بورتفوليو

غسان كنفاني…قلمه رصاصة وكلماته نضال!

الاتحاد برس _ المحرر الرئيسي

استحوذت كتاباته على من قرأها، فهو الذي يناضل على الورق، لم ينفذ عملية انتحارية، أو سدد بالبندقية، لكن قلمه كان كافيًا ليجعل منه هدفًا ملحًا للموساد الإسرائيلي، إنه القاص والروائي الفلسطيني غسان كنفاني.

كان غسان بندقية لم تعرف لها بوصلة سوى فلسطين، كانت وجهته دائما صوب “أرض البرتقال الحزين”، قلمه كان خنجرًا في خاصرة الاحتلال جعل منه هدفًا مقلقًا للموساد الإسرائيلي.

تأتي ذكراه دائمًا مع هجير صيف تموز لتذكرنا أشلاؤه التي تناثرت في منطقة الحازمية قرب بيروت بأن ثمة شخصًا ما يدق جدران الخزان، لم يعد “أبو قيس” و”أسعد” و”مروان” يكتمون صرخاتهم وأنفاسهم في خزان مياه “أبو الخيزران“.

أسطورة صنعت أسطورة أخرى، بين أنامله نمت وكبرت ريشة فنان لا تقل عنه إبداعًا وتشردًا وتمردًا وتوقعًا لموت سيأتي قريبًا إما بسيارة مفخخة، أو برصاصة تنطلق من كاتم صوت.

حياة غسان كنفاني

ولد غسان كنفاني يوم 9 نيسان 1936 في عكا لعائلة متوسطة الحال، شهد وهو طفل نكبة 1948، وهرب على إثرها مع عائلته سيرًا على الأقدام إلى المخيمات المؤقتة في لبنان، ومنها انتقل إلى العاصمة السورية دمشق. 

عاش حياةً صعبة وقاسية فيها، حيث عمل والده في مهنة المحاماة، وقد اختار أن يعمل في قضايا كان معظمها قضايا وطنية خاصة بالثورات التي كانت تحدث آنذاك في فلسطين، وقد اعتقل لمرات عديدة، إلّا أنّه تميز بأنّه شخص عصامي وذو آراء متميزة، الأمر الذي ترك آثراً عظيماً في شخصية غسان وحياته.

غسان وزوجته

دخل غسان روضة الأستاذ وديع سري الواقعة في مدينة يافا، فقد كان في الثانية من عمره وقتها، حيث بدأ بتعلم اللغة الفرنسية والإنجليزية إضافةً إلى اللغة العربية، ثم انتقل إلى مدرسة الفرير، وقد مكث فيها حتى سنة 1948م، وبعدها أكمل المرحلة الإعدادية من تعلميه في مدرسة في دمشق تُعرف باسم الكلية العلمية الوطنية، ثمّ انتقل منها مباشرة لمدرسة الثانوية الأهلية، وبعدها التحق بكلية الآداب في الجامعة السورية في عام 1954م.

نال كنفاني جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان، عن روايته “ما تبقى لكم” وذلك عام 1966. أما ما تبقى من جوائز، فقد مُنحت لاسمه بعد استشهاده، وأهمها جائزة منظمة الصحافة العالمية عام 1 1974، وجائزة اللوتس عام 1975، كما مُنح وسام القدس عام 1990.

المؤلفات

يمتلك كنفاني في رصيده العديد من الأعمال الإبداعية التي ترجم بعضها إلى عدة لغات أجنبية، ففي الروايات عنده “رجال في الشمس” (1963)، و”ما تبقى لكم” (1966)، و”أم سعد” (1969)، و”عائد إلى حيفا” (1970)، و “من قتل ليلى الحايك؟” (1969).

وفي المجموعات القصصية كتب كنفاني “موت سرير رقم 12″ (1961)، و”أرض البرتقال الحزين” (1963)، و “عن الرجال والبنادق” (1968).

ومن الدراسات التي تركها كنفاني هناك “أدب المقاومة في فلسطين” (1966)، و”في الأدب الصهيوني” (1967)، و”الأدب الفلسطيني المقاوم” (1968).

مما ترجم له…

ترجمت معظم أعمال غسان كنفاني ونشرت في حوالي 16 لغة في عشرين دولة مختلفة، وتم إفراغ بعض رواياته في قالب مسرحي قدم في الإذاعات وعلى المسارح في كثير من الدول العربية والأجنبية.

بين عامي 1983 و1986 تم اختيار أربع روايات وقصص صغيرة من أعمال كنفاني لنقلها إلى اللغة الألمانية، وفي العام 1992 ترجمت إلى الألمانية الرواية الشهيرة “العودة إلى حيفا“، وفي العام 1994 رواية “أرض البرتقال الحزين“.

كانت رواية “رجال في الشمس” الأولى التي تم نقلها إلى اللغة الإنجليزية في السبعينيات وصدرت عن دور نشر في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، ثم نقلت الرواية نفسها وخلال السنوات العشرين الماضية إلى 16 لغة.

وصدرت الطبعة الدانماركية لها العام 1990 والطبعة الإنجليزية العام 1992 في القاهرة، وكانت نقلت إلى اللغة الإيطالية وصدرت العام 1991، وإلى الإسبانية العام 1991 أيضًا حيث جُمعت الروايات الثلاث “رجال في الشمس“، ” ام سعد” و” ما تبقى لكم” في مجلد واحد صدر في مدريد.

وكانت الرواية الأخيرة قد نقلت إلى الإنجليزية وصدرت في الولايات المتحدة العام 1990، في حين صدرت الطبعة الإيطالية لرواية “العودة إلى حيفا” في روما العام 1991 ونقلت مجددًا إلى الإنجليزية في الولايات المتحدة العام 1994.  

أما كتاب “عالم ليس لنا” وهو مجموعة قصص قصيرة صدرت العام، فقد نقلت إلى الإيطالية وصدرت في روما العام 1993، غير أن أشهر وأروع القصص التي خص كنفاني بها الأطفال هي في كتاب “القنديل الصغير” الذي زينه بالرسومات، ونُقل إلى الألمانية أولًا، ثم إلى الفرنسية، وحوّل إلى مسرحية دمى متحركة في الدانمارك.

وقد لاقت رواية “أم سعد” اهتمام الإذاعة الدانماركية التي خصصت في العام  1993 برنامجين مطولين عن غسان كنفاني حياته وأعماله .

اغتيال الغدر

اغتيل كنفاني من قبل الموساد الإسرائيلي في 8 تموز 1972 بانفجار سيارة مفخخة في العاصمة اللبنانية بيروت، وبحسب نتائج لجنة التحقيق التي شكلتها الجبهة الشعبية فقد نتج الانفجار عن عبوة ناسفة قدرت زنتها بتسعة كيلوغرامات وضعت تحت مقعد السيارة وانفجرت عند تشغيلها.

وترك كنفاني وراءه زوجته الدانماركية التي انضمت إلى قافلة المناضلين من أجل فلسطين، وطفلين هما فايز وليلى.

قصة غسان كنفاني وغادة السمان

لا بدَّ من المرور على قصة الحب الغريبة التي كانت بين غسان كنفاني وغادة السمان، هذه القصة التي تُصنَّف مع أدب الرسائل؛ فقد بقيت حبيسة رسائل غادة وغسان لبعضها ولم تتعدَ هذه الأطر أبدًا، حيث جمعت بين الروائي الفلسطيني غسان كنفاني والروائية السورية غادة السمان قصة حب تقليدية، سببت بحسب ما ورد في رسائل غسان لغادة الكثير من الأسى والعذاب لغسان؛ لأنَّ غادة كانت تظهر كبرياءها وتتمنع أمام عظمة حب غسان.

وقد تم تبادل هذا الحبِّ عبر رسائل البريد بين بيروت التي كان يقيم فيها غسان في لندن حيث كانت تعمل غادة السمان، لتتجرأ غادة بعد موت غسان وتنشر رسائل غسان كنفاني كاملة ضمن كتاب تتناقله أيادي الناس اليوم.

كانت رسائل غسان كنفاني لغادة السمان مجموعة من الخطابات الإنسانية التي جمعت بين الحبّ العميق الصادق وبين أوجاع أديب عربي هدَّه الزمن وأثقلته نوائب الدهر، كما أوضحت هذه الرسائل مشاعر مناضل فلسطيني عربي عظيم، عاش بهيئة أديب ومات بطلًا فدائيًا، ومن الجدير بالذكر إنّه بعد موت غسان كنفاني ضاعت رسائل غادة السمان لغسان، وبقت رسائل غسان لغادة شاهدة على قصة غسان كنفاني وغادة السَّمان التي ظهر نصفها وضاع نصفها الآخر عن أعين الناس إلى الأبد.

قالوا عنه…

مما قاله الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش:عن كنفاني  “لدى قراءة كنفاني اليوم نكتشف، أولًا ودائمًا، أنه في عمق وعيه كان يدرك أن الثقافة أصل من عدة أصول للسياسة، وأنه ما من مشروع سياسي دون مشروع ثقافي.

لعل المسعى الأهم لبحوث كنفاني الأدبية هو ذلك المتمثل في ترسيخ أسس ولادة الفلسطيني الجديد، لجهة التأني عن الإنسان المجرد والفلسطيني المجرد والاقتراب من الإنسان الفلسطيني الذي يعي أسباب نكبته ويدرك أحوال العالم العربي ويعرف أكثر ماهية الصهيوني الذي يواجهه.

وهذه المهمة لا تستطيع أن تقوم بها إلا ثقافة في مفهومها النقدي، المتجاوز لما هو سائد، الذي يقطع مع القيم البالية. “

وقال نجوان درويش وهو شاعر وناقد صحفي فلسطيني، ” تبرز مكانة غسان كنفاني في كونه السارد الفلسطيني لمرحلة التهجير واللجوء، وتشكُّل سؤال المقاومة الفلسطينية الذي تجاوز خطاب التفجع والبكاء وانتظار الإغاثة. فكنفاني هو أيضًا كاتب تجربته الشخصية التي تماهت مع التجربة الجمعية إلى درجة يصعب فصل الواحدة عن الأخرى. وهو يشكّل حالةً استثنائيةً في اقترابه المباشر من حرارة التجربة وكتابتها، من دون أن تحترق أجنحة الفنّ في كتابته. “

كما قال فيه أنطون شلحت وهو باحث في الشؤون الإسرائيلية، وناقد أدبي، ” مسيرة غسان كنفاني في الصحافة، تكاد توازي حضوره الإبداعي وتفوقه غزارة، لفت الأنظار في الكويت بتعليق كان يوقّعه (أبو العز)، وكان نشر مقالاته الأولى في (الرأي) في دمشق. كتب في الأدب والنقد، لكن مقالاته السياسية هي التي أثارت الاهتمام الأكبر.

الأدب الفلسطيني

 يُشير مُصطلح الأدب الفلسطيني إلى كلِّ ما كُتب من شعر ورواية وقصص قصيرة على يد الأدباء الفلسطينيين، والأدب الفلسطينيِّ جزءٌ لا يتجزَّأُ من الأدب العربي، تميَّز هذا الأدب بالسخرية وكثرة النتاجات الأدبية التي تدور حول موضوع الهوية والأرض ومقاومة الاستعمار.

ويشتهر في هذا الأدب الشعر الوطني ووصف المنافي التي احتوت أبناء فلسطين التي لم تزل منذ عقود ضحية الاحتلال الصهيوني، ولعلَّ أبرز أدباء الأدب الفلسطيني الشاعر محمود درويش والروائي غسان كنفاني والشاعر سميح القاسم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق