قلم توك

الفساد وحارس المقبرة

خلال أحد الاجتماعات التي بتنا نجريها عبر الأنترنت منذ بداية فترة الحجر في فرنسا، قال لنا المدير المسؤول عن فريق العمل الذي أعمل ضمنه في مجال هندسة العمارة: ولا تنسوا أن تقوموا بالدورة التدريبية التي فُرضت علينا جميعاً والتي تتناول قانون مكافحة الفساد، ثم أضاف، سترون هناك اختبار في آخر الدورة ويجب الحصول على نسبة ٧٠٪ من الأجوبة الصحيحة كي نعتبر أنكم تجاوزتم الدورة/ الامتحان، بنجاح!

سجّلت اسمي وبدأت الدورة عبر الانترنت. في البداية قدمت لنا تعريفاً موجزاً عن القانون سابان٢ القاضي بمكافحة الفساد وتطبيقاته العملية في مجال عملنا، وفيه عرفنا بوجود مستشارين ضمن الشركة يمكننا سؤالهم إذا كانت لدينا شكوكاً حول كيفية التصرف في حالات معينة: قبول هدية  أو دعوة غداء من إحدى الشركات مثلاً. 

ثم تابعت الإطلاع، اكتشفت مثلاً أنه يحق لي استثنائياً قبول هدية من شركة على ألا  تتجاوز قيمتها خمسين يورو، أو دعوة غداء بقيمة عشرين يورو شريطة أن يكون ذلك خارج فترة تقديم المناقصات من الشركة نفسها. بالمقابل، وإذا كنت أنا، بصفتي مهندس، من يقدم مناقصة لمشروع ما فلا يحق لي مثلاً الاستجابة لطلب موظفة  حكومية أذا ما لمحت لي عن حاجة أحد معارفها إلى وظيفة. فالوظيفة، حسب التعريف، هي حاجة للشركة، لا خدمة تقدمها للفوز في مناقصة.

في النهاية تقدمت للامتحان، وأخفقت في بعض الإجابات مثل ترتيب فرنسا على قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم (جاء ترتيبها ٢١ ووضعتها أنا في المركز العاشر)، أو كيفية التصرف إذا ما اكتشفت أن والد زوجتي مثلاً هو صاحب الشركة التي قدمت مناقصة للحصول على مشروع أعمل عليه، أو سؤال آخر عما إذا كان بمقدوري التوسط لإبن أو ابنة شقيقتي للحصول لا على وظيفة وإنما على دورة تدريبية مؤقتة، فبينما أجبت بالإيجاب، كان النفي هو الجواب الصحيح. حصلت على نسبة ٦٠٪ مما اضطرني لإعادة الإختبار.

توقف ذهني بعدها فجأة، كان كما لو أن الأمور ترتبط ببعضها بشكلٍ يتعذر علي فهمه. تذكرت يوم وفاة والدي في أواسط شهر نيسان من العام ٢٠١٣. كانت المأساة السورية على أشدها، وتعذر نقل الجثمان إلى سوريا لأسباب متعددة، وقررنا أن يتم الدفن في باريس. أجريت المعاملات الضرورية، وعندما وصلت عند موظفة المحافظة المسؤولة عن الشؤون المدنية، نصحتني بزيارة المقبرة لمقابلة حارسها الذي سيساعدني على إختيار مكان الجثمان كما أكدت لي. 

وصلت مقبرة نويي في إحدى ضواحي باريس ظهراً في يوم مشمس. استقبلني الحارس بما تمليه عليه مهنته من حيادٍ  وصرامة، ثم تجولنا معاً في المقبرة الهادئة حتى وصلنا إلى مكان بين قبرين أشار إليه بإصبعه وقال هنا. كنت في حالة تتضارب فيها المشاعر ويطغى عليها الحزن، نظرت، بدا لي المكان كئيباً محشوراً، ولسبب ما، شعرت أي لست بقادرٍ على وضع أبي هنا.

سألته وأنا أعرف الجواب سلفاً، عن المربع الاسلامي في المقبرة، والحقيقة أني لم أكن آبه البتة لهذا التفصيل، لكنني كنت أعرف أن أختي تفضل هناك. أجابني أنه لا توجد أماكن شاغرة في المربع الإسلامي، ثم تجولنا معاً في ممرات الناس الغائبة. انتبهت إلى مكان على طرف المقبرة بقرب شجرة تظلل المكان، قلت لنفسي هنا! 

تشجّعت وطرحت السؤال على الحارس الصارم، قال لا، المكان ضيق وجذور الشجرة لا تسمح، لكني أصريت، قمت بقياس المكان لأثبت له ما أقول، بقي على رفضه. كانت الأشياء تختلط كلها في داخلي وكنت أريد قبل كل شئ أن أقدم لأبي أفضل مايمكن في هذه اللحظة، حتى ولو لم يكن للأمر أية أهمية. ثم خرج الصوت من داخلي: وماذا لو عرضت عليه بعض المال؟ ِلمَ لا، ومن سيدري بالأمر، شخصان وحيدان في مقبرة ليس من مهام سكانها مراقبة أحد؟ ثم مالذي سيتغير، ومالضرر؟ كان ذهني يعمل بسرعة، يجب أن أتجرأ على العرض قبل فوات الأوان، لكن بقية من حذر أمسكتني. قلت ممهداً ومناوراً: من عاداتنا أن نتبرع لبعض الجمعيات الخيرية في حالات الوفاة، لكني لا أعرف أيا منها، ماذا لو أعطيتك قيمة التبرع لتوصلها لهم؟ 

لا أعرف كيف كان شكل وجهي حينها، لكنه نظر إلي مطولاً بصمت، أجاب بعد دهر وكانت لهجته على نفس الحيادية: حتماً لن تمر الأموال عن طريقي، ابحث عن الجمعيات وقدمها لها إن أردت.. شعرت باحمرار وجهي، لكنه لم يُبدِ أية ردة فعل، أضاف وكأنه يتكلم عن الطقس: على كلٍ، بإمكانك دفن والدك هنا اذا كان هذا حقاً ماتريده، سأجهز الأوراق.

ما تبع ذلك لا أهمية له، كنت أتشكر واعتذر معاً، قلت أنني لم أقصد ذلك، وأنه أساء فهمي.. وفي نهاية اللقاء وبعد أن استلمت الملف كاملاً، قلت له أني أود أن أقدم له كتاباً كنت قد كتبته. بكل سرور، الكتاب نعم. أجاب، وهكذا كان.

كشفت لي هذه الحادثة على بساطتها معنى أن يعيش الإنسان ضمن منظومة تستهين بالفساد، تجاوره بالضرورة أو تمارسه كخيار، تفرضه على رعاياها فيتعايشوا معه حتى يصبح جزءاً منهم.

لم تجبرني حياتي الفرنسية على ذلك، ولم أتعرض إلا نادراً لتبعاته. دورة الحياة العادية من طبابة وتعليم وعمل بعيدة نسبياً عن كل هذا. لكن وفي لحظة استثنائية من حياتي فيها ما فيها من الضعف والانكسار والرغبة،  كانت تلك ردة فعلي. خرجت هكذا، دون ضرورة قصوى فلا فرق بين حفرتين في أرضٍ غريبة.

خرجت لأنها هنا، كامنٌة في داخلي، استدعيها عند الحاجة، ربما نتيجة سنوات حياتي السورية، والتي اعتدنا فيها على الواسطة والمحسوبيات، وحيث يُبررُ الفساد، كبيره باسم القمع، وصغيره باسم الحاجة.

في حالتي، وقف حارس المقبرة مانعاً، نبهني ربما دون قصد، أن الأحياء في حياتهم،  والأموات في قبورهم يساووون أكثر من ذلك، وأن العلاقات الإنسانية لا تُبنى بالضرورة على منظومةٍ كهذه. لم تُغير الحادثة حياتي، غيرتها أشياء أخرى، لكني بسببها وعيت أثر أن تتعود على منظومة تخترع أساليب تغطية فسادها وفجورها، إنها تخترقك من الداخل، من مكان لا تعي وجوده، لكنه يذكرك بنفسه في لحظات الحاجة والضعف والخوف، أو في لحظات تظن فيها أن كل شيءٍ مسموحاً لك.

لم أتجرّأ كثيراً على رواية هذه الحادثة، ربما لأني لست فخوراً  بتفاصيلها. لكني لم أنساها، بقيت أشياء تذكرني بها على الدوام. بعدها بعدة سنوات، ابتسمت خلسةً حين روى لي أحد معارفي من السوريين وكنت أعزيه بوفاة والده، كيف عرض مبلغاً من المال على حارس نفس المقبرة وكيف رفضها هذا الأخير، وكيف لم يتمكن من دفن والده فيها.

كان يقذفه بألعن الألفاظ “مين مفكر حالو” أضاف غاضباً. لم أعلق، بقيت صامتاً. تذكرته  بقامته الطويلة ونحوله وبدلته السوداء ومهنته التي تجعله يرى الناس في أحلك لحظاتها وأكثرها حميمية وفضحاً لدواخلها، وهي لحظات، على حدِّ زعمي،  لم يستغلها قط حارس الغياب… وحارس بعض الأحياء بآن!   

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق