السلايد الرئيسيحصاد اليومقراءات نقدية

تمثيل العفوية في بيت الكلّ

وديع فرح

ملاحظة:
تسعى هذه القراءة إلى نقد المحتوى الإعلامي في برنامج “بيت الكلّ” اللبناني معتمدةً على الأدوات الأكاديمية; وليس الهدف منها الإساءة لأيّة شخصية عامّة أو فنّان أو كاتب أو جهة منتجة، وإنما هي محاولة لفهم المحتوى بحسب التصنيف الإعلامي الذي ينضوي تحته كبرنامج للقاءات التلفزيونية.

أودّ في مقدمتي هذه أن اتجرّد قليلاً من عبء النقد وأدواته، وأحكي عن الصدفة التي حملتني لمشاهدة هذه الحلقة من هذا البرنامج بالذات، الذي كان من الصعب ملاحظته لولا الحجر الصّحي الذي أنا فيه.

بدا عنوان الحلقة واضحاً تماماً لا لبس فيه: “ناصيف زيتون في بيت الكلّ. وأنا كمشاهد، له حقّ الاختيار بحسب العنوان، توقّعت أن أرى حواراً تلفزيونياً مع ناصيف زيتون، إلا أنّ ما رأيته، في أوّل 20 دقيقة من البرنامج على الأقلّ، كان حواراً بين معدّي البرنامج والمقدّم “عادل كرم” فيه يروّجون لفيديو كليب جديد سيعرض للمرّة الأولى على قناة M.T.V بطريقة كوميدية مبتذلة!، ولمّا تأكّدت من أنّ ما أراه حدث فعلاً قرّرت مشاهدة الحلقة للنهاية. وكانت من بَعْد، هذه القراءة.

لم يعد مهمّاً اليوم إن كنتَ فنّاناً أو أديباً أو مغنّياً أو عالماً أو سياسياً لتظهر على الشاشة وتكون خصوصيتك مادة إعلامية دسمة بالنسبة للمتلقي; وإنما يكفي أن تكون مُتابعاً من مئات الألوف على وسائل التواصل الاجتماعي لتحجز لنفسك دوراً في كلّ برنامج أو (عرس) إعلامي. وبذلك يتمكّن الممثّل من تقديم البرامج، والمغنّي من التمثيل، وفي المستقبل، الطيار من المعالجة الفيزيائية، ولاعب كرة السلّة من الرئاسة.

تمثيل العفوية في مسرحيات هزلية ..

بعد العشرين دقيقة التي حدّثتكم عنها في المقدّمة دخل المغنّي ناصيف زيتون إلى الاستيديو وجلس بجوار عادل كرم، سأل الأخير ضيفه بضعة أسئلة عن ملايين المتابعين على التويتر، وعن أغانيه الجديدة وأصداءها، وعن التوزيع الموسيقي وما إلى هنالك بما يتعلّق بألبومه الجديد، ولكن لأنّ البرنامج يحاول أن يضع الضيف في (منزله)، ولأنّه خليط عجيب من الكوميديا العنيفة والغناء والتمثيل; فكان لزاماً أن ينزل من الطابق الثاني من هم بمثابة أولاد المنزل/ الاستيديو (أديل وعبّاس) ليضيفوا الخلطة السحرية للبرنامج.

قرّر عبّاس، ((مقدّم مساعد أو ما شابه!))، أن يبيع أغنية على الهواء لناصيف زيتون، أمّا زيتون فبدا كأنّه ليس لديه علم بهذه المتاجرة (الكوميدية)، أو هكذا أوحى لنا على الأقلّ، وامتد مشهد البيع الكوميدي هذا إلى ربع ساعة، وبعد انتهاءه نكتشف بأنّ ناصيف زيتون حافظاً الأغنية التي (لم يكن يعلم فحواها)! عن ظهر قلب، ومن ثمّ أدّاها للجمهور خير أداء، أمّا عبّاس فبقي مذهولاً يشير إلى زيتون ناحية الورقة مذكّراً إياه بأنّ عليه أن يقرأ من الورقة لا أن يغنّي من بُناة عقله.

عادل كرم – عباس- أديل

وفي لقطة أخرى، دخل أديب، مدير الاستيديو والمشرف على الجمهور، إلى صالة الاستيديو ضمن كادر الكاميرا، وقاطع البثّ (الذي لم ينقطع عن البثّ) وطلب من عادل كرم السماح له بإدخال ثلاث فتيات لالتقاط صور مع الفنّان، فرفض كرم متعذّراً بالبثّ، وبعد 5 دقائق، دخل أديب مجدّداً برفقة ثلاث فتيات مقاطعاً البثّ (الذي لم ينقطع عن البثّ)، استأذن من عادل كرم أن يدخلهن لالتقاط الصور، فسمح لهن الأخير بذلك، ولكنّهن اتجهن إلى عبّاس عوضاً عن ناصيف، فتضاحك الجمهور بإيحاءٍ وإيعاز من أديب على (الكوميديا المصنّعة) من لُدن المخرج والمُعدّين.

إنّ برنامج بيت الكلّ ليس برنامجاً حوارياً بمعنى الكلمة، فهو يخلط بين الكوميديا والحوار والغناء، ولكن يُفترض بالكوميديا التي يقدّمها أن تكون عفوية; لأنّ هوية البرنامج تبني وفقاً لذلك من خلال:
الإسم: (بيت الكلّ) والذي يشير إلى الراحة والاستقرار المنزليين وبالتالي العفوية.
الديكور: وهو استيديو يضم صالة جلوس مكوّنة من أرائك وطاولة منزلية، إضافة إلى مطبخ ومائدة طعام، وطابق ثانٍ في الأعلى، ما يشي بأنّه منزل.
الفقرات: دخلة يَقرع فيها الضيف الباب كأنّه منزلاً، جلسات منزلية بلغة عفوية وأسئلة أقرب للشخصية منها للموضوعية، عشاء نهاية الحلقة كما هي نهاية الزيارات الصيفية بين الأهل والأقارب.

إذاً فعناصر هذا البرنامج تتكامل لتعطي انطباعاً راسخاً بعفويته لدى المُشاهد; لذلك يعتبر تحضير النصّ، في ما عدا الحوار مع الضيف، بمثابة استخفاف بعقل المشاهد من جهة، وخيانة للأمانة الإعلامية من أخرى، وتحويل البرنامج إلى مسرحية دعائية وهزلية غرضها إضحاك المشاهد عوضاً عن إمتاعه عبر حوار شيّق مع الفنّان الذي اختار أن يشاهد البرنامج من أجله، وتسخير الضيف لخدمة هذا الغرض تدلّل على ما مدى نفعية هذا البرنامج وتخلّيه عن روح اللياقة المهنية.

وأود أن أَذكُرَ هنا أنّ جريدة ” نوّرت” سرّبت صورة لناصيف زيتون وعبّاس الجعفر وهما يتدربان على نصّ (المسرحية الهزلية) قبل البثّ. (1)

صورة مسربة عباس وناصيف/تحضير سيناريو

اعتمد برنامج بيت الكلّ، شأنه في ذلك شأن البرامج المشابهة لنوعه، على عدوى الضحك، التي يعرّفها الباحث العراقي “ضياء مصطفى”، في كتابه “السخرية في البرامج التلفزيونية”، على أنّها:


“من المظاهر المرضية للضحك وهي العدوى التي تنطوي على جوانب مرضية خاصّة بالضحك، تتعلّق بالبعد الاجتماعي الذي قد يتجاوز أحياناً حدود المنطق والعقل بحيث يذوب العقل الفردي في حدود العقل الجمعي” (2)

ونقل عدوى الضحك في “بيت الكلّ” هي مهمّة أديب، الرجل الذي يوعز للجمهور بوجوب الضحك على كذا أو التصفيق لكذا، ما يفضي إلى موجة من الضحك تسبّب هذه العدوى للمشاهد، من على بُعد، في منزله.

ومن ميّزات البرنامج التلفزيوني ((الساخر))، بحسب ضياء مصطفى:
” أن يكون برنامجاً يحمل رسالة اتصالية ذات شكل ومضمون درامي أو لا درامي أو كليهما معاً عبر وسيلة الاتصال (التلفزيون) يهدف إلى نقد الظواهر الحياتية سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية لدى الأفراد والمؤسسات ومقاومتها لأغراض رقابية وتحذيرية وتقويمية وترفيهية بأسلوب يثير الضحك أو السخط أو كليهما معاً لدى المتلقي.”.(3)

وللأسف فإنّ هذا ما ينطبق على برنامج بيت الكلّ (الذي يفترض به برنامجاً حوارياً)، فهناك خطّ درامي (صراع) يدور بين أديل وعبّاس، وآخر بين أديل وعبّاس من جهة وعادل كرم من جهة أخرى (الفقرة الافتتاحية في البرنامج)، كما يستعمل البرنامج النكات الاجتماعية العنصرية بهدف الترفيه، إضافة لتصويره مواد خاصة بالبرنامج غرضها الأساسي الكوميديا، وأيضاً القصص الكوميدية التي يحضّراها كلّ من أديل وعبّاس خصيصاً لتقديمها في البرنامج.

لذلك فالبرنامج يستعمل التمثيل عوضاً عن العفوية، والترويج عوضاً عن طرح الأسئلة الجدّية، والفكاهة بدلاً من مناقشة القضايا الفنّية، ولكنّه يقوم بكلّ ذلك تحت عنوان وأسلوب حواري لا يمكن تعريفه في حقل الإعلام.

واسمحوا لي هنا أن أثير سؤالاً دون أن أجيب عنه: هل “بيت الكلّ” برنامج حواري أم صفقة فيها يتبادل الضيف مع المحطة مصالح مشتركة; كأن تسوّق القناة للألبوم الجديد للضيف مقابل تسويق الضيف لبرنامجها؟
وسؤال آخر أود الإجابة عليه في معرض قراءتي: لماذا تتصدّر هذه البرامج الهجينة مشهد الإعلام في المنطقة العربية؟ ولربّما في العالم بأسره؟

التأرجح على الشاشة.. عادل كرم من الكوميديا إلى الابتذال

وثب الممثّل اللبناني عادل كرم من الأدوار التي تحمل طابع البساطة في البرنامج الكوميدي الساخر “S.L.CHI” مع ثلّة من نجوم الشاشة الصغيرة، إلى أبرز مقدّمي البرامج في الوطن العربي، بحسب ما تخبرنا به الأرقام المتحكّمة في سوق الإعلام اليوم، فما الذي ميّزه؟

ليست مصادفة أنّ مجمل أعمال كرم الكوميدية والإعلامية هي من توقيع الكاتب “ناصر الفقيه” كـ(لا يُمل – مغامرات أبو رياض – خدنا بحلمك – ما في متلو – هيدا حكي – بيت الكلّ). فيمكن لأيّ مشاهد، إذا ما تابع هذه الأعمال الآنفة، أن يلاحظ بسهولة اعتماد فقيه في كوميدياه على الموضوعات الأشدّ حساسية في المجتمع اللبناني: السياسة، والدين، والجنس. فثمّة مثلاً لوحات “مجدي ووجدي” التي تحمل جملة من الإيحاءات الجنسية، وهناك أيضاً لوحات “تقليد السياسيين” التي تسلّط الضوء على سمات الشخصية للشخصيات السياسية الأبرز في لبنان، ولأنّ هذه الكوميديا كانت تندرج تحت مسمّى “عروض كوميدية” فكانت مقبولة إلى حدّ معيّن ضمن هذا التوصيف والتحديد.

إلا أنّه مع انتقال هذه الكوميديا بعناصرها الفجّة والمباشرة إلى الإعلام (حقل رأسماله أساساً الشفافية والجدّية)، لم تعد مستساغة وخاصّة تلك التي تنضوي على نكات عنصرية ومناطقية وطائفية، إلا أنّ كرم لم يمانع حصاده لعدد أكبر من المتابعين والمحبّين، حتى ولو بدا لهم آنذاك متخبّطاً بين اللوحات الكوميدية لفقيه، والبرامج التلفزيونية.

ووصل كرم، بمساعدة قلم فقيه، إلى أوجّ خطاباته العنصرية والإباحية في برنامج (هيدا حكي) الذي كان على شفير إنتاج أزمة بين الشعبين الكويتي واللبناني على خلفية تشهيره ومهاجمته للمطربة الكويتية المشهورة “أحلام” على مدار شهرين. كما رفعت المطربة أحلام العديد من الدعاوى القضائية على عادل كرم ممّا أجبره على الاعتذار والتعهّد بعدم الإساءة إليها في برامجه قط.

واضطر فقيه بدوره أيضاً للاعتذار من النائبة بهية الحريري، بعد رفعها لدعوى قضائية، وقطع أنصار الحريري طريقاً في صيدا بالإطارات المشتعلة احتجاجاً على ما جاء به الفقيه في إعداده وكتابته.

ولا نُغفل هنا التحويرات اللغوية ذات الإيحاء الجنسي التي كان يقدّمها هذا البرنامج، وربّما كان أبرزها وأكثرها استفزازاً التسمية التي أطلقها كرم على المنطقة اليمنية الواقعة في ضواحي صنعاء “جبل النهدين” صانعاً منها نكتة جنسية دونما اكتراث بالدماء التي كانت تسفك في تلك المنطقة آنذاك.

فلماذا أصبح خطاب الكراهية والعنصرية والمناطقية والنكات الجنسية السمجة هو الخطاب الأكثر تأثيراً وانتشاراً على القنوات العربية؟ ثمّ لماذا تتصدّر هذه البرامج الهجينة مشهد الإعلام في المنطقة العربية؟ وكيف يتحوّل الممثّل بين ليلة وضحاها إلى مقدّم؟

يبدو أنّ العودة لعالم الاجتماع البولندي _البريطاني سيغموند باومان، عودة لا مفرّ منها للكشف عن ظواهر هذا العصر الذي نشهد فيه تسيّل وتميّع لكلّ المعايير والأخلاق التي كانت تحكم وتوجّه الرأي العام بما لا يتناقض والكرامة والاحترام الانسانيين.

عالم الاجتماع البولندي _البريطاني سيغموند باومان

يعزو باومان صعود فئة “المشاهير” كالممثّلين والمقدّمين والكوميديين على أعلى قمم الهرم الاجتماعي إلى تسيّد ثقافة الاستهلاك عوضاً عن الإنتاج في المجتمعات المعاصرة (السائلة); فلم يعد البطل المنتصر أو الشهيد المضحّي بإمكانه شغل ذلك المكان الطبيعي في المجتمع كرمز للنضال والكفاح والمقاومة، فهذا المجتمع، بحسب باومان، يحتاج إلى نوع جديد من الرموز; وإذ بهم المشاهير.

لقد كانت الشهرة في المجتمعات المنتجة والصلبة ترتبط بالأبطال والشهداء والعظماء والعلماء والمفكرين، أمّا في مجتمعات اليوم لم تعد نتيجة لأفعال بطولية في سبيل قضية معيّنة، إنما هي عملية اشتهار بحدّ ذاتها; بحيث يطول الكلام عن الأمور شخصية أو الهوايات أو حتى مشاركة آراء قد تكون جارحة للبعض ولا يمكن أن تهمّ أياً من المشاهدين; لكنّهم مضطرون أو مجبرون على الاستماع لها بل والتكلّم عنها فقط بسبب خروجها من فمّ أحد المشاهير.

إن فئة المشاهير كما يصفها لنا باومان:
” تمثّل مادة لاصقة تربط بين اشتات الناس، إنّهم (المشاهير) في هذه الأيام يمثّلون العوامل الرئيسية التي تولّد الجماعات، فهم ليسوا جماعات متخيّلة فحسب، كما في مجتمع العصر الحديث الصلب، بل وخيالية مثل عالم الأطياف، والأهمّ أنّها جماعة مفكّكة وهشّة ومتقلّبة وزائلة… فالحداثة هي موطنها الطبيعي.” (4)

ومن البديهي أن تكون عبادة المشاهير من أبرز سمات هذه المجتمعات السائلة، فالمشاهير يستطيعون بكلمات سريعة وجمل قصيرة، بغض النظر عن أهدافها، ترسيخ قيم الإشباع الفوري والسعادة الفردية. وبلغة باومان:

“لا مكان للشهداء أو للأبطال في المجتمع الاستهلاكي السائل الحديث (…) لأنّ هذا المجتمع يحارب ضدّ التضحية بالملذّات الحاضرة في سبيل الغايات البعيدة (…) ويشكّك في قيمة التضحية بالملذّات الفردية باسم مصلحة الجماعة أو في سبيل “القضية”، بل إنّه ينكر وجود قضايا تفوق أهميتها إشباع الرغبات الفردية.”(5)

وإنّ كرم لم يعد بهذا المعنى مجرّد فنّان، ولكنّه تحوّل، مثله كمثل المئات من فنّاني العرب، إلى (مشهور) يؤدّي دوره كمشهور أكثر من أدائه للكوميديا أو التقديم التلفزيوني أو التمثيل المسرحي، وهذا الدور لا يتطلّب مهارة بالقدر الذي به يتطلّب جرأة في طرح الموضوعات المبتذلة أو التشهير بأحدهم أو طرح النكات والتوريات الجنسية التي تعدُّ ممنوعة في معظم القنوات والبلدان العربية; وبالتالي إشباع آني للجماهير التي تتعطّش إلى مثل هذه المواد بالغة الأثر على الصعيد الترفيهي.

ولأنّ المسلسلات والعروض الكوميدية تبدو محلية إلى درجة بعيدة بحسب الموضوعات المطروحة، فإنّ البرامج لها قدرة أكبر على الانتشار عربياً، وبمزيج بسيط بين الحبكة الدرامية للوحة الفكاهية والتقديم اللامهني للبرامج يمكن جذب ملايين المشاهدين العرب المحرومين بسبب الرقابة الاجتماعية والإعلامية الصارمة في بلادهم من مشاهدة هذه المواد الهزلية والمستخفّة بعقول البشر. وكلّ ذلك طبعاً مدعوم بالثقافة الاستهلاكية التي يتمّ الترويج لها على مدار الساعة في هذه القنوات الحاضنة; ممّا يفسّر لنا كونها مستساغة بالنسبة إلى شريحة ضخمة من المشاهدين العرب.

عنف الكوميديا والخطاب في بيت الكلّ

وبعد انتهاء عبّاس من نصّه الممثَّل مع ناصيف، يجيء الدور على أديل التي بدورها تروي قصّة مُعدّة مسبقاً عن دعوة “أنابيلا هلال”، ملكة جمال لبنان سابقاً ومقدّمة برامج حالياً، لها إلى حفل في منزلها; مُسخّرةً في قصّتها أسوأ تعبيرات الطبقية والمناطقية بهدف خلق الكوميديا، فتحكي أديل، أو بما معناه، أنّ الحفل الذي دُعِيَتْ إليه كان مخُملياً أكثر ممّا توقّعت، فعند وصولها البوابة تلقفها شخص ليأخذ بسيارتها حتى يركنها طالباً منها ذلك بكلّ لطف، ولمّا أكملت طريقها صاعدة الدرج المؤدّي إلى المنزل فإذ بعازف بيانو يعزف مقطوعة كلاسيكية لبيتهوفين وحوله يتحلّق المدعوون منصتين بانتباه وبين أيديهم الشامبانيا الفاخرة، وهذا، على حدّ تعبير أديل، كان كثيراً على فتاة قروية تتكوّن صورة الحفل في ذهنها من عود و كأس من العرق.

أنابيلا هلال وأديل

ولم يكتفوا معدّي البرنامج بالطبقية وربطها بمناطق معيّنة في البلاد ولكن كان لزاماً إضافة الطائفية والتحرّش لهذا الخليط المقزّز من الكوميديا، فُعقب انتهاء عبّاس من مشهد مشابه لمشهد أديل، طلب منها كأس ماء، فقامت الأخيرة لإحضاره، وبطريق عودتها ألمحَ لها قائلاً: “قعدي هون مش ع حرجه” مشيراً لناصيف زيتون!.

أمّا لتكريس الصورة النمطية للعائلة الشيعية في لبنان; يستغلّ عبّاس حديث أديل عن أخوة زوج أنابيلا التسعة فيقول: “شو شيعة هوي؟”، يطغى صوت أديل، فيُصْمِتُها عادل كرم ويقول لعبّاس: “شو قلت؟ عيد عيد”، فيعيد عبّاس الجملة ذاتها، فيتضاحك الجميع، وتمضي الحلقة كأن شيئاً لم يكن.

ولكن كيف تؤثّر هذه الكوميديا علينا كمشاهدين؟

إنّ ما يقدّمه “بيت الكلّ” من خطاب إعلامي مسوّغه الكوميديا ليس بظاهرة جديدة كليّاً، فبعد تحقيق حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية (Civil rights movement) 1954 _ 1968 أهدافها في إنهاء الفصل والتمييز العنصري القانوني في أمريكا، تحوّلت الخطابات العنصرية والأحكام المُسبقة في المجتمع الأمريكي إلى شكل أُعتبر مُراوغاً وماكراً في آن، فصار من الصعب على ممتلكي الأحكام المسبقة والأفكار العنصرية اتجاه العرق أو اللون أو الجنس أو الدين التعبير عن ذلك علانيةً (6)، ما حدا بالبعض لاستعمال النكات تعبيراً عن هذا الحُكم أو تلك الفكرة العنصرية أو الطائفية.

عباس وناصيف زيتون

لكن ذلك لم يمنع رواسب الضغينة المتبادلة بين الفئتين (السود والبيض) وإنما أخفاها ولطّفها; ولذلك كثيراً ما تسبّبت حفلات الراب أو العروض الكوميدية بمشاجرات جدّية بين الطرفين.

وهنا يأتي دور النكتة العنصرية، فتؤكّد دراسة نُشرت في جامعة ميشيغين الأمريكية، أنّ هذا النوع من النكت يساهم في تشجيع الأشخاص العنصريين من التعبير عن عنصريتهم بشكل مقبول مجتمعياً تحت ذريعة ((المزاح فحسب)) ممّا يؤدي إلى تطبيع العنصرية أو الطائفية(7).

وفي دراسة أخرى وجد الباحثون أنّه من الممكن للرجال المتحيّزين جنسياً اتجاه المرأة أن يكونوا أكثر تقلّباً للتحرّش الجنسي ضد المرأة عند سماعهم لنكات تنضوي على إساءة لها.(8)

ولبنان بلد عاش تحت ظلّ الحرب الأهلية مدّة، عانى خلالها الشعب اللبناني من الخوف والحقد الطائفيين، ولا بدّ أنّ إثارة هذا النوع من النكات ذات الطابع الطائفي سيولّد نوعاً من الضغينة في قلوب الفئة المهاجمة، خاصة وإن كانت هي المقصودة دون غيرها، وفي ذلك رأينا حادثة إشعال الأُطر البلاستيكية في صيدا، احتجاجاً على ما أتاه (هيدا حكي) من إساءة على النائبة بهية الحرير، التي لم تكن كفيلة بردع فقيه وكرم عن ممارساتهم (الكوميدية) ضد مناطق وطوائف وشخصيات بعينها.

وختاماً لا بدّ من القول بأنّ الكوميديا ضرورة حياتية تعبّر عن كبوتاتنا النفسية وتسهّل من التآلف المجتمعي وقبول الآخر; إلا أنّها إذا كانت موجّهة أو مقصدية فبإمكانها أن تفضي إلى خلافات مجتمعية تنتهي بممارسة العنف والأذية الجسدية بين الأطراف المتنازعة، وهذه هي الكوميديا التي لم تقبلها قراءتنا في “بيت الكلّ” وبالتالي كانت موضوعَ نقدنا.

المصادر:

(1):https://www.nawaret.com/%D9%81%D9%86/%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%81-%D8%B2%D9%8A%D8%AA%D9%88%D9%86-%D9%8A%D8%B4%D8%B9%D9%84-%D9%85%D9%88
(2): السخرية في البرامج التلفزيونية، ضياء مصطفى، طبعة عام 2014، صـ 166
(3): السخرية في البرامج التلفزيونية، ضياء مصطفى، طبعة عام 2014، صـ27
(4): الحياة السائلة، سيغموند باومان، ترجمة: حجاج أبو جبر، الطبعة الأولى 2016، صـ 78
(5): الحياة السائلة، سيغموند باومان، ترجمة: حجاج أبو جبر، الطبعة الأولى 2016، صـ 74
(6):https://journals.sagepub.com/doi/full/10.1177/0957926513482066?casa_token=vmwWzcscpuk AAAAA%3AJRRTm7BBk005NYYorEPrvKY75dLRAzJkXSOSDZNWb1FsASIb2HQH_HVDXcThuSOPfCzkd6ahCR0
(7): https://journals.sagepub.com/doi/10.1207/S15327957PSPR0801_4
(8): https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1002/ejsp.56

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق