السلايد الرئيسيتحقيقحصاد اليومرصد

صناعة الدواء في سوريا تلفظ أنفاسها.. قانون “قيصر” ليس التحدي الوحيد

التضخم والفساد وفشل التخطيط الحكومي أسباب رئيسية

الاتحاد برس – حمص
هبة زين العابدين

يعيش القطاع الصحي والدوائي في سوريا أيامًا عصيبة قد تكون أخطر ما وصل إليه منذ عشر سنوات، على الرغم مما مر عليه من صعوبات كتدمير للمنشآت الدوائية والمستشفيات وانقطاع الكثير من الأدوية وقلة الأجهزة الطبية.

ومن المحتمل أننا نقف اليوم عند منعطف خطير قد يؤدي بإحدى أهم الصناعات الوطنية إلى الهلاك وسط تخبطٍ وحيرة، سواء بسبب العقوبات على سوريا، علمًا أنه تم استثناء القطاع الصحي منها، أو بسبب التقصير الحكومي، أو بسبب أيادٍ خفية تسعى متعمدةً لهذا الاختناق لغايات دفينة، كإغراق السوق بالأدوية الغير سورية، والتحكم بالسوق الدوائي عبر هذا الطريق.

انقطاع الدواء..إلى متى؟!

يمر السوق الدوائي السوري حاليًا بمشاكل كبيرة من ناحية انقطاع وعدم توفر الكثير من الأدوية الضرورية للمرضى، والذين يعتمدون عليها بشكل دائم وخاصة مرضى الغدة الدرقية وأمراض القلب والضغط حيث يحتاجونها بشكل ملّح للحفاظ على حياتهم.

والتقت “الاتحاد برس” مع الصيدلاني “ع . خ” ليطلعنا على حقيقة ما يحدث في القطاع الدوائي.

قال “ع خ” “نعاني كثيرًا في هذه الأوقات من انقطاع في أهم الأدوية الوطنية رغم وجود ما يزيد عن خمسين شركة وطنية قيد العمل، عانينا من هذا الموضوع منذ بداية “الاضطرابات” في سوريا لكن وصلنا الآن إلى أسوأ مرحلة”.

وحول أسباب انقطاع الدواء أوضح الصيدلاني قائلًا ” إن انقطاع الأدوية يأتي من رفض المعامل التصنيع بأسعار زهيدة لا تتماشى نهائيًا مع التضخم الحاصل في البلاد من جهة، وبين إصرار وزارة الصحة ورفضها لرفع الأسعار باعتبار الدواء “خط أحمر”من جهة أخرى”.

وبحسب الصيدلاني ع .خ فإن المعامل محقة في النهاية بهذا المطلب كون الدواء بالنهاية صناعة تتطلب استثمار وضخ الملايين ولا يمكن أن تصنّع وهي خاسرة، فهذا يهدد استمرارها بإنتاج الدواء.

وفي الصور المرفقة يظهر لنا ع .خ الفارق ما بين الرف الشبه خالي في صيدليته، وهو مخصص لأدوية القلب والضغط، والرف الممتلئ وهو عبارة عن المتممات الغذائية والتي قد أغرقت المعامل بها السوق لأن سعرها يرتفع مع سعر السوق ولا تخسر بها.

صورة تظهر رفوف الأدوية الأساسية وهي شبه فارغة
صورة تظهر رفوف المتممات التي تتوفر بكثرة بسبب ارتفاع أسعارها

تسعير على السعر القديم يسبب الخسائر..والصيدلاني الملام الأول على ارتفاع الأسعار!

يؤكد الصيدلاني في حديث لـ “الاتحاد برس” أنه على صعيد مهنة الصيدلة، فهي على حافة الاندثار كليًا إذا استمر الوضع بهذا الشكل، خاصة مع تحميل الصيدلاني كل خسائر المعامل ومشكلاتها مع الوزارة، بالإضافة لوضعه في “وجه المدفع” لتحمّل اللوم أمام المواطنين.

وبحسب ع .خ فإن مهنة الصيدلة تمر بأسوأ أيامها، فإنه ومع استمرار التضخم وانهيار العملة السورية، هنالك استنزاف مستمر برأس المال والذي مازال مرتبطًا بسعر تصريف الدولار القديم بل القديم جدًا لليرة السورية، مضيفًا “معاناتنا ليست فقط مع السعر القليل للدواء بل مع آلية وكيفية التسعير و هامش الربح القليل”.

وخصوصًا مع تدفق الأدوية المستوردة الروسية والإيرانية بشكل كبير، واستفادة بعض” الروس الكبيرة “،على حسب تعبيره، من موضوع الأدوية المهربة عن طريق لبنان.

فوضى التسعير التي تتبعها الصحة السورية…

يؤكد الصيدلاني في حديثه، أن هناك إهانة واضحة واستهتار في طريقة تغيير الأسعار حيث لا يصدر أي قرار رسمي معلن يخص كافة أصناف الأدوية، بل تعتمد الوزارة أسلوب النشرات التسعيرية المجتزئة والمبعثرة، وهي على هذا الحال منذ شهور، حيث يتم تغيير سعر نوعين أو ثلاثة من الأدوية كل فترة وبعشوائية، ومن دون إعلان للناس، بل يتم إرسال الأسعار للصيادلة فقط.

ويتم إرسال نشرات الأسعار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن يتم تصويرها بالنقابة، ويصل الكثير منها بصورة غير واضحة، كما في الصورة المرفقة كمثال عن رداءة تصوير النشرة وبالتالي الاستهتار الممارس، وبحسب ع خ فإن هذا الاستهتار يسبب فوضى بالتسعير ويضع الصيدلاني بوجه المواطن على أنه الملام وأنه يتاجر بأرواح الناس.

ويقول الصيدلاني متحسّرًا “بالنسبة للأسعار والربح فعلى عكس الفكرة السائدة أن عظامنا من ذهب، فإن الوزارة مشكورة قد أخفضت نسبة الربح للصيدلي إلى ١٦.٥ بالمئة فقط،
ومع أسعار أقل ما يقال عنها تعبير أضحوكة، فأغلبها بكسور لم يعد أحد يتعامل بها إلا الصيدلاني”.

وفي الصور مثال لأدوية بسعر 305 و 310 ليرة سوري، وهذه الكسور لعملة أصبحت أعلى قيمة ورقية مطبوعة فيها تعادل تقريبًا دولارًا واحدًا، وعن تأثير الكسور على البيع يقول الصيدلاني ع .خ كمثال هنالك دواء اسمه تريديرم سعره ٢١٥ وتسعيرة الصيدلي ١٨٥ ليرة، وبسبب أسعار الوزارة غير المدروسة وبوجود الكسور تباع ب ٢٠٠ ليرة أي بربح ١٥ ليرة سورية اي ما يعادل ٠.٠٠٧ سنت !!، فمن يربح بالليرات في هذه الأيام؟!

إن هذه الأسعار والتسعيرات العشوائية، إضافة خط الوزارة “الأحمر”، قد يتسبب بإغلاق العديد من المعامل والمستودعات والصيدليات في سوريا، والتي بدأ بعضها بالاغلاق بالفعل وبالصورة مثال عن أحد المستودعات الذي أغلق منذ يومين.

معاناة المرضى… وبوادر كوارث صحية

كل تلك المعلومات والمعطيات في كفة، والأجساد التي أضناها المرض في كفة أخرى، ففي الوقت يشتكي فيه الصيدلاني أو صاحب المعمل من نقص في أرباحه، يشتكي به المواطن المريض من نقص في صحته وعافيته يومًا بعد يوم، وسط انقطاع كبير في أصناف الأدوية المزمنة التي لا يمكنهم الاستمرار دونها.

وحول تلك المعاناة، التقت “الاتحاد برس” مع سمية.ن وهي مريضة غدة كانت قد استأصلت الغدة الدرقية منذ 3 سنوات، لذا يتحتّم عليها أن تأخذ بشكل يومي ومدى الحياة دواء يعوض عمل الغدة، وهو دواء “التروكسين“، والذي بدأت أزمة انقطاعه منذ حوالي 7 شهور، وتقول المريضة أنها كانت تعاني لتجد الدواء، ومن ثم تشتريه بأسعار مرتفعة جدًا نظرًا لانقطاعه، وأضافت سمية أنها اضطرت في كل مرة إلى تبديل جهة المنشأ من الوطني إلى الألماني إلى الهندي، حيث تأخذ ما تستطيع إيجاده، سواء كان مستورد أم تهريب.

وفي الشهر الحالي الذي يعتبر ذروة أزمة انقطاع الأدوية، ساهم عامل آخر غير ما ذكر في تحقيقنا آنفًا، في تفاقم هذه الأزمة، ألا وهو شراء بعض من يعانون من الأمراض المزمنة لعدة علب لصنف الدواء الذي يحتاجونه، خوفًا من أن يأتي الشهر القادم دون أن يتمكنوا من الحصول على علبة جديدة، وهو ما أكده الصيدلاني م. ح، حيث أكد انقطاع أدوية معينة منذ عدة شهور مثل الألتروكسين وهو دواء الغدة، والأدوية القلبية التي تحتوي على الفالزارتان، وهي مقطوعة منذ 3 شهور، وأدوية السكري والتي لم توزع منها أي قطعة لأي صيدلية منذ حوالي 20 يومًا، مما جعل المرضى تتهافت على تخزينها، رغم محاولة معظم الصيادلة أن يبيعوا قطعة واحدة لمن يطلبها كي لا تتفاقم أزمة انقطاع هذا الصنف، وحتى أن يتمكن الجميع من الحصول على دوائهم.

وحذر الصيدلاني م. ح أن الوضع لم يعد يحتمل أكثر، وأننا مقبلين على كارثة كبيرة إن لم تستدرك وزارة الصحة الأمر، فإن معظم الصيدليات خلال أسبوعين على الأكثر سوف تفرغ من الأدوية النوعية بشكل خاص.

وقال الصيدلاني أن فقدان هذه الأدوية النوعية قد تتسبب بازدياد النوبات القلبية وقد نشهد حالات إغماء مفاجئة لمن يعاني من مرض السكر، وهذا سيشكل خطر كبير يوازي خطر فيروس كورونا بل أكثر!

برلماني سوري يحذر من إغلاق معامل الأدوية.. ولرئيس الحكومة «أنتم فشلتم»!

حذر النائب في مجلس الشعب السوري وضاح مراد من إغلاق جميع معامل الأدوية بعد أن تنتهي موادها الأولية، خلال أسبوع، على حد قوله.

وخلال جلسة لمجلس الشعب قال مراد متوجهًا لوزير الصحة السوري نزار يازجي، ورئيس الوزراء عماد خميس “الدواء والغذاء خط أحمر وخطير على الشعب، وأنتم فشلتم حتى الآن في الغذاء، وماضون بطريقكم لغلق مصانع الأدوية السورية التي كانت تغطي احتياجات السوق المحلية، وبأرخص الأسعار، وتصدّر إنتاجها إلى أكثر من ثمان وخمسين دولة”.

وتابع “أعطهم الدولار بثلاثمائة وطالبهم بتخفيض سعر الدواء للسوق المحلي”، مشيرًا إلى أن “أزمة الدواء أخطر بكثير من كورونا..!”

وفيما يلي منشور للنائب مراد عبر صفحته الرسمية في موقع فيسبوك

فالتُقرع نواقيس الخطر جميعها الآن وأنا أقرعها.نعم يا حضرة وزير الصحة ويارئيس الحكومة ويا أيها الفريق الاقتصادي…

Publiée par Waddah Murad sur Dimanche 31 mai 2020

يعاني السوق الدوائي من جمود كامل منذ ما يزيد عن 15 يومًا، ومع توقف المعامل عن تزويد المستودعات بالدواء، ورفض الأخيرة بيع الصيدليات بدأ الكثير من الصيادلة إغلاق صيدلياتهم بانتظار انتصار إحد الأطراف ليعود الدواء للتوفر في الأسواق.

“وكل هذا وسط سكوت تام من نقابة الصيادلة، التي ليست سوى دمية بيد وزارة الصحة السورية، وعصا تستخدمها لترهيب الصيادلة المعترضين بدل أن تكون من يدافع عن حقوقهم”، على حد قول الصيدلاني، نقلًا لمعاناته ومعاناة زملائه في المهنة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق