سوريانا

دير الزور.. لؤلؤة الفرات وماسة الحضارات

الاتحاد برس _ المحرر الرئيسي

ورد في التاريخ أن الحضارات العظيمة لا تتموضع إلا على ضفاف الأنهار العظيمة، وعلى ضفاف نهر الخلود كما يسميه السومريين في الشرق السوري تعتبر مدينة دير الزور أيقونة الحضارات القديمة التي اختزلت حضارات بأكملها

وذلك بسبب موقعها على نهر الفرات الذي له شهرة مستفيضة في العصور القديمة واستوطنت سهوله حضارات كبيرة كالسومريين والبابليين والفرس والرومان والعرب.

وتضم منطقة وادي الفرات الشمال والشرق السوري ما يقارب 2800 تل أثري وتحوي مدينة دير الزور ما يقارب800 تل أثري بحسب الباحث الأثري الفرنسي بيير لو ريش تتوزع هذه التلال ضمن أطار المحافظة وتعتبر من أوائل الحضارات التي قامت منذ فجر التاريخ ومهد الإنسان القديم الذي عاش في أحضانها منذ أكثر من تسعة الاف سنة قبل الميلاد ودونها التاريخ في العديد من القلاع الشامخة الموجودة ليومنا هذا واللقى والمكتشفات الأثرية

التسمية

اختلف المؤرخون في أصل تسميتها، فمنهم من قال –كياقوت الحموي– إنها “دير الرمان” لكثرة الرمان فيها، ومنهم من قال إنه اسم مركب من “دير” وهو مكان تعبّد الرهبان، و”الزّور” وهي الأرض المنخفضة المجاورة لمجرى النهر.

الموقع

تقع محافظة دير الزور السورية على نهر الفرات، في شرق البلاد، بالقرب من الحدود العراقية، ومركزها مدينة دير الزور، مساحتها حوالى 33 ألف كم مربع، وبلغ عدد سكانها حوالي مليون ونصف المليون نسمة.

وتقع المدينة على مسافة 432 كم شمال شرق دمشق، و320 كم جنوب شرق حلب، ويخترقها الفرات بفرعين: كبير على طرف المدينة، وصغير يمر من وسطها تقريبًا ويقسمها إلى جزيرة نهرية عائمة وهي منطقة (الحويقة)، وتمتاز بكثرة جسورها، وأهمها: الجسر المعلّق بناه الفرنسيون على الفرات في أوائل عشرينيات القرن العشرين.

دير الزور المدينة في عيون المستشرقين

ذكرها الرحالة الإيطالي (كاسبارو بالبي) وهو يصف رحلته التي بدأها بحلب متوجهًا إلى الهند عام 1579م، حين قال: (في المساء توقفنا عند الضفة اليمنى لنهر الفرات في مدينة تدعى (الدير)، وكانت تسمى قديمًا (ميناء السلسلة)، ويقيم في هذه المدينة سنجق تركي وقاضٍ، وهي عامرة بالسكان من رجال أشراف ونساء بارعات الجمال لهنّ بشرة بين بيضاء وسمراء، وهنّ أكثر جمالاً من أي موضع آخر في تلك الأرجاء، ويذكر أهلها أيضًا المؤرخ والرحالة (راوولف) بأنهم (جميلو الصورة).

وكانت الدير تسمى قديمًا بميناء السلسلة، وهذا الاسم اتخذ معناه من الصخور العظيمة التي تقطع النهر في أكثر من موضع، وهي أشبه ما تكون بالحواجز، ومن المؤكد أن هذه الحواجز قديمة.

الصناعة في مدينة دير الزور

تعتمد الصناعة في مدينة دير الزور على وفرة المنتجات الغذائيّة والحيوانيّة وتحويلها إلى أشكال ثانوية من الإنتاج، وفي المدينة عدة معامل وطنيّة تصنع كل من اللبن الرائب والجبن والسمن، وهي قطاعات صناعيّة تقليديّة فيها.

بينما القطاعات الصناعيّة التراثيّة في مدينة دير الزور التي حافظت على طبيعتها التراثيّة يوجد صناعة العباءة الديريّة وصناعات نسجيّة أخرى، إلى جانب الصناعات النحاسيّة اليدويّة مثل الصحون والقدور في سوق النحاسين، بالإضافة إلى صناعة الحلي في سوق الصاغة، وصناعة الفرو بالاعتماد على جلد صغار الأغنام المذبوحة حديثًا، أما الصناعات الثقيلة في المدينة في الغالب تكون معامل ضخمة تديرها الحكومة السورية.

ويوجد معامل خاصة بصناعة هياكل الحافلات، والشاحنات، والجرارات الزراعيّة في المنطقة الصناعيّة خاصةً، إضافةً إلى محالج القطن التي بدأ تأسيسها في عام 1966، وأكبرها شركة الفرات للغزل التي تأسست في عام 1979، وشركة سكر دير الزور المنشأة في عام 1981، بالإضافة إلى مصنع للأعمدة الخرسانيّة، ومصنع آخر لصناعة الورق، كما أُقيم في المدينة منذ الخمسينات مطاحن عدة للحبوب، وصوامع لتخزينها.

كما تأسست شركة الفرات للكونسروة من أجل تعليب كل من الخضروات والفواكه، ومن المعروف أن الصناعة في مدينة دير الزور تعتمد كثيرًا على ثروات المدينة والمناطق التي تحيط بها.

الاقتصاد

تعرف محافظة دير الزور بغناها بحقول النفط والغاز الأكثر غزارة في سوريا، واشتهر أهلها في السابق بالزراعة والتجارة لإطلالها على النهر ووقوعها في طريق القوافل التجارية التي كانت عبر التاريخ وسيلة تبادل تجاري بين مدن العالم وسكانه.

انتشرت فيها الصناعات الحديثة المعتمدة على المواد الأولية التي توفرها ضواحيها، وكثرت فيها معامل متنوعة الإنتاج، ولا تزال تحافظ على أسواقها التقليدية القديمة ذات السقوف المقوسة والمغطاة بالحجارة، مثل سوق الحبوب وسوق الهال وسوق التجار وسوق الحدادة وسوق الخشابين (النجارين) وسوق النحاسين وسوق الصاغة، وغيرها.

المدينة الحديثة

معظم من كتب عن تاريخ المدينة، وعلى الأخص السوريين، تحدّث عن المرحلة التي تكوّنت فيها مظاهر المدينة الحديثة من حيث الاستقلال الإداري والسياسي والجغرافي، ونظام الحكم، وارتباطه بالحكومة المركزية، وما إلى هنالك من المعايير الجيوسياسية إن صح التعبير.

لذلك يتفق الباحثون معظمهم على أن مدينة (الدير) الحديثة قد أسست على يد العثمانيين عام 1876 ، وذلك قبل أن تفصل سياسيًا وتنظيميًا عن ولاية (حلب) عام 1881م، لتغدو بعدها (متصرفية) تتبع مباشرة لإسطنبول (الأستانة)، فكانت مركزًا ومحطة مهمة عهد بشؤونها بادئ الأمر إلى (خليل بك ثاقب الأورفلي) بوصفه قائم مقام لدير الزور، فأنشأ فيها دارًا للحكومة، وثكنة عسكرية ومستشفى.

استمر هذا العهد 54 سنة تعاقب فيها 29 حاكمًا، أو متصرفًا، ثم احتلتها فرنسا عام 1921 وجعلتها مقرًا لحامية عسكرية كبيرة، وأصبحت في عام 1946 جزءًا من الدولة السورية المستقلة.

المعالم الأثرية

تحتضن محافظة دير الزور السورية معالم أثرية بين ربوعها، ومن أبرز هذه المعالم:

  • مدينة البصيرة: وهي مدينة أو تل أثري يبعد ما يقارب أربعين كيلومترًا عن مركز محافظة دير الزور، ويُذكر بأنّ أصوله تعود إلى العصور الرومانية والإغريقية، وهو بذلك أكبر تل أثري في المنطقة.
  • صالحية الفرات: وهي إحدى آثار حضارة دورا أوريس الواقعة بين بلدتي الميادين والبوكمال، وتستمد مسمّاها من نهر الفرات التي تقع على ضفافه.
  • البيت الروماني: ويطلق عليه أيضاً مسمّى المتحف الميداني ويضّم آثارًا تعود للعصور اليونانية، والرومانية، والفرنسية، والأوروبية، والتدمرية، وتم اكتشافه على يد بعثات أثرية أرسلتها سوريا، وفرنسا، وأوروبا، ويذكر بأنّ هذا المتحف مكوّن من خمس غرف مع ساحة كبيرة، ويعّد هذا المتحف المكتشف بمثابة نموذج لثلاث حضارات أو أكثر في بناء واحد.
  • متحف ضخم: يقع في المنطقة الشرقية من سوريا ويحتوي على غرفه وأكثر من خمسة وعشرين ألف قطعة أثرية، كالتماثيل، والتمائم، والمنحوتات وغيرها.
  • الجسر المعلّق ومطعم جرداق وهو مطعم نهري.

مملكة ماري                                                                       

يقع (تل الحريري) الأثري، الذي ضم آثار مملكة ماري، على بعد 11 كم شمال غرب مدينة (البوكمال) الواقعة على الحدود السورية الشرقية مع العراق، وأسست ماري في العصر السومري أواسط الألف الثالثة، وخضعت للحكم الأكادي في الربع الأخير من الألف الثالثة قبل الميلاد، ثم سكنتها القبائل العمورية التي أسست فيها مملكة ذاع صيتها، وامتد نفوذها السياسي وعلاقاتها التجارية مع بلاد الرافدين، ومدن البحر الأبيض المتوسط، وتعرضت للسيطرة البابلية، التي قادها الملك حمورابي في القرن 18 ق.م، إذ كانت تنازع عاصمته (بابل) تجاريًا وثقافيًا.

اكتشف آثار المدينة، العالم الفرنسي (آندريه بارو) في أواسط ثلاثينيات القرن الماضي، وقد اقترن اسمه باسمها، وكان اكتشافه لآثارها وقيمتها الحضارية الإنسانية، وقعًا عظيمًا على عالم الآثار (بارو) ليطلق جملته الشهيرة التي ظلّت مدوّية طوال العقود الماضية: (لكل إنسان متمدّن في العالم وطنان، وطنه الذي ولد فيه، والثاني سوريا) وكان يقصد بذلك الحضارة التي منحتها تلك المدينة السورية للإنسانية.

من أشهر معالم ماري وآثارها، كان قصر الملك (زمرليم)، وهو من أروع قصور الشرق قاطبة، ودرة عمارة الشرق القديم.

ورد ذكره في نصوص العراق القديم و(أوغاريت) ومملكة (يمحاض- حلب)، وأيضًا في نصوص مصر القديمة.

تبلغ مساحة القصر حوالى هكتارين ونصف هكتار، ويضم حوالى /300/ غرفة وباحة، فكان يؤلف مدينة داخل مدينة، وهو محوط بسور ضخم أبعاده 200 / 120 م

مملكة ماري

أهمية القصر

لم تكن أهمية القصر لتنال هذا القدر لولا توفّر عنصرين حضاريين احتواهما بين أروقته، وكان لهما الأثر الفاعل في الإنسانية منذ ما يزيد على 4 آلاف عام مضت، أولهما المكتبة الملكية التي ضمت حوالى 25 ألف رقيم مخطوط بالكتابة المسمارية، تناولت جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وكانت نموذجًا مثاليًا للمكتبات في العصور اللاحقة، من حيث طريقة الأرشفة، وحفظ المعلومات وتدوينها، وتنظيم الرّقم (المخطوطات الطينية) كلّ بحسب محتواه العلمي، وحجمه، وأهميته.

العنصر الثاني الذي يفوق أهمية المكتبة الملكية، هو (مدرسة القصر)، وهي أول مدرسة عرفت التنظيم في التاريخ، فقد تميزت بمصاطب مرتبة كترتيب مقاعد الصف مع وجود فواصل بينها لتسهيل مرور الطلاب، وهناك قاعتان للدراسة تضم الأولى /24/ مقعدًا والثانية /25/ مقعدًا، والأرضيات مبلطة بالآجر، والجدران مطلية بالطين.

وعثر بين المقاعد على الألواح الطينية والرقم التي كانت تستخدم في المدرسة، وأهم ما كان يتعلمه الطلاب في المدرسة الكتابة والتعاليم الدينية والحساب، وقد دل على ذلك العثور على أعداد كبيرة من الصدف يتعلمون بوساطتها الأرقام وبعض العمليات الحسابية البسيطة مثل الجمع والطرح.

أما ما يتعلّق بفن النحت الذي يُعدُّ عماد الفنون التشكيلية في العصور القديمة، فقد وهبتنا ماري ثلاثة تماثيل من أجمل ما أنتجته حضارات الشرق القديم، تمثال (أورنينا) مغنية المعبد، وربة الينبوع، وتمثال (إيكو شاماغان).

مدينة دورا أوروبوس

يطلق على البلدة الملاصقة لموقع (دورا أوروبوس) القديم، (الصالحية) أو (صالحية البوكمال) لتمييزها عن (صالحية دير الزور) الملاصقة لمركز المحافظة، وتبعد عن مدينة دير الزور 90 كم وعن البوكمال 40 كم، وحوالى 700 متر عن ضفة الفرات اليمنى.

واستمدت دورا أوروبوس تسميتها من الأميرة (أوروبا) ابنة (أجينور) ملك مدينة (صور) الفينيقية، وشقيقة (قدموس)، ليطلق اسمها لاحقًا على قارة أوروبا بعد أن خطفها (زيوس) كبير آلهة الإغريق، إلى اليونان، بحسب الأسطورة الشهيرة.

وأول من أطلق تسمية (دورا أوروبوس) على المدينة هو سلوقوس الأول نيكاتور، وتعني (حصن أوروبا) لما كان لها من مركز استراتيجي وعسكري مهم، في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد.

مدينة دورا اوروبوس

وأهم السوّيات الأثرية والتاريخية التي ضمتها (دورا) تعود إلى الحقب:

  • الآشورية
  • البابلية الحديثة
  • الهلنستية
  • الرومانية
  • البارثية (الفارسية)
  • الإسلامية

متحف دير الزور

يعتبر أحد أكبر المتاحف في سوريا، لقد تم تصمم بناؤه لكي يستوعب الآثار المكتشفة في محافظة دير الزور.

 يضم المتحف خمسة أجنحة أساسية هي جناح أثار ما قبل التاريخ وجناح الآثار السورية القديمة، وجناح الآثار الكلاسية، وجناح الآثار العربية الإسلامية، ثم جناح التقاليد الشعبية.

متحف دير الزور

وقد تم تزويد المتحف بالقطع الأثرية المكتشفة، مع لوحات بيانية وتعريفية، ويمتاز هذا المتحف بإعادة بناء بعض المواقع، مثل المنزل القديم في بقرص العائد إلى العصر الحجري الحديث، ومدخل تل بدري من الألف الثالث ق.م وقاعة العرش في ماري، ومدخل قصر شاديكاني الذي يعود إلى الألف الأول ق.م من تل عجاجة، ثم هيكل معبد بل في دورا اوروبوس من القرن الثاني الميلادي، ثم واجهة قصر الحير الشرقي من القرن الثامن الميلادي، ثم مشهد رؤساء العشائر في مقاهي دير الزور تصور الحياة الشعبية.

ويصل عدد القطع الأثرية في المتحف إلى 21740 قطعة، بالإضافة إلى آثار محافظة دير الزور هناك قطع قادمة من محافظة الحسكة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق