قلم توكموزاييك

روسيا ومصير الأسد.. احتمالات ودلالات

عادت إلى السطح مؤخراً، “تسريبات” تتعلق بمسألة “الحل السياسي” والموقف الروسي الذي يُحتمل أنه قد تبدّل وتغير من رأس النظام السوري. هي “عَودة”، بالقياس إلى أن السوريين وغيرهم اعتادوا بين فترة وأخرى، سماع هذا النوع من الكلام والاحتمالات.

تحبلُ السنوات التسع الأخيرة بالكثير مما يمكن أن يكون إيذاناً بأن “أيام الأسد باتت معدودة”، فإلى جانب تصريحات أمريكية كانت تعدّ أيام الأسد منذ عام 2011، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2016 أنه “غير متمسك ببشار الأسد”.

مع ذلك، قد يكون الموضوع مختلفاً هذه المرة، ونقول “قد” نظراً لتاريخ الخيبات التي مني بها الشارع السوري نتيجة تعويله على التوازنات الدولية. وتأخذ هذه الأحداث الأخيرة مغزاها نتيجة اقتراب استحقاقين انتخابيين رغم استحالة المقارنة بينهما، ألا وهما الانتخابات الأمريكية في العام 2020 و”الانتخابات” الرئاسية السورية في العام المقبل، وغير ذلك من استحقاقات.

يمكن للمرء أن يستشف الكثير من المفارقات والمواقف، على صعيد الموقف الروسي من النظام السوري أولاً، وأيضاً التبدلات والتحولات الدولية السياسية والاقتصادية التي حملتها موجة كورونا: انخفاض أسعار النفط، أزمة اقتصادية في بلدان العالم سواء المعنية بالشأن السوري أو غير المعنية به.

تمثلت هذه المفارقات بجملة من التسريبات والمقالات من قبل بعض وسائل الإعلام المحسوبة على الكرملين، والتي تلقفها الشارع السوري بالكثير من السخرية والضحك، حول فساد وعدم كفاءة القيادة السورية في إدارة البلاد.

والمفارقة هنا لا تعود إلى المعلومة بحد ذاتها بل بسبب مصدر ورودها، وكأن الجانب الروسي قد اكتشف ذلك مؤخراًً، أو كأن المتِّهم (بكسر التاء) يختلف عن المتَّهم (بفتحها) على صعيد الفساد والعمل وفق أسس المافيا وقوانينها.

إلى ذلك، انبرى معارضون سوريون ليقدموا جدولاً زمنياً لرحيل الأسد وموعداً للضربة العسكرية الأمريكية لإيران في سوريا، وهذه مفارقة أخرى تضاف إلى المفارقة السابقة، ذلك أن ضربة من هذا النوع، إن حصلت، ستكون قراراً يناط حمله بالرئيس الأمريكي ووزير دفاعه ورئيس أركانه وكبار قادة البيت الأبيض، ولن تكون “بوستاً” على صفحة لمعارض سوري.

مع ذلك، ثمة الكثير مما يمكن البناء عليه للقول أن رأس النظام السوري قد أينع وحان وقت القطاف.
بالتأكيد، لن تستمر الحرب إلى ما لا نهاية، ولن تكون سوريا أهم من ألمانيا التي وضعها الحلفاء تحت شروط صلح فرساي الشهير المذلة.

إن أي سوريا قادمة ستكون سوريا تعاني الإذلال والقهر على يد الوصايات الدولية التي ترقى لأن تكون استعماراً مستحدثاً. وإذا كان الأسد قد قدّم أوراق اعتماده للروس وتدخلو لصالحه، فإن الاستبدال سيكون سهلاً عندما يستنزف المحتلون تابعهم، وهو ما تقوله الاتفاقية الأخيرة الموقعة حول توسيع بعض مناطق النفوذ الروسي ومنها قاعدة حميميم.

الأرجح، أن الروس يسابقون الزمن اليوم، لإنضاج حل سياسي سيكون مجحفاً بالتأكيد بحق ما قامت الثورة السورية لأجله، إلا أنه سيكون، غالباً، حلاً ينهي ويطوي صفحة الحكم العائلي لسوريا، ويفتح الباب لنظام سيء جديد.

وكان الروس قد سبقوا الاتفاقية المذكورة، بترفيع السفير الروسي السابق في الإمارات، وتعيينه ممثلاً للرئيس الروسي في سوريا، ما يعني أن بوتين سلم مفاتيح متابعة الشأن السوري وملفاته الأمنية والعسكرية والاقتصادية و”السياسية” للسفير المذكور ليدير سوريا بشكل مباشر.

وقد يكون من المفيد هنا التذكير بأن بلداً يحتاج إلى إعادة اعمار بما يقارب ال 530 مليار دولار وفق آخر دراسة صادرة عن “المركز السوري لبحوث السياسات” *، سيشكل فرصة مواتية لإعادة تنشيط الاقتصاد العالمي الذي يرزح تحت تبعات الأزمة التي سببها الوباء الأخير.

ومن المعلوم أن الأوروبيين كانوا شديدي الوضوح حول هذه النقطة من خلال ربط هذا الأمر بالحل السياسي في سوريا، وهو ما يستدعي إيجاد حل لعقدة بدائل الأسد. وترشح وسائل الإعلام العربية وغير العربية بالكثير مما يقول إن الروس توقفوا عن دعم النظام بالشكل الذي كانوا يدعمونه فيه مؤخراً. فإذا ما أضفنا إلى ذلك، مطالبة إيران النظام السوري بـ 30 مليار دولار كمستحقات يتوجب عليه دفعها، بات المشهد يقول الكثير.

مسألة الخلاف بين الأسد ورامي مخلوف هي عرَض من أعراض هذه الأزمة وليست سبباً لها، وهي واحدة من الأعراض التي تقول الكثير أيضاً، بعكس “تحليلات” المعارضين السوريين الذي ربطوا الموضوعين بشكل مختلف تماماً، وذهبوا إلى ربط الموضوع بالصراع الروسي الإيراني. فالطابع المافيوي للنظام السوري يدحض هذه الاحتمالات تلقائياً.

يمكن قول الكثير في مسألة أن النظام السوري قد انتهى عملياً منذ أطلق الرصاصة الأولى على متظاهري درعا عام 2011، وهو قول وجيه بالمعنى الأخلاقي وفي ما يتعلق بشرعية هذا النظام غير الموجودة أصلاً، إلا أنه يبقى ضمن الإطار العاطفي والوجداني بالنظر إلى نقطتين أساسيتين:

الأولى، شكل العلاقات الدولية وتحولاتها ووجود أنظمة مافيوزية واستبدادية “عظمى” في العالم على شاكلة النظام السوري وبنيته الاقتصادية، وهي كانت داعمة ومنقذة له من المحاسبة حتى اللحظة على الأقل.

والثانية، طبيعة النظام نفسه بالمعنى الذي أوجده وطوّره فيه حافظ الأسد، وربْطه هذا النظام بشبكة هائلة من العلاقات الإقليمية والدولية، بحيث بات التغيير في سوريا صداعاً يقض مضاجع القوى العظمى.

في حال صحت التوقعات والتحليلات التي تقول بقرب طي صفحة العائلة في سوريا، سيكون لهذا دلالات كثيرة عن بلدنا وتركيبته والنظام الذي حكمه، وعن المنطقة والعالم الذي يتحول إلى أشكال بشعة لم يعهدها من قبل.

*- المركز السوري لبحوث السياسات

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق