جرن حنطة

“السليقة”.. أكلة وموروث شعبي لا يزال حيًا حتى اليوم

الاتحاد برس _ المحرر الرئيسي

لطالما توارثت الأرياف السورية الطقوس والعادات على مر الزمن، ولم تغب الأكلات الشعبية عن هذه الطقوس، فلكل منها مناسبته الخاصة وطقوسه التي تكسبه رونقًا وميزة خاصة، تجعل منه إرثًا شعبيًا حقيقيًا.

السليقة أو القمح المسلوق، إحدى الأكلات التراثية التي تشتهر بها الأرياف السورية، تحتفظ تفاصيلها بذكريات السوريين، ويرتبط تحضيرها بمناسبات عدة.

وهي عادة سنوية يقوم بها أهل الريف والقرى وهي التحضير للحصول على مؤونة البرغل, وخاصةً البرغل العمقي (السوادي) وهو الأساسي لعمل الكبة النية والتي هي عروس المأكولات الشعبية في قرانا.

يؤمن السوريون من هذه الأكلة مؤنة البرغل السنوية، حتى أنها تحولت إلى مهنة توارثتها الأجيال، سواء في الساحل السوري أم في شمال البلاد.

 تسمى السليقة “دانوك” باللغة الكردية, وبهذه الكلمة يمكن لك أن تقف على حدود الرغبة في التقاط حبات من القمح المسلوق، ولا مانع من ذرات ملح، أو سكر، لتتمتع بطعم لذيذ، ونحن نقدم هذه الوجبة التي تمتد معنا طوال موسم شتوي كامل.

وتواظب معظم العائلات في منطقة القلمون الشرقي بريف دمشق، في شهري تموز و آب من كل عام، على التجهز والاستعداد لمؤونة فصل الشتاء، حيث يحرصون على سلق القمح للحصول على البرغل الذي يعتبر المكون الغذائي الشعبي لأبناء الريف، وذلك وفقًا لطريقة قديمة تقليدية متوارثة عن الأجداد، وهي من أساسيات الاستعداد لفصل الشتاء في منطقة الجزيرة في الشمال الشرقي في سوريا.

طقوس السلق

يتم الحصول على مادة البرغل من خلال سلق القمح في ملحمة تراثية محببة يشترك بها أهل الحي جميعهم تقريبًا، وفيما يخص طقوس إعداد وتحضير السليقة، فإن هذه الطقوس لا تنحصر على مشاركة الجيران والأقارب فحسب، وإنما تُشكل عيدًا للأطفال الذين يتجّمعون حول “الحلّة”  وبحوزتهم صحونٌ صغيرة، بانتظار تناول حصتهم من السليقة المخلوطة بقليلٍ من الجوز والسمن العربي، والمحلاة بالسكر أو الدبس، ليتلذذ الأطفال أكثر بنكهتها.

طريقة تحضيرها

يأتي موسم السليقة مباشرةً بعد موسم الحصاد مباشرةً حيث تحدد كل عائلة الكمية التي تكفي حاجتها من مؤونة البرغل, ثمَّ يتم الحصول على كمية القمح المطلوبة.

ويقوم أساس العملية على سلق القمح في قدر كبير باستعمال الحطب، ويتم نشر القمح المسلوق على سطح المنزل لمدة 3 أيام مع تقليبه، وتعريضه للشمس بشكل مستمر لضمان جفافه كليًا.

يتم بعدها طحنه واستخراج عدة أنواع من السميد والبرغل منه، والتي تشكل مادة أولية لأغلب الأكلات الشعبية، مثل البرغل، سميد الكبة، النخالة، الخشانة، سميد والكتلك (أكلة كردية تشبه الكبة لكنها تؤكل مسلوقة)، وتترافق السليقة مع صنع الشعيرية التي تتم إضافتها للبرغل، من دقيق القمح باستخدام آلة خاصة.

هذا الطقس مهدد بالاندثار بسبب تراجع الكثير من أهالي المنطقة عن صنع السليقة التي تتطلب مجهوداً كبيراً في صناعتها رغم انها تلقى شعبية كبيرة خاصة عند الأطفال الذين يتجمعون حول القدر بانتظار أخذ حصتهم منها.

هذا هو يوم السليقة, فرح يشمل القرية بكامله حيث يتهافت الجيران للمساعدة في نقل القمح أو التصويل أو النقل على سطح المنزل ونقل الماء, ولا بدَّ أنَّ جميع الجيران ومن يمر في تلك الفترة لا بدَّ من أن يأكل من “السليقة”.

وعلى الرغم من انحسار عملية سلق القمح في مناطق كثيرة، إلا أنها تلقى شعبية كبيرة لدّى الأطفال، لذلك تجدهم مستمتعين بهذا الطقس الذي قد لا يتكرر إلا مرّة واحدّة كل عامين أو أكثر، فلا مانع من الاحتفال بهم وسلق العرانيس والبطاطا مع القمح، أو حتى شوائها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق