قلم توكموزاييك

أركيولوجيا الأوبئة.. من فوكو إلى حاضرنا الموبوء

إنّ عالمنا الموبوء لا يبدو في مكان التقويم والفرز والرصد بَعْد، بالقدر الذي هو به في مرحلة الصدمة، وإنّ التشكّلات المعاصرة للأنظمة التجارية والرقابية والاجتماعية بدأت فعلاً بالبزوغ على شاشة الحياة اليومية للإنسان.

وليس التأخّر في استيعاب الجديد (كالأشكال الرقابية) وإدغامه في مجتمعاتنا طارئة حديثة؛ وإنّما هو حالة اجتماعية تكرارية تاريخياً كانت كفيلة بتشكيل كلّ أنماط العيش الإنساني التي نعرفها اليوم.

حفريات الأوبئة

صاحبت الأوبئة والجوائح الحياة البشرية منذ القدم، وحدث أن ارتبطت تواريخ هذه الأوبئة بتمخض عتبة وانتهاء أخرى من عتبات التاريخ البشري، ومشهد اليوم يعود بي إلى القارة الأوروبية التي واجهت جائحة الطاعون بين عامي (1347)و(1352).

قتل الطاعون ما يقارب ثلث سكان القارة؛ فاتُخذِت الإجراءات الصارمة، وأُغلِقت المدن على أبنائها، ورُوقِب الأحياء، وأُقفلِت أبواب المنازل أربعين يوماً على ساكنيها، وأُخلِيت الشوارع إلا من حراسها، وأُحصيِت أعداد وأسماء ومعلومات أفرادها في وثائق رسمية، لكنّ انحسار الطاعون لم يشكّل نهايةً لهذه التدابير (الوقائية)؛ فها هو المفكّر الفرنسي “ميشيل فوكو” يتحدّث في كتابه (المراقبة والمعاقبة: ولادة السجون) عن فتوح كانت جديدة في آليات الرقابة الاجتماعية وعن نشوء سلطة أخطبوطية امتدت في عمق الحياة الفردية.

إنّ الطاعون بهذا المعنى تحوّل من وباء مميت إلى أسلبة* تعتمدها السلطة في ممارستها؛ فالمدن المصابة بالطاعون تخضع إلى الرقابة الدائمة، إنّها المدن الفاضلة بالنسبة للحكام الذين لم يعد عليهم اللجوء إلى وسائل القوة لتطويع المحكومين.

وُلد من هذه الجائحة نظام رقابة جديد، فبعد أن كانت الرقابة مقتصرة على المدن الموبوءة، غدت موزّعة على طول الشبكة الاجتماعية وأكثر توطّناً، وتمّ ذلك من خلال التقنية التي أطلق عليها فوكو “الانضباطات”، وهي تقنية سلطوية تعمل على جعل الجسد الإنساني طيّعاً ومراقباً عبر المؤسسات التعليمية والطبية والعسكرية ومصنّفاً دائماً في دفاتر السلطة مقابل منحه بعض الهبات والخدمات النفعية الاقتصادية والاستشفائية وغيرها.

وإن ابتعث الطاعون عصر الانضباطات؛ فقد ابتعث الجذام طقوس الاستعباد والاستبداد من قبله؛ حيث نفي وحجز مرضى الجذام على طول القارة الأوروبية في مستشفيات وأماكن حجر خاصّة بهم، وتمّ إقصاؤهم من الحياة الاجتماعية، بينما اختفى الوباء بشكل غريب، ولكن ما لم يختفِ بعد ذلك هي التغيّرات البنيوية للمجتمع (كتقسيم المجتمع إلى شريحتين) والطقوس السلطوية (النفي والعزل) التي خلّفها الجذام، والتي يبدو أنّها استهوت الملوك آنذاك، ممّا جعل الأماكن نفسها تشهد فيما بعد إقصاءً وعزلاً يهدف إلى الفصل والتفريق الاجتماعيين، وحلّ فيه الفقراء والمشردون والمرضى العقليون وحاملو الأمراض الجنسية وكلّ من يرى الملك بنفيه مكان المجذومين.

لا يختلف مشهد البارحة عن مشهد اليوم؛ فالعالم يقف عاجزاً أمام جائحة بيئية وصحّية جديدة مردّها لانتشار فايروس “covid 19″، ويسهى في معرض هلاكه هذا عن التنبّه إلى ولادة أعتى عصور الرقابة.

فمع ظهور المجتمع الاستهلاكي الحديث ومع تطّور الأنظمة الرقابية تكنولوجياً; تطوّرت أشكال أخرى من الرقابة تختلف عن سابقتها، حيث استخدمت السلطة فيها تقنيات الترغيب والإغواء وخاطبت مَلَكَات اللذّة والمتعة والبحث عن التفرّد، وهذا ما أشار إليه سيغموند باومان، مفكّر الاجتماع البريطاني، ناعتاً إياه بعصر التعرّي والعري؛ فالسلطة تراقب الأفراد وهم يستعرضون أنفسهم ودواخلهم على منصّات التواصل الاجتماعي،وتوزّع، بذريعة حفظ الأمن، كاميراتها وأجهزتها في الأحياء والمدن والمطارات، وبهذه القوى الناعمة تنشئ نظاماً رقابياً عاتياً وشفّافاً لا يميّز الفرد فيه بين الرقابة والأمن، وقد بلغ هذا النظام الرقابي أشدّه مع اجتياح “covid 19” العالم بأسره.

التجربة الصينية

تنوّعت وتباينات الإجراءات التي اتخذتها الحكومات والدول لمحاربة الفايروس الجديد ودفعه للانحسار، لكنّ التجربة الصينية تختلف عن مثيلاتها وتستحق الوقوف عندها مطوّلاً؛ فقد بدأت الصين استخدام الكاميرات الحرارية المزوّدة بتقنية التعرّف على الوجه، وعلى الأشخاص الجالسين أو الواقفين قرب صاحب الوجه، وتحديد الأشخاص المصابين بالحمّى عبر هذه الكاميرات المطوّرة، وكلّ ذلك كان بهدف تصنيف الأفراد المصابين وإعلام الآخرين عبر تطبيقات الهاتف المحمول عن أماكن تواجدهم أو مساكنهم.

ومع التأكيد على فعالية هذه التقنيات ونجوعها كحلّ وقائي، يبقى السؤال جاثماً بكلّ ثقله: هل تختفي أجهزة الرقابة الجديدة من الشوارع ووسائط النقل مع انحسار الفايروس المستجدّ؟

تتباين إمكانات السلطة الرقابية وتتنوّع والفترة القادمة كفيلة بأن تجلي لنا ما يمكن أن تستحدثه من آليات وضبوطات جديدة; ولكنّ الأكيد هو أن التفاعلات الاجتماعية قد تفقد العنصر الإنساني قريباً، والرأسمالية بالطبع ليست إلى زوال كما يزعم البعض؛ فالمصلحون الجدد سينشرون التكنولوجيا مستغلّين الكارثة البشرية للحفاظ على النُظم الرأسمالية، ومعاونتها على التجذّر في العمق القصي للحياة الإنسانية، وستُرسَّخ أدواتهم فيما بعد كوسائل أساسية لحلّ المشاكل المجتمعية وللسيطرة على السلوكات الفردية والجماعية.

إن المؤشرات التاريخية إذا ما تتبعنا الخطّ التاريخي لولادة الأنظمة الرقابية تشير إلى ميلاد فرصة جديدة تعزّز فيها السلطة أدوات الرقابة خاصّتها، وربّما لن تتأخّر التجربة الصينية عن التفشّي كحال الفايروس، وقد نكون على أعتاب ولادة مؤسّسات جديدة (تختلف عن سابقتها) تعنى ببياناتنا الشخصية، وبحيواتنا بشكل غير مبرّر، ولأغراض عامّة أو قسرية؛ فليس ثمّة ما يؤخّر الصين الشعبية عن تعزيز نموذجها الفظّ للعولمة (الشقّ التجاري خاصّة) ونشر تجربة استخدام أدوات وتكنولوجيا الرقابة الرقمية في الحدّ من أنشطتنا اليومية ورصد المخالفات.

مآلات الإنسانية..

لطالما أثارت الجوائح في الأذهان مشاهد الاحتضار والخراب والوجل، إلّا أنّها شكّلت في سالف العهود، وقد تشكّل اليوم أيضاً، قيداً متصلّداً وصلباً يقبض على أعناقنا، ويمكن شدّه من الأطراف ساعة الحاجة لخنقنا.

هذه ليست المرّة الأولى التي يُنعى بها الإنسان، وليست الأخيرة بالطبع؛ فقد أعلن ميشيل فوكو موت الإنسان فيما مضى، ذلك حين أصبح الأخير موضوعاً للعلوم الإنسانية وللمعرفة وللمؤسّسات التي تناسلت عبرها الأنظمة الرقابية، وبدلاً من أن يدرك نفسه عن طريق هذه المعرفة، أخذ يتبخر ويتلاشى.

ما سيفرزه الوباء ليس إلا خطوة جديدة نحو حلم الرقابة التكنولوجية التي ستكون كفيلة بوأد الإنسانية كمفهوم، وإحياء التاريخ الطبيعي* الذي يردّ كلّ شيء فيه إلى قواعد ثابتة ومبادئ عامة لا تفرق بين الإنساني والطبيعي، وتقدر على التحكّم حتّى بالإنسان وباطنيته، وعلى اختراق إدراكه وأخلاقه وكلّ ما يحمله من مفاهيم عن الطبيعة البشرية.

قد يتاح للإنسان اليوم تحقيق كل ما يطمح إليه اقتصادياً وحسّياً، وقد يصبح إلهاً لواقعه بتجاوزه لكلّ ما هو إنساني ومعنوي؛ لكنّه في هذه اللحظة نفسها، سيفقد ذاته الحقيقية وهويته، وسيتحوّل إلى آلة تُنتج وتُستَهلَك بكفاءة، وسينتهي وجوده ككائن قادر على الاختيار الحرّ ولن يجد مهرباً له من ذلك.

إنّنا إذاً على أعتاب قطيعة تاريخية جديدة لا بدّ ستقودنا إلى الاغتراب عن أنفسنا وجنسنا البشري، وستصيّرنا إلى مهووسين بالأمن ومدمنين على الحماية وعلى رقابة السلطة إلى حدّ جَعلِها جزءاً منطقياً وضرورياً من حيواتنا، حتّى أنّ تلك الحيوات ستكفّ عن أن تكون شيئاً خاصّاً بنا وحدنا، وكما قال صامويل هنتنغتون: “من يريد أن يُحدِّث فليُغرَّب”.

……

*أنظمة من الأساليب تعتمدها السلطة
** وهو التاريخ الخارج عن إرادة الإنسان بالاحتكام إلى قوانين وقواعد ثابتة تتكفّل تفسير كلّ جوانب الحياة وإدماجها.

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق