسبة العظمى من السوق.

ماذا لو ضربت هزات اقتصادية هذا القطاع؟ كيف ستحكم قوانين الرأسمالية الحلول اللازمة للتطبيق؟ بالطبع لن يكون إمداد السكان بالطعام هو الهم الأول وإنما حسب قانون الرأسمالية الأساسي الأولوية ستكون للربح. وهنا سأترك لكم توقع ماذا سيحدث في هذه الحالة.

الجامعات الأوروبية وحسب العرف العالمي هي من أعظم الجامعات العالمية. عندما نسمع بأن شخص ما يعمل بصفة بروفيسور في جامعة السوربون أو كامبردج سوف يتبادر على الفور لأذهاننا الإنطباع التلقائي : كم هذا الشخص عظيم؟

وهنا يكمن السؤال التالي

هل ستشفع لهم عظمة مركزهم العلمي وسيتم الاعتراف بجامعتهم ؟

بالطبع لا. الديالكتيك الماركسي يا أصدقائي ممنوع من التداول بشكل رسمي ضمن الجامعات الأوروبية ومن النادر أن يتم تمويل أبحاث في هذا الإتجاه فما بالكم السماح لجامعة بأن تتبناه.

هم فقط يتحدثون وبكل وقاحة عن عظمة كارل ماركس في صفحات كتبهم الجامعية من دون السماح باعتماد الديالكتيكية كمنهجية للبحث. يحصل هذا على الرغم من أنه في كل مدينة ألمانية يوجد شارع أو ساحة بإسم كارل ماركس.

هذه هي الديناميكية الرأسمالية التي تقوم على إفراغ المفاهيم من مضامينها الثورية بطريقة يتحول فيها كارل ماركس من فيلسوف إلى قديس و تتحول الماركسية من ديالكتيك إلى دين يتم اعتناقه من قبل أصحاب الجمود العقائدي المؤدلجين في المدرسة الستالينية لتبقى قناعات الشعوب تصب بأنه لا يوجد بديل أفضل من الرأسمالية .

من المهم جداً في هذه المنظومة أن تكون جميع الجامعات ضمن إطار الوجودية القائمة للمجتمع العالمي الحالي من أجل تخريج أجيال تبقى ضمن إطار الوعي المحدد بهذا الوجود. ماذا يعني ذلك؟ نستطيع هنا تقديم مثال بسيط.

في جميع جامعات العالم يتم تعريف علم الاقتصاد بأنه العلم الذي يدرس الجانب الاقتصادي من النشاط الإنساني في مجتمع ما وزمان ما والغاية منه إيجاد حل للمشكلة الاقتصادية المتمثلة بالحاجات الإنسانية المتزايدة و الموارد الطبيعية المتناقصة.

وهنا أريد الانتقال إلى الفقرة التالية التي سأناقش فيها بديهية قائمة من بديهيات علم الاقتصاد وكيف يتم زرعها في عقولنا من أجل تقبلها وكأنها حقيقة مطلقة.

هل فعلاً الحاجات الإنسانية متزايدة و الموارد الطبيعية متناقصة؟

إذا ما بدأنا من الحاجات الإنسانية علينا أولاً التطرق إلى الهرم الذي وضعه عالم النفس الأمريكي إبراهام ماسلو ضمن ورقته البحثية التي تتحدث عن النظرية النفسية المسماة نظرية تدرج الحاجات.

يفترض ماسلو أن الحاجات أو الدوافع الإنسانية تنتظم في تدرج أو نظام متصاعد من حيث الأولوية أو شدة التأثير، فعندما تشبع الحاجات الأكثر أولوية أو الأعظم حاجة وإلحاحاً فإن الحاجات التالية في التدرج الهرمي تبرز وتطلب الإشباع هي الأخرى.

هنا يبرز وبشكل واضح دور التسويق. التسويق الذي يقوم باستخدام الحالة النفسية للإنسان و إيقاظ رغبات في داخله والتي ستتحول مع الوقت إلى حاجات يبحث عن إشباعها ولكن في حقيقة الأمر يوجد ماهو منطقياً أهم منها للإشباع، وإنما التحفيز النفسي الذي يقوم به المزيج التسويقي يجعلها أولوية لهذا الإنسان.

هذا التسويق الذي الهدف منه زيادة الإستهلاك الذي سيؤدي إلى زيادة الربح الرأسمالي أي هو فقط يراكم حاجات بشكل غير منطقي للإنسان بهدف زيادة الربح الرأسمالي.

من جهة أخرى، فإن الموارد الطبيعية غير متناقصة وإنما على العكس تماماً. فالعلم والتكنولوجيا يفتحون لنا وبشكل يومي مصادر طاقة وثروات جديدة.

فقد عرف العالم الطاقة الشمسية وطاقة الأمواج وطاقة الرياح وغيرها الكثير من أنواع الطاقة التي من الممكن أن تجعل تكاليف المواصلات متناهية إلى الصفر ومع ذلك لم نشهد أي قيمة مضافة على مستوى الرفاهية. وهنا أحببت أن أشارككم قصة حدثت معي شخصياً في ألمانيا.

كنت أجلس مع أحد المدرسين القدماء في سيارته ونقوم بجولة في ريف المدينة التي أعيش فيها. لفت انتباهي العدد الهائل من العنفات الهوائية المستخدمة لتوليد الكهرباء والموجودة على جوانب الطرقات وجميعها كان متوقف عن العمل. سألت بغرابة! لماذا كل هذا العدد من العنفات التي لا تعمل؟ فكان الجواب بأنه يوجد لدينا فائض من الكهرباء.

لماذا علينا إذاً دفع 100 يورو شهرياً رسوم للكهرباء طالما يوجد لدينا فائض؟ كان هذا سؤالي الذي سألته ولم يجد له جواب منطقي يتم طرحه بالصحف أو من خلال التلفاز أو أي وسيلة ثقافية أخرى.

بالطبع، فلن يأتي أحد على مفهوم أن الندرة في عالمنا هي حالة مصطنعة وليست طبيعية والغاية منها الإبقاء على البشر في حاجة لامتلاك النقود كوسيلة للعبودية الحديثة.

القيم الثقافية و الاقتصادية كعامل مساهم في استمرار المنظومة الرأسمالية

في كل عام تشهد كل من إيطاليا وإسبانيا مهرجانات تسمى مهرجان البندورة ومهرجان البرتقال. هو تقليد شعبي يقوم فيه المشاركون برمي بعضهم بالبرتقال والبندورة مستهلكين بذلك آلاف الأطنان من كلا المادتين بتقليد يراه النسبة العظمى من البشر بأنه حالة طبيعية وحاجة عند الإنسان.

آلاف الأطنان يتم إتلافها في تقليد أعمى ليعاود نفس الأشخاص شرائها بقيمة 2 يورو للكيلو الواحد طوال السنة. يتم كل عام إتلاف آلاف الأطنان من الموز بحجة عدم المطابقة للمواصفات العالمية والتي يعتبرها أيضاً النسبة العظمى من سكان هذه الأرض بأنه إجراء طبيعي بالوقت الذي يموت فيه كل دقيقة إنسان من الجوع حول العالم.

هذه القيم التي تقوم على جعل معروض السلع أقل من أجل المحافظة على سعرها بحجة الندرة هي الأساس التي تقوم عليها الرأسمالية.

نحن في عالمنا لا نعاني من الندرة وإنما نعاني من عدم كفاءة استخدام وتوزيع الموارد وكذلك الأمر احتكارها من أجل الإبقاء على سعرها ثابتاً لضمان استمرار الأرباح.

بكل بساطة القيم الرأسمالية تقوم بتحويل الموارد إلى نقود وأي ربح إضافي يتطلب زيادة في الاستهلاك وبالتالي نقصان متزايد في الموارد.

فهو الذي يزيد الحاجات عن طريق التسويق و الذي يزيد من استهلاك مواردنا من أجل تعظيم الربح الرأسمالي وهو الذي يقوم بنفس الوقت أيضاً باحتكار السلع والموارد من أجل الإبقاء على سعرها مرتفعاً لتحقيق ربح أعلى وسيطرة أكثر على الموارد.

هنا تكمن خطورة هذا النظام على كل من البشر والطبيعة و كرتنا الأرضية بشكل عام. و سوف أختم مقالتي بفكرة حصلت ليست من بعيد. لو كان فعلاً النفط نادراً لماذا أصبح سعره سالب 40 دولار للبرميل خلال أيام؟

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق