شباك في المهجر

برلين: أحمد الشيخ تفرد فني مضنٍ في مزج الثقافات   

الاتحاد برس ||

استطاع الفنان السوري “أحمد الشيخ” أن يبني جسرًا ثقافيًا من خلال أعماله الفنية بإصرار وعزيمة جعلت منه ممثلًا ومعلمًا متميزًا.

تواصلت “الاتحاد برس” مع الفنان “أحمد الشيخ” فحدثنا عن رسالته في مشروعة الفني قائلًا: “بدأت مشروع حوار الحضارات والثقافات عن طريق الفن منذ عام 2008 من خلال شركة لانتقاء الممثلين الناطقين بالإنكليزية وباقي اللغات العالمية “The Actors Guild” أو “عُصبَة الممثلين “التي قمت بتأسيسها في دمشق بالتعاون مع شريكي السابق المخرج المسرحي الأميركي “جول أذامر” وقد أسهم ذلك المشروع الجريء والجديد بإعطاء صورة حضارية مشرفة عن الدراما و الثقافة السورية لشريحة فنية عالمية جديدة وواعدة في ذلك الوقت”.

وأضاف “الشيخ”: أنجزنا العديد من الأعمال الضخمة و الناجحة مع مخرجين كبار كالمرحوم شوقي الماجري، أيمن زيدان، باسل الخطيب، فلاديمير ناخبتسيف، غزوان بريجان، حاتم علي، وآخرين داخل وخارج سوريا.

وتابع “أحمد الشيخ” للاتحاد برس: “انتقلت منذ ست سنوات ونصف إلى ألمانيا وتعتبر هذه المرحلة مكملة لمرحلة سوريا فنيًا ولكن على مستوى عالمي أعلى وأوسع من خلال مخاطبة العديد من الثقافات خارج محدودية قُطر أو إقليم، تعلمت الكثير وطورت نفسي أكاديميًا وعَمَّقت تجربتي فنيًا، ومفاهيمي إنسانيًا ،من خلال محاورة الآخر والعمل برفقته كأنداد”.

وأضاف “الشيخ” للاتحاد برس: “تابعت مسيرتي و بنفس الخط من خلال عملي كمخرج وموجه تربوي مسرحي وممثل في ألمانيا مع العديد من المؤسسات كمدرسة الريف الخاصة (ردولف شتاينر) المسرح الكَنَسِي والقومي وفرق تمثيلية خاصة والصليب الأحمر في بادربورن غرب ألمانيا ومن ثم كمُرَبِّي جمالي مُجاز ومخرج ومؤدي في استوديوهات وعلى خشبات  “تياتر هاوس”.

وعن أعماله المسرحية قال “الشيخ” للاتحاد برس: “قدمت حوالي ثلاثين عملًا مسرحيًا باللغة الألمانية لجمهور جديد وواسع، وسررت بتعميق الطروحات وتنويع الأفكار ضمن محيطي الجديد من خلال فهم ثقافته وأساليبه ودمج  ثقافتي وأساليبي معها في منتوج فني حضاري عالي الجودة،  كان ألمانيًا خالصًا أحيانا وتعدديًا أحيانًا.

الصعوبات التي يواجهها الشيخ في رسالته الفنية

من جانبه قال “أحمد الشيخ” نواجه صعوبات إنتاجية من ناحية التمويل بطبيعة الحال لكن ثمة الكثير من المنتجين والزملاء الذين ألتقي وإياهم إنسانيًا وفنيًا وبرفقتهم أتابع المسيرة”.

هناك صعوبة في إيجاد هامش الوقت الكافي للتمرين والتشذيب كون أغلبنا وأنا منهم نعمل في وظائف ثابتة ودوام كامل في مجالات أخرى، بالإضافة إلى صعوبة إيجاد أمكنة للتدريب وخشبات للعرض بسبب كون برلين عاصمة مسرحية كونية مهمة وحيوية ومشغولة وخشباتها محجوزة أغلب الأوقات.

وأضاف: “أواجه صعوبة شد المتلقي العربي و السوري العادي للحضور و المشاركة بسبب عدم اهتمام غالبية الجاليات بالفنون ومشاكل فهم اللغة والمحتوى للجدد منهم، وأيضًا صعوبة مد جسور ثقافية أوسع بين ضفتي المتوسط وذلك بسبب الحروب والقلاقل في الشرق الأوسط سابقًا وإغلاق الحدود في ظل أزمة كورونا حاليا”.

وتابع “أحمد الشيخ” قدمت على الشاشات السورية والعربية أكثر من خمسين مسلسلًا  بين 2002 و 2017، هناك محطة رسختني كممثل سوري باللهجة السورية بعد ثماني سنوات من الصبر والكفاح والبدايات خاصة في المسرح والتلفزيون للأدوار الناطقة بالإنكليزية والعبرية.

الأعمال التي تركت بصمة في مسيرته الفنية

كان لمسلسل “لعنة الطين” عام 2010 وقع خاص حيث قدمت شخصية النقيب الفاسد في الجمارك في فترة الثمانينات “كنعان” برفقة الصديق “وائل شرف” الملازم أول “جواد” الذي يتتلمذ على يدي “كنعان” ويصبح فاسدًا متمرسًا بإدارة تهريب السلاح والمخدرات وباقي الممنوعات على الحدود وقتها أثناء فترة حالكة من التاريخ السوري المعاصر لا زالت تتردد أصداؤها و آلامها وآثارها حتى الآن في خِضَمِّ المأساة السورية المستمرة.

 وأضاف “الشيخ”: طبيعة دور النقيب الفاسد “كنعان” الرجل الخفي والخبيث الذي ينسج خيوط الجريمة المنظمة عبر كواليس السلطة مع أبو نزار (الفنان الكبير المرحوم خالد تاجا) الذي يلعب دور المسؤول النافذ والنائب في مجلس الشعب الذي يبيع الشعب الوطنيات والمبادىء في النهار ويتقاسم الحصص المالية الشهرية الضخمة من عائدات التهريب الحدودي القذر مع ربيبه كنعان في الليل.

 وقال للاتحاد برس:

“فتتالت بعده العروض و الأدوار الرئيسية في العديد من الأعمال الضخمة والهادفة مثل: السيدة، تخت شرقي، أنا القدس، يا مال الشام، تحت سماء الوطن، الولادة من الخاصرة وغيرها الكثير من البصمات الفنية لغاية ابتعادي المؤقت عن الدراما السورية”.

وتابع: “وبعد ذلك انتقلت إلى تقديم البرامج في التلفزة التركية و تنظيم وتقديم الفعاليات والأنشطة الثقافية والفنية في لبنان ومن ثم بدأت مرحلة نوعية جديدة و عالمية في مجالات الإخراج والتمثيل المسرحي باللغة الألمانية في ألمانيا وفرنسا وغيرها من دول أوروبا الغربية بعد هجرتي إليها”.

من جانبه يضيف “أحمد الشيخ” للاتحاد برس عن الدور الذي قدمه في ألمانيا وكان له وقعه المميز قائلًا: قدمت المسرحية الألمانية المثيرة للجدل (تغيير المكان) في متحف “SS Ideologie und Terror ” أو إرهاب وإيديولوجية (عقيدة وفكر) الحرس النازي الأسود SS بقلعة هتلر التاريخية المرعبة المسماة: “فيفلسبرغ شْلُوْسْ” في بلدة “بيورين” غرب ألمانيا من إنتاج مسرح مدينة بادربورن القومي ٢٠١٦ Theater Paderborn.

وأضاف: “تلك المسرحية بالذات كانت حدثًا استثنائيًا ومحطة غير نمطية نقلتني من الإخراج وتدريب الأداء و التوجيه التربوي المسرحي إلى التمثيل كبطل مطلق ناطق باللغة الألمانية أمام جمهور ألماني صرف وضمن شروط فكرية خاصة جدًا تمس شغاف قلوب وضمائر الشعب الألماني منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية”.

وقال: “استُدعِيْت للكاستينج أو تجارب الأداء والانتقاء عام ٢٠١٤ بعد أن لمع اسمي في مدرسة الريف (رودلف شتاينر شوله) والمسرح الكَنَسِيْ والخاص كمخرج ومؤدي وقتها، دام التحضير وبحث سبل الإنتاج وتجهيز  المكان وانتقاء زملاءنا الذين كانوا سيقفون لأول مرة على خشبة المسرح من ذوي الاحتياجات الخاصة من القاصرين حوالي السنتين”.

وتابع للاتحاد برس: تتمحور فكرة المسرحية حول إعادة الاعتبار للمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة الذين كانوا سابقًا يتم حرقهم مع الشواذ جنسيًا والغجر واليهود والبولون و الروس وسائر البشر المعذبين ممن كانت تعتبرهم العقيدة الشمولية النازية الألمانية و الفاشية الإيطالية أعراقًا منحطة يجب إبادتها وحرقها والتخلص منها في سبيل خلق إمبراطورية عالمية ذات عرق صافٍ وسلالة نخبوية بيضاء بعيون زرقاء لتحكم العالم.

وأضاف “الشيخ”: “قمنا كفرقة مكونة من حوالي ثمانية عشر ممثلًا ، خمسة عشر منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين ومنهم زميل مقعد على كرسي متحرك يعاني من شلل الأطراف والدماغ (بينهم أنا و زميلتان ممثلتان محترفتان من مسرح مدينة بادربورن القومي غرب ألمانيا) بتجسيد الأدوار الرمزية للضحايا واستخدام المناسيب الأربعة للمتحف المرعب فاصطَحَبْنا المشاهدين معنا في رحلة غير نمطية في دواخلهم و دواخلنا وعبر المكان القاتم الكئيب.

وتابع للاتحاد برس عن المسرحية: “كانت رحلة تأمل ومراجعة ذاتية ومشاركة إنسانية من الرقص والارتجال والغناء والرياضة الروحية والمحبة والتسامح والأداء الجماعي والمقابلات العفوية معنا فردًا فردًا (عملًا بمبدأ كسر الجدار الرابع الفاصل بين الجمهور والمؤدي) عبر الطوابق أو المناسيب الأربعة لمتحف الإرهاب النازي بين اللقى الخاصة بالسجناء والضحايا و صور القادة النازيين المجرمين وصولًا إلى قاعات اليوغا و التأمل، وختامًا في مكتبة القلعة التاريخية التي يبلغ عمرها قرابة ٦٠٠ عامًا وكانت المقر الرئيسي للحرس النازي الأسود المختص بمعسكرات الاعتقال و الإبادة الجماعية وأفران الغاز البشرية والتجارب الوحشية على البشر من “أعراق  منحطة” بحسب النازية وقتها.

وقال “الشيخ”: “تجلى حوار الحضارات والثقافات بشكل بارز خلال العرض المسرحي من خلال دوري كبطل مطلق للعرض، حيث لعبت دور الفنان القادم من بلاد الشام أو سوريا الطبيعية أو الهلال الخصيب والذي يلف رأسه بالكفية الفلسطينية كتعبير عن انتمائه وجذوره وحنينه، وبنفس الوقت يرتدي “تي شيرت” و”شورت” المنتخب الألماني الكلاسيكي القديم لكرة القدم الفائز بكأس العالم لأول مرة عام ١٩٥٤ كدلالة على اعتناقه للقيم الغربية بدون أي عُقَد او انكفاء أو انعزال وخاصة الثقافة الرياضية الألمانية العظيمة والعريقة التي ترمز لنهضة الأمة الألمانية الجريحة من قلب الدمار والذل والهزيمة عام ١٩٤٥”.

وأضاف: كان العرض خاصًا جدًا ومخصصًا فقط للمواطنين الألمان دون الأوروبيين بمعدل   ثلاثين مشاهدًا في كل عرض أي تسعين مشاهدًا خاضوا معنا الرحلة خلال ثلاثة أيام هي زمن العرض المقرر، ومنعت كافة التغطيات الإعلامية والصحفية عنه لعدم إحراج النفسية الألمانية التي تعاني عار النازية و رُهاب المحرقة والذنوب.

وأضاف: “كنت من أوائل الممثلين السوريين الذين خاضوا مثل تلك التجربة الإنسانية الفنية الحوارية التعددية الجنونية والمعقدة بآن واحد عبر سنتين من العمل الشاق والمضني لإنجازه و تمويله”.

وختم “أحمد الشيخ” للاتحاد برس قائلًا: “أسعى لتحقيق المزيد من المشاركات التي ترضي طموحي الذي اسعى له في ايصال الرسالة الفنية والانسانية إلى العالمية، لأن الانسان يبقى إنسانًا على اختلاف عرقه وجنسه واحتياجاته.

يذكر أن “أحمد الشيخ” حاصل على ماجستير في علوم المسرح التوجيهي التنافسي التعددي/استديو انتركولتوريل أكتيف في برلين، ويعمل حاليًا مستشارًا عائليًا ومرشدًا للشباب في أقسام الرعاية الاجتماعية في كل من مجلس رعاية الشباب ومجلس شيوخ برلين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق