السلايد الرئيسيحصاد اليومقراءات نقدية

جدلية السلطة والمعرفة في Dogtooth.. ميشيل فوكو شارحاً

شام السبسبي

قليلة هي الأفلام التي تنجح في خلق مقاربات دقيقة مع عالم الفكر والفلسفة، وأكثرها قلّة تلك التي بإمكانها نمذجة الفلسفة، وإعادة بنائها، وطرحها بعناصر وأدوات فنّية.

بإمكاني القول بأنّ “Dogtooh” نجح نجاحاً منقطع النظير في تجسيد فكر ميشيل فوكو، لا بل إعادة صياغته، ولاسيما في ثنائيتي المراقبة والمعاقبة، والسلطة والمعرفة.

تهمل هذه القراءة عن قصد الجانب الفنّي الصرف في الفيلم، لا لأنّه تقليدي أو غير مهم على صعيد بناء القيمة الفيلمية، وإنما لحاجة هذه القراءة إلى التركيز المباشر على الأحداث، بوصفها بؤرة المقاربة الفلسفية التي نحن بصدد الكشف عنها وتحليلها.

أمّا عن فوكو فهو فيلسوف فرنسي، وواحد من أهمّ فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، عُرف بدراساته الإركولوجية الدقيقة والناقدة لمجموعة من المؤسّسات الاجتماعية، منها على وجه الخصوص: المصحّات النفسية، المستشفيات، السجون، وكذلك أعماله فيما يخصّ تاريخ الجنسانية.

احتكار المعرفة.. وفضاء الجنس في ناب الكلب

“البحر: هو الكرسي الجلدي ذو الأذرع الخشبية، مثل الموجود في غرفة المعيشة.
مثال: لا تبقى واقفاً أجلس على البحر لكي نتحدّث”.

هكذا يفتتح المخرج اليوناني “يورغس لانثيموس” فيلمه “ناب الكلب”; مشهدٌ لثلاثة مراهقين يقتعدون الحمام وينصتون إلى شريط مسجّل بصوت “الأمّ”، يلقّنهم معاني الكلمات الجديدة.

البحر هو كرسي جلدي، الطريق السريع هو الرياح العاتية، النزهة البرّية هي مادة شديدة المتانة لصناعة الأرضيات، والبندقية طائر أبيض جميل.

تحتوي هذا الأشرطة المسجَّلة على كلّ ما أراد الأب صياغته وتعليمه لأطفاله من المعارف والمعاني المغلوطة، التي يظنّها الأطفال حقائق في انتظار أن تتكشَّف عبره وعبر صوت أمّهم.

وعلى الرغم من اقتضابها وضبابيتها تفسّر هذه البداية رمزياً علامات شديدة الوضوح، تحيلنا على الفور إلى ميشيل فوكو، ونظريته في ثنائية “السلطة والمعرفة“؛ فكيف تَتَجسَّد إذاً هذه النظرية في مشهدنا المسرود\المعروض أعلاه؟

يرى فوكو بأنّ إنتاج المعارف واحدة من أهمّ الاستراتيجيات التي قامت بها السلطة عبر التاريخ، ويعرّف الحقيقة التي هي بالنسبة له الجزء الأساس في تشكيل معرفة الفرد، كالتالي:

“الحقيقة مجموعة من الإجراءات المنظّمة لإنتاج وتشريع وتوزيع وترويج وعمل الملفوظات (المجرّدات)، والحقيقة مرتبطة دائرياً بأجهزة سلطة تنتجها وتحميها، وبأفاعيل سلطة تستنتج منها وتواصلها. هذا ما نسميه (نظام الحقيقة)”.(1)

وما يشير إليه فوكو هنا ليس إلا تدليلاً على ارتباط الحقيقة تاريخياً بالسلطة، وأنّ الحقيقة مُنتجة بوساطتها، وتخضع لاحتياجاتها، وإن العقل البشري لا يستطيع منها فكاكاً; لأنّ السلطة تجعل الجانب الأداتي\العملي فيه يطغى على النقدي; فيصبح العقل والجسد كالآلة، منساقين إلى الضبط، والعمل، بعيدين عن التفكير، ويصبح الإنسان مادة تُلقّنها السلطة المعارف والعلوم، وجسداً تطوّعه لخدمة أهدافها، وتشكّل السلطة بهذا:

“الإنسان الآلة الذي يشكل اختزالاً مادياً للنفس ونظرية عامّة في الترويض، ويسود في مركز الاثنين مفهوم الطواعية الذي يضمّ إلى الجسد القابل للتحليل الجسد القابل للتطويع”.(2)

وهذا ما يبدو جلياً في الفيلم؛ فالأب يصنع المحتوى المعرفي بما يخدم أهدافه، ويقوم الأبناء بنهله دون أيّة دراية أو تشكيك، مما يسهّل على الأب (السلطة) مهمّة إنتاجه لأفراد أسرة طيّعين، لا يملكون من العلم إلا ما يصطفيه أو يحرّفه.

ميشيل فوكو

ينتهي مشهد، ويُفتتح آخر على سيارة يقودها الأب برفقة الشرطية “كريستينا” التي تظهر معصوبة العينين في الطريق إلى منزل عائلته.

يُدخِل الأب الشرطية، ويسمح لها بنزع عصبة العيون، ثمّ يقودها إلى غرفة ابنه; لجعل الشاب البالغ يأتيها، وتحصل هي بالمقابل على بعض الهدايا والتعويضات المادية.

ومع إغلاق باب الغرفة، يخلع الاثنان السراويل، وتبدأ كريستينا بمداعبة الابن، ثمّ يمارس الجنس معها في مشهد خالٍ من أيّ شبق جنسي أو نزوع عاطفي، هذا ما يفضي إلى عدم بلوغ كريستينا النشوة ممّا يدفعها للجوء إلى الابنة الكبرى؛ لتطلب منها لعق (لوحة مفاتيحها)* مقابل عصابة شعر فسفورية، وشريطي فيديو لفيلم “روكي 1و2” فيما بعد.

وصدفة، اكتشف الأب فعلة الشرطية؛ فذهب إلى مسكنها، وسألها ما إذا كانت تقطن لوحدها، ولمّا اجابته بالإيجاب صعد إليها، ثمّ نزع جهاز الاستقبال من جانب التلفاز، وانهال به ضرباً على رأسها عقاباً لها على ما أتته من ذنب بحقّ عائلته.

وسرعان ما عاد الأب إلى المنزل; ليخبر زوجته قراراه باستبدال كريستينا بإحدى بناته؛ فترسل الأمّ الأختين عاريتين إلى مغطس الحمّام، ليبدأ الأخ بتحسّس جسديهما مُغمض العينين، وليختار بعد التفحّص أخته الكبرى؛ فتحضّرها له الأمّ بوضع مساحيق التجميل على وجهها، ثم ترسلها إلى غرفته.

من السهل ملاحظة سيماء الألم التي أخذت تتبدّى على ملامح الفتاة طوال فترة الإتيان؛ فتقول لأخيها ساعة الانتهاء، وبانفعال باد:
“إذا فعلت ذلك مجددا سأمزّق أحشائك أيها الوغد؛ أقسم على حياة ابنتي أنك أنت وعصابتك ستغادرون الحي قريبا”** تاركة إياه في حالة من الارتباك والذهول.

تتابع المَشاهد التي سجّلناها آنفاً لتخلق لنا مقاربة دقيقة مع تفكير ميشيل فوكو بطبيعة العلاقة بين الجنس والسلطة؛ ففي حوار له مع برنارد هنري ليفي يقول:
“إن الطفولة أصبحت هدفاً مشتركاً بين الآباء والمؤسسات التربوية والوقائية، وفي المفترق بين الجسم والروح، وبين الصحة والأخلاق، وبين التربية والترويض، أصبح جنس الأطفال هدفاً للسلطة ووسيلة لها بذات الوقت، وتم تشكيل (حياة جنسية طفلية) نوعية، غير ثابتة، خطيرة، وينبغي مراقبتها على الدوام”.(3)

إن الجنس ليس محرّماً أو ممنوعاً حسب هذه النظرية؛ لكنّه مراقب على الدوام بهدف تشكيل شبكة سلطوية على الفرد عبر حياته الجنسية التي صارت فجأة موضوعاً للاهتمام من لُدن السلطة.

ومن الجلّي للمشاهد أنّ الأب يفتعل أفعال السلطة؛ فقد مارس رقابته على أجساد أطفاله، وسيطر عليها، وعلى أشكال متعهم الفردية، ومنح لابنه ما يرتأي بمنحه من أدوات الغواية؛ ليطوّقه، ويطوّعه، ويستثمر طاقته الجسمانية كيفما أراد (غسل السيارة، الغطس، العزف، الرياضة).

ولكن لماذا تمّ اختيار “كريستينا”، كموضوع للجنس، بوصفها (شرطية)؟ وما دلالة هذا الاختيار على صعيد النصّ الفيلمي؟

إن شخصية ” كريستينا”، بمعنى من المعاني، محاكاة للقانون ومؤسّساته في النظرية الفوكوية؛ فالمؤسسة القانونية إحدى أكثر أجهزة السلطة شمولاً، وكان قد تمّ استخدامها في سالف العقود لمنع وقمع وتقنين الجنس وحصره بالإنجاب.

لكنّ القانون، مع دخولنا العصر الحديث، تخلّى عن دوره هذا وكفّ عن تحريم الجنس، حتى أنّه بدأ يتصدّى لكلّ خطابات الصرامة الجنسية (الكَنَسيّة .. وغيرها)، وأتى ذلك تزامناً مع ظهور أساليب سلطوية جديدة ” تعمل لا بوساطة الحقّ بل بوساطة التقنية، لا بوساطة القانون بل بوساطة الضبط، لا بوساطة العقاب بل بوساطة الرقابة، والتي تمارس على مستويات وحسب أشكال تتجاوز الدولة وأجهزتها”.(4)

وبدلاً من تقاني القمع أصبح “هذا الجسد وتلك الجنسانية تحت رقابة دائمة (المدرسة، السياسة السكنية، الصحّة العامّة، مؤسّسات التأمين والإغاثة، الطبابة العامّة لجميع السكان)”.(5)

لكن هذا التحوّل لم يحقّق انفصالاً للقانون عن السلطة، بل إن الجهاز القانوني أصبح يعنى بمسائل أخرى ويسعى لتحقيق أهداف مغايرة، كمهمّة حفظ الأمن والأمان التي يراقب بحجّتها الأفراد والجماعات.

وبالعودة إلى مشاهد الفيلم، فقد حرصت كريستينا على تنفيذ رغبة الأب، وحين عبثت معه، سارع إلى معاقبتها. وهذا يشي على صعيد الدلالة بتبعية وخضوع كريستينا (القانون) إلى الأب (السلطة) ويؤكد على استعمالها من قِبل الأب ساعة يريد وبالطريقة التي يرغب لتكون أداة لا لقمع الجنس أو حصره بالإنجاب كما كانت مهمّتها في سالف العهود، وإنما المراقبة والإشباع والسيطرة، فالشرطة بهذا المعنى صارت الضامنة لاستعمال الأفراد متعهم ولكن مقابل الخضوع وبيع الخصوصية. (6)

كيف تُخضع السلطة الأجساد؟ .. Dog Tooth يجيب

على مائدة العشاء، بينما العائلة تتناول طعامها، أعلن الأب لأبنائه عن مفاجأة لم يسبق لها مثيل; فمكافأة الفائز في المسابقة القادمة ستكون عشر أوراق لاصقة بدل الورقة الواحدة***.

وبعد انصرام الليل ومجيء النهار، وأمام بركة السباحة، بدأت المسابقة التي هي أشبه بالتدريب العسكري؛ فمن من اليافعين الثلاثة سيستغرق أطول وقت ممكن مكتومَ النفس تحت المياه سينالُ المكافأة، ولم يمض سوى دقيقة واحدة على الغطس حتّى اقرّ الأب فوز ابنته الصغرى، ومنحها المكافأة مؤنّباً إخوتها على تراجع أدائهم نسبة للمرّات السابقة.

وفي مشهد آخر، وعلى إحدى موائد الطعام الأسرية، اخبر الأب أولاده واهماً إياهم باستحالة الخروج من هذا المنزل المطوَّق إلا بعد سقوط (الناب) من فمّ واحدهم، ثمّ حكى لهم قصّة وهمية عن أخيهم الذي سقط نابه فغادر المنزل.

بقيت قصّة الأخ المُختلقة هذه عالقة في ذهن الابن؛ فعندما انتهى في واحد من المشاهد من مهمّة تلميع وتنظيف سيارة ابيه التي أوكلت إليه، وقف مقابل سياج المنزل الممشوق، الذي يشبه حِصناً رومانياً قديماً، وتحدّث مع أخيه المتخيَّل محقون الوجه وموتور كأنّما هو يعيّر أخيه أو أنّها كانت محاولة لإثبات النفس، ثمّ تصاعد الحوار وتحوّل إلى انفعال حاد دفع الصبي إلى رمي أحجار ثقيلة اخترقت السور العالي، معتقداً برجمهِ لأخيه، فرصدته الأمّ وهو يقذف الأحجار، وأتت بالأب لمعاقبته.

وفي مشهد لاحق قدّم الأبوان للابن قارورة فيها سائل حاد الطعم، وجعلاه يتجرّع من السائل دون بلعه، وضغطاه لإبقائه في فمّه لأطول فترة، ثمّ سمحت له الأمّ نهايةً ببصقه في المغسلة.

تبدو هذه المشاهد غربية وأقرب لأن تكون عبثية أو عشوائية فيما لو تجاهلنا تحليلها تحليلاً رمزياً واعتبرناها نموذجاً مصغّراً للسلطة بعلاقتها مع الأفراد. ما يدعونا للسؤال عن الكيفية التي تقوم بها السلطة بالسيطرة على الأفراد من خلال الدولة؟ وما هي آلية الدولة لإحكام هذه الممارسات؟ وما دور الجسد في كل ذلك؟

لحظة مضغ السائل الحاد

” إنّ الجسد غاطس ضمن حقل سیاسي؛ فعلاقات السلطة تعمل فيه عملاً مباشراً؛ فهي توظّفه، وتطبعه، وتقوّمه، وتعذّبه، وتجبره على أعمال، وتضطره إلى احتفالات.

وهذا التوظيف (الاستثمار) السياسي للجسد مرتبط، وفقاً لعلاقات معقّدة ومتبادلة، باستخدامه اقتصادياً؛ وإلى حدّ بعيد، كقوة إنتاج، يزود بعلاقات سلطوية وبسيطرة؛ ولكن بالمقابل إن تكوينه كقوة عمل لا يكون ممكناً إلا إذا أُخذ ضمن نظام استعبادي تكون فيه الحاجة أيضاً أداة سياسية حسنة التنظيم، محسوبة بعناية ومستخدمة بعناية؛ ولا يصبح الجسد قوة نافعة إلا إذا كان بآن واحد جسداً منتجاً وجسداً مُسترقّاً (…) ومن وسائل هذا الاسترقاق العنف والإيديولوجيا.” (7)

أحسن فوكو في نصّه السابق تلخيص جلّ ما جاء في مشاهدنا التي سردناها أعلاه: فالجسد يُوَظَّف تماماً كما وَظفَ الأب (السلطة) الابن (الفرد) في غسل السيارة وتلميعها ورشّها بالمعطرات، وهو يُعاقب كما عُاقب الابن في إبقاء السائل الحار في فمّه إثر ارتكابه لمعصية، وهو يُقوَّم بالضبط كما قوّمَ الأب اليافعين الثلاثة مرّات ومرّات إمّا بقدرتهم على حبس النفس طويلاً، أو لحفظهم للمعاني المهشّمة، ويُقاد الجسد مضطراً، بحسب فوكو، للاحتفال; ما يحدث أساساً في dogtooth بين الفينة والأخرى جراء مناسبات مُختلقة وغير ذي بال، وتتضح الصورة أكثر هنا فيما لو استعدنا مشهد الابن وهو يعزف الغيتار بينما الابنتان ترقصان على أنغامه رقصاً آلياً مضطرباً فيما الموسيقى جامدة لا تتغيّر نوتتها وإنما تقفز بين عشر علامات تُكرَّر في ذات الأسلوب مرّات كأنما هي موسيقى ميّتة.

وطبعاً يركّز فوكو على أنّ توظيف الجسد وتقويمه وتعذيبه لا يكون ممكناً إلا ضمن حيّز الاستعباد والاسترقاق وهذا الاستعباد بدوره يعتمد في ميكانيزماته على العنف والإيديولوجيا; وهذا ما عمل عليه الفيلم عندما جعل الأب يصوّر القطط كعدو أوحد، ويشوّه المعاني، ويختلق العالم الخارجي بما يتفق وأهواء سلطته ليصنع لليافعين الثلاثة إيديولوجيا راسخة، ولم يُغفل الفيلم العنف الذي كان يطبع سلوك الأب لحظة حطّم شريط الفيديو على رأس ابنتهُ عندما جاءته بأفلام روكي، أو عندما صفع الابن لأنّه لم ينتبه لحركاتهِ فكسر ساقه.

ويبقى لنا الإجابة عن سؤال الآلية; فالأيديولوجيا والعنف ليسا حلّين مستدامين كما هو الحال مع ثنائية المعاقبة والمكافأة، التي جهد فوكو ليرسم معالمها معتمداً على المقاربة والحفر التاريخيين.

الابن يهجم عل القط لقتله

إنّ أحد أهمّ أساليب السلطة العقابية، بحسب فوكو، هي : “العقوبة الضابطة” التي تسعى إلى موازنة إنتاج الفرد للموارد من خلال تسليع العقاب بحسب طبيعة الاقتصاد**** الذي يحكم المؤسسة.
وتختلف العقوبة الضابطة عن العقوبات الأخرى بأنّها توصّف وتقمع مجموعاً من السلوكيات التي لا يندرج جرم ارتكابها تحت أنظمة العقاب الكبرى.

فالاقتصاد في المدرسة الدينية المسيحية، بحسب مثال فوكو المطروح في كتابه، يحتكم إلى إنتاج الأفراد وإعادة إنتاجهم للدروس الدينية (حفظ وتطوير) بالإضافة لضبط سلوكهم وما يتوافق ونظام المدرسة التعليمي والأخلاقي; وبهذا المعنى (المكافأة والعقاب) فإنّ مدى التزام الطالب بالقواعد سيحدّد رصيده من (النقاط الإيجابية) التي ستسعفهُ في التملّص من العقاب عبر حذف (النقاط السلبية) الناتجة عن الأفعال المحظورة، وبالتالي فالطالب الذي يملك عشر نقاط إيجابية وقام بمحظور ست نقاط سلبية فسينجو من العقاب لأنّ الأستاذ حذف له ست وأبقى على أربع نقاط، وهكذا .. وبهذه الطريقة تعمل العقوبة الضابطة.(8)

إن العقوبة الضابطة لا تختلف وما جاء به DogTooth عند اعتماده في رسم سلطة الأب على ثنائية (المعاقبة والمكافأة)، مكافأة حبس الأنفاس تحت الماء وعقاب تفتيت الفيديو المسجَّل على رأس الابنة.

وبتعبير فوكو: ” فلينبثق العقاب عن الجريمة، وليكن القانون وكأن له مظهر ضرورة الشيء، ولتعمل السلطة وهي تتقنّع بقناع القوة اللطيفة في الطبيعة.” (9)

خلع الناب .. الحرّية

تتسارع الأحداث في فيلمنا تمهيداً للانغلاق بمشهد للابنة الكبرى واقفة أمام مرآة الحمّام، تبدو لنا مصمّمة وهي تستجمع قواها وبين يديها مثقال حديديّ تركّزه باتجاه نابها، تتحيّن لحظتها المناسبة، وبحقد العالم كلّه وجّهت ضربة عنيفة ففجّرت دمّها الذي ساح في كلّ مكان. سقط الناب! فانطلقت تزرع الممرّ بخطوات محاذرة لأمّها المضطجعة على أريكة في الصالة، نَفَذَتْ إلى الحديقة مكان السيارة فارتمت كالغزال المشوّه في صندوقها منتظرةً فجراً جديداً.

اندفع الأب هلعاً خارج المنزل يبحث عن ابنته التي تركت دمّاً خاثراً في كلّ زاوية من حمّامه ، لحقته العائلة، وعند العتبة طفقت تعوي كالكلاب، علّ الابنة تسمعهم فتعود أدراجها. وعندما لم تعد عاد كلّ شيء إلى طبيعته، فذهب الأب صباحاً بسيارته إلى العمل، ركنها كما كلّ يوم، وبعد هنيهة رفعت الابنة غطاء الصندوق وخرجت تستقبل حياةً لم ترها قط.

“حيثما توجد سلطة توجد إمكانية للمقاومة، وللهرب من شباكها، وتعديل سيطرتها”. (..)

وإذا كان التحرّر شرطه المعرفة فالحرّية شرطها التنفيذ حتّى ولو كان هذا التنفيذ يعني سحق نابٍ لعينٍ في الفمّ.
فلا ضمان للحرّية إلا حين يكون الإنسان سيّداً على نفسه، وكلّ تصرّف مضاد من شأنه أن يشقّ طريقاً جديداً للحرّية; حرّية الاختيار الأخلاقي، وحرّية اختيار الفرد لمّا سيكونه في وجوده.

  • مهبلها وهو معنى مشوه من قِبل الأب.
    ** اقتباس من فيلم روكي الذي منحته كريستينا للابنة.
    *** تبدو هذه اللواصق أشبه بالأوراق النقدية التي نتداولها.
    **** يعرّف فوكو الاقتصاد بوصفه نظام الأشياء الذي يحتوي على موارد وقواعد تحكم نمط الإنتاج في مؤسسة من المؤسسات أو دولة إلخ.

المصادر:
(1): عبد العزيز العيادي، ميشال فوكو المعرفة والسلطة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع 1994 صـ 25-26
(2): ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة ولادة السجون، ترجمة: علي مقلد، مركز الإنماء القومي بيروت 1990 صـ 158
(3): ميشال فوكو، همّ الحقيقة، ترجمة: مصطفى المسناوي ومصطفى كمال ومحمد بولعيش، الطبعة الجزائرية الأولى 2006 صـ 44
(4): ميشال فوكو، إرادة المعرفة، ترجمة: جورج أبي صالح، مركز الإنماء القومي بيروت 1990 صـ99
(5): Ibid صـ 131
(6): ميشيل فوكو، تاريخ الجنسانية (استعمال المتع)، ترجمة: محمد هشام، إفريقيا الشرق 2004
(7): المراقبة والمعاقبة (ولادة السجون)، ميشيل فوكو، ترجمة: علي مقلد، طبعة 1990، مركز الانماء القومي صـ64
(8): Ibid القسم الثالث: العقوبة الضابطة صـ191 وحتّى 196
(9): Ibid صـ 131
(10): ميشال فوكو، همّ الحقيقة، ترجمة: مصطفى المسناوي ومصطفى كمال ومحمد بولعيش، الطبعة الجزائرية الأولى 2006 صـ58

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق