السلايد الرئيسيتحقيقحصاد اليومقصة مصورة

النازحون في طرطوس.. غصة مزدوجة مع قدوم عيد سرقت الحرب فرحته

الاتحاد برس_طرطوس

تحقيقات

لايزال “داوود حلاق” (75 سنة) الذي هاجر من الرقة منذ سبع سنوات يقطن في ريف طرطرس بعد أن انتقلت ملكية منزله بالقوة إلى أحد أفراد جماعات داعش خلال سيطرتها على المنطقة آنذاك، هو رجل اعتاد على كرمه وحسن ضيافته أهل بيته وأبناؤه، ولكن مع مرور الوقت استنزفت كل موارده وبقي على راتب التقاعد الذي لايتجاوز 40 ألف ليرة ولايكفي أجرة منزل ومتطلبات عدة أيام من أسبوع الشهر المحدد له.

الحكاية اليوم

خرج “داوود حلاق”صباح  اليوم الأول من العيد ليرافق زوجته إلى منزل ابنته فتركها تصعد لوحدها إلى المنزل وبقي أمام البناء يتجول لوحده مع إصراره على عدم الرغبة في التحدث مع أحد أو تبادل تهنئات المعايدة مع عائلته و معارفه فبدا للجميع وكأنه يعاني مرضًا نفسيًا معينًا.

اعتاد “داوود حلاق” أن يجمع أسرته وأحفاده على مائدته في أول يوم من كل عيد يحتفل بهم ويقدم المأكولات الشهية لهم ويهدي أحفاده ألعاب العيد والعيدية والحلويات، لكن هذه الطقوس أصبحت تفوق طاقته مثله كمثل الكثير من السوريين، لذا اختار أن يكون الانزواء والصمت والحزن والتفكير الطويل رفيقه.

تقول زوجته “فريال الكتيبي” (59 عام) “للاتحاد برس” منذ دخولنا الأسبوع الرابع من شهر رمضان الفضيل أخذ زوجي لنفسه زاوية في غرفته وأصبح لايتناول الفطور معنا بل يأكل لوحده دون أي سبب يدعوه لفعل هذا التصرف، وبعد أيام و خلال نقاشي مع أبنائي عرفنا سبب صمته واكتآبه ولكنه إلى يومنا هذا لا يستجيب للحديث مع أحد.

وتضيف: “زوجي اعتاد أن يكون من المساهمين بالأعمال الخيرية خلال الشهر الفضيل على مدى عمره حتى بعد أن أصبحنا دون منزل وبدخل محدود فهو كان يقاسم المحتاجين بلقمته، ولكن الواقع اختلف اليوم ووصلنا إلى مرحلة يصعب عليه أن يدخل ولو بكيلو حلوى للبيت كي يحتفل أحفادنا من خير العيد وبركته “.

ملتقطة في سوريا

وتتابع “فريال” للاتحاد برس: “أقدر الحالات التي يمر بها بسبب عدم تحمله لشعور العجز عن تأمين متطلبات الحياة أمامي وأمام أحفادنا  لكنني لست بأفضل من حاله؛ فأنا أيضًا مريضة قلب وفقدت الكثير وثقلت الهموم على كاهلي. هموم ولدي “أمجد” الذي سافر ليعمل ويقدم العون لنا بعد أن أغلقت الأبواب في وجهه في سوريا وأصبح اسمه مطلوبًا للخدمة الإلزامية، ذهب ليعمل في العراق منذ أربعة أشهر لكن سرعان مااحتدمت مصائب كورونا وزادت الطين بلة، هذا الوباء الذي أوقف عمله وجعل رئيسه في العمل يتخلى عنه فأنا لاأستطيع أن أقف لجانبه ولا حتى أن أساعده لكن أدعوا له بالفرج القريب”.

أما حفيدة الجد “نيرمين مهنا” (6 سنوات) حدثت الإتحاد برس قائلة: “ارتديت ملابس مرتبة ونظيفة لكنها لم تكن جديدة فالفستان أصبح أقصر وأجمل لأنني كبرت قليلًا، وخرجت في صباح اليوم الأول لأعايد الجيران الذين أثنوا على جمال فستاني القصير والكتابات الجميلة التي زينته والورود الطبيعية التي وضعتها أمي على ضفائري التي أحرص على عدم قصها، أخذت العيدية منهم ورجعت إلى أمي فرحة.. نعم سأذهب إلى السوق وأشتري بها لعبة جديدة ألعب بها في العيد أنا وأخي الصغير”.

وتابعت “مهنا”: “بعد أن غادرتنا جدتي الحنونة، خرجت وأنا سعيدة بالعيد لأن والدي ووالدتي معي لأشتري اللعبة التي أحلم بها من العيدية التي حصلت عليها من جيراننا، لكن لم تكن العيدية كافية لسعر أقل لعبة في المحل فـ اقترحت علينا والدتي أن نشتري قطعة من الشوكولا ونخبئ باقي المال في الحصالة ليتثنى لنا شراء لعبة في وقت لاحق بعد أن أجمع المزيد من المال”.

صورة تعبيرية/سوريا

الجانب الآخر من الحكاية

تشهد العملة المحلية تراجعًا كبيرًا في السوق السوداء لتصل إلى مستويات قياسية الأمر الذي تسبب في مضاعفة أزمة المواطنين إلى درجة العجز عن توفير المواد الاستهلاكية الأساسية. أصبح الكثير من الناس عاجزين عن تأمين متطلبات الحياة اليومية في ظل الظروف الراهنة نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار الذي وصل إلى 1750 ليرة سوريا.

“سلاف العلي” (37 عامًا ) ربة منزل من سكان ريف طرطوس تقول “للاتحاد برس”: منذ يومين نزلت للسوبر ماركت لأشتري بعض متطلباتي وخلال تواجدي في السوبر ماركت دخلت عجوز تحمل كيسًا من النقود الحجرية على مايبدوا أنها نقود من حصالة.

وتابعت “العلي” طلبت العجوز من الشاب علبة شاي صغيرة وكيلو سكر وأعطت كيس النقود للشاب، وتبين أن الكيس يحوي 650 ليرة، فقال لها الشاب: النقود لاتكفي سعر سلعة من السلعتين اختاري إحداها فردت العجوز مدهوشة لكن هذه النقود كثيرة “الكيس كبير” فأعطاها كيس السكر وطالب منها مغادرة المكان.

وتضيف “العلي” لاأستطيع وصف كمية الخيبة والصدمة عند العجوز التي وقفت كاللوح وأنا اسمع الحوار وأشاهد العجوز تتقدم خطوة للأمام وتعاود للخلف لتقول للشاب “كيس النقود كبير”.

وتقول “العلي” خرجت وراء العجوز وطالبت منها العودة لتختار ماتشاء وعادت لتأخد الشاي ومعدات “المحموسة”التي ستحضرها كوجبة غذاء لأسرتها بفرحة عارمة.

وأضافت: “فرحت بمصادفتي تلك العجوز وحزنت بالوقت ذاته على الوضع المزري الذي وصلت إليه شرائح واسعة من الناس”.

من جانبها، تصف “العلي” للاتحاد برس كمية الفقر المنتشرة وخاصة في الأرياف فهناك عائلات تعجز عن شراء الخبز المدعوم رغم انخفاض سعره، وتضيف أعلم بعائلة منذ أشهر تلملم بقايا الخبز وتبلله بالماء وقد ترش السكر عليه في حال تواجده لتأكله وتسد رمق الجوع.

إن معظم العائلات فقدت معيلها إما بالموت في الحرب أو بالإعاقة الجسدية التي أثرت على نفسيتهم وعطائهم وأحستهم بالعجز فأصبحوا يومًا بعد يوم يغوصون في بئر الفقر.

هذا ناهيك عن الهجرة التي نثرت السوريين في أصقاع الأرض الواسعة يتأرجحون بين فاشل يعيش على المساعدات وآخر ضحك له الحظ بعمل موفق ولكن إلى متى؟

صورة تعبيرية

الحكاية من منظور آخر

من جانبها تقول أخصائية الدعم النفسي “فرات جرجس” (35 عامًا) “للاتحاد برس”: “الشعب السوري صاحب مرونة عالية، اعتاد أن يوجد بدائل للتأقلم ووصل لمرحلة استنفذت طاقاته نتيجة ضغوط سنوات الحرب المتواصلة وأصبح في بعض الأحيان عاجزًا عن إيجادها”.

وتؤكد: إن المال هو الوسيلة التي نستطيع من خلاله تلبية احيتاجاتنا، عن طريقه نستطيع أن نشتري الطعام والغذاء أو نحصل على منزل لنلبي حاجة الأمان، لكن مع نقص المال من المفروض أن نسعى لاستراتجية أخرى لتيلبية هذه الاحتياجات والمتطلبات.

وتضيف “جرجس”: ” لنفترض أن الجدة التي كانت تعطي أحفادها مالًا في العيد فقدت استراتجية المال فمن الممكن أن تعوض تلبية حاجتها بالحنان والتقدير والاحترام لأحفادها فتكون هذه بدائل للمال والهدايا المعتادة، تستطيع أن تدوّر قطعة ثياب على يدها وتكون بديلًا أيضًا بطريقة مختلفة، وهنا أركز على أهمية المرونة التي يمكن من خلالها أن نستعيض عن شيء مقابل شيء آخر.

وتقول “للاتحاد برس”: “أي حاجة عند الإنسان لا تُلبى قد تولد حالة مشاعر غير مرغوبة كالحزن والغضب والخوف فإذا لم يكن عند الشخص مرونة لإيجاد بدائل لتلبيتها واستمر الشعور بالغضب لمرحلة أطول قد تولد اضرابًٍا نفسيًا ومن ثم تصل إلى الاكتآب”.

وهنا لابد من التركيز على أهمية الدعم النفسي لدعم القدرات الجسدية والعقلية والفكرية للأشخاص المتضررة في ظل الظروف الراهنة لنزيد المرونة والتكيف، ولابد من الإشارة إلى أن ردات الفعل وقدرة التأقلم تختلف من شخص لآخر.

الخلاصة

خلفت تسع سنوات من الحرب العاصفة في سوريا دمارًا واسعًا في اقتصاد البلاد وانتقل أكثر من 75 % من الناس للعيش تحت خط الفقر، وذلك وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة ومئات مليارات الدولارات من الخسائر ومئات الآلاف من القتلى وأكثر من مليوني بيت مدمر، كل هذا بسبب تعنت كل الأطراف في الوصول لحل وتحديدا السلطة في دمشق ، ولم تعد أنياب الحرب هي فقط من يخنق المواطن بل ظهرت أشباح أخرى أهمها تجار الأزمات والشبيحة الذين تسلقوا على شباكها ليستنزفوا دماء السورين الفقراء ويبنون مستعمرات ثرواتهم الواسعة.

ويعاني أكثر من نصف السكان مشكلة تأمين الغذاء لهم ولأسرهم وذلك لاعتمادهم على موضوع المياومة الذي يبعد الإحساس بالأمان ويجعل الناس في حالة قلق مستمر من اليوم قبل الغد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق