حصاد اليوممدونة الاتحاد برس

أم الفقراء تأكل أولادها


في حوار تلفزيوني بمسلسل رمضاني للكاتب السوري رامي كوسا، يسأل أحد شخصيات المسلسل وهو مغترب شخصًا آخر: كيف حال الوضع في سوريا ؟ فيجيبه : التّحتا ولا الفوقا ؟! ويكمل بما معناه هنالك بلدان الآن الفوقا حيث الناس متخمة من الغنى الفاحش، والتّحتا حيث الناس تتسول الملح.

إنها آثار الحرب الجديدة، بفقرائها وأمرائها إذ تصل الحرب إلى مرحلة تصبح فيها بعض مؤسسات الدولة وحتى قوانينها حاجزًا إقصائيّا بين الطبقتين؛ مهمته أن يمنع طبقة التّحتا من التهام الطبقة الفوقا جوعا وحسرةً، أو حتى من تحصيل حقوقها بحجة القانون المفصّل على القياس السلطوي، ويمنع طبقة التّحتا من أن تنمو أو تزدهر دون مقابل أو تقديم طاعات وخدمات.

إن المشكلة الكبيرة في المتحكمين باقتصاديات العالم الثالث في الدول الخارجة من الحروب، بأنّهم يرمون هذه المشكلات في سلة الصراع الطبقي، وينظرون إلى تذمّر الطبقات الفقيرة على أنها غَيرة طبقية طبيعية للفقير من الغني.

بيد أنّ واقع الحال يغدو فيه الفقير عموًما في بلدان ما بعد الحرب ينظر إلى الغني المستحدث أو “حديثي النعمة” كما هو دارج في العامية، ينظر إليه نظرة خيانة وليس حقد طبقي : فقد كان عدد كبير منهم من أبناء الطبقة الوسطى أو الفقيرة وقد قبلوا غالبًا ومقابل امتيازات أو أموال أو حتى بعض النفوذ أن يتحولوا إلى أثرياء حرب يقدمون خدماتهم، وأيضًا ينتقدون ويتململون من شكوى الفقراء فأصبحوا خط دفاع أول عن الإجراءات الاقتصادية الجديدة بوجه فقراء البلد بأسلحتهم المتنوعة من التخوين حتى الإيذاء الجسدي، وذلك مقابل الامتيازات الأمنية والأموال التي أخرجتهم من وحل الفقر المدقع .

إن الرفاهية التي تكاد تكون وحيدة هذه الأيام وبإمكان الفقراء أن يحصلوا عليها هي رفاهية المعرفة، فنسبة المتعلمين بين الفقراء في بلدان الحروب تكاد تكون الأعلى وهذا الحال مستمر منذ عقود.

أغلب أساتذة الجامعات في سوريا إلى اليوم خرجوا من بيئات فقيرة أو معدمة، وبما أنهم الطبقة الأكثر ثقافة وتعليمًا فهم الطبقة الأكثر وعيا للمشكلات الاقتصادية الاجتماعية و السياسية.

ويمكن القول أن الحروب الحقيقية في هذا العالم التي يمكن أن تحدث التغيير الشامل والجذري والعلمي لا تكون ساحاتها في ميدان القتال ولا أدواتها الأسلحة الثقيلة.
هذه الحرب تبدأ من الجامعات بين/ في أروقة البحث العلمي والمختبرات، فجميع القطاعات التنافسية الإنتاجية و الخدمية والأمنية والعسكرية والتكنولوجية والطبية يجري التحضير لها في الجامعات ومراكز البحث العلمي، هذه القطاعات تبقى مهملةً أغلب الأوقات في دول العالم الثالث ولم تكن سوريا استثناءًا في يوم من الأيام.

هي معركة وعي عام بهذه التحديات والاستحقاقات التي يواجهها العالم الثالث، وسيكون هناك المزيد من الاستنزاف الاقتصادي لموارد هذه الدول وشعوبها فيما لا لزوم له؛ للصرف على التشكيلات المقاتلة والقوات المسلحة لمحاربة النتائج الأخيرة للأزمات، في وقت كان بالإمكان تجنب الكثير من هذه الحروب والحفاظ على الأرواح التي فُقدت خلالها لو تغير الميدان إلى المختبرات العلمية والجامعات ومراكز الدراسات لمحاربة أسباب هذه الأزمات.

إنه لا مجد يبنى باستخدام القوة عسكرية وحدها، بل استخدام القوة العسكرية يعني أننا في الحضيض، لأنه إعلان صريح على أن كل الحلول العلمية والمبدئية والسياسية انتهت خصوصًا في الحروب الأهلية الداخلية.

لايزال العديد من الأساتذة الجامعيين السوريين معرضين للاعتقال أو الطرد والعقوبة بسبب محاضرات ستعتبر غير ملائمة للمزاج الجديد تحت حجة ” وهن عزيمة الأمة”، أو حجج جديدة أدرجت في القانون السوري لتكون عوضًا عن غياب الاعتقال القديم الذي “ألغاه” إيقاف العمل بقانون الطوارئ عام 2011.

لاتزال الكثير من السلطات الحاكمة في بلدان العالم الثالث تقع فريسة تعويم فكرة “المجد الحقيقي في السلاح ” لا بل تحاول شحذها دائمًا كمًا ونوعًا مستغلة هذا الخطاب الإيديولوجي القديم لصرف جزء كبير من الدخل القومي في تمويل تشكيلات مسلحة إضافية تحمي مكاسبها وتدير عبرها المرافق الحيوية للتكسب والمنفعة الشخصية.

تسعى هذه السلطات إلى ترغيب الفقراء واليائسين بالانضمام إلى التشكيلات المقاتلة أوقات الأزمات تحديدًا بدلًا من صرف الأموال على التعليم والبحث العلمي أو الطبابة والتنمية.

في بلدان ما بعد الحرب، ليس من الصعب إقناع الشباب بالانضمام للتشكيلات المقاتلة عبر منح الامتيازات؛ فترى بعض الجنود أو الضباط ممن يخدم في الأماكن الحساسة يقودون سيارات فارهة أو يتملكون منشآت وقطاعات سياحية، نعم لقد تحولوا من جنود إلى رجال أعمال عسكريين.

لاتزال الطبقة الفقيرة في سوريا تعاني في ظل عدم وجود سياسيات اقتصادية واضحة، بل إن السياسيات الاقتصادية إذا ما وضعت فليس من مصلحة راسميها أن تصطدم بالمصالح الاقتصادية لحيتان البلد.

الغالب الآن هي السياسات الاقتصادية الارتجالية أو التجريبية التي تزيد الوضع سوءًا يوما بعد يوم وتؤدي إلى المزيد من التردي المعيشي، بينما لاتزال الطبقة اللفقيرة في سوريا تتعرض لتهكم وتنظير ما بأن عليها الصمود من أجل الوطن _ هذا هو الخطاب الرسمي الآن.

يعتبر المسؤولون الاقتصاديون علنا أن تململ فقراء سورية نوعا من التصرف غير المحبب في ظل “تعرض البلاد لمؤامرة “، بينما في الحقيقة أن فقراء سوريا هم في حالة دفاع وليس تذمرًا أو هجومًا، بل هم في حالة دفاع عن مستحقاتهم ومكتسباتهم التي تسرق علنًا وبوقاحة يوما بعد يوم من قبل هذه الحفنة من المسؤولين التي وغالبًا تنشقّ في النهاية إذا ما تم كشف أمرها وتتحول من السرقة من خزينة الدولة إلى السرقة من خزينة الضفة الأخرى الأكثر غنىً .. “المعارضة”.

الآراء الواردة في مدونات الاتحاد برس لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق