مدونة الاتحاد برس

معاناة المرأة في نظامنا الاجتماعي المزور

تضرب الأزمات الاجتماعية والاقتصادية دولنا غير المستقرة بشكل دوري، وترمي بالعقد التي تخلّفها في وجه المرأة ومنزلها. في القرن الواحد والعشرين لاتزال المرأة العربية تُبتز بعاطفتها وبشعور الأمان لديها حتى اليوم.

مازال الطلاق مكروهاً في المجتمعات العربية، يرافقه صورة مهزوزة و معيبة للمرأة المطلقة في المخيال العام غير مقبولة في هذه الألفية الثالثة. نسبة كبيرة من النساء في العاالم العربي يقبلن العنف الأسري والمعاملة السيئة بسبب ضغط الأعراف الاجتماعية التي ترفض “التسريح بمعروف” الطلاق.

عن الابتزاز

في العالم العربي ومع قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها ولا تنصف المرأة وحقوقها بالشكل المعتبر والمطلوب أسوة بالدول الحديثة.
المرأة التي تطلب الطلاق قد تُبتز بأولادها إذا ما قرّرت التمرد على هذه الأعراف الاجتماعية وطلبت الانفصال. يحصل أن تُحرم من رؤية أطفالها فتضطر للبقاء في منزل الزوجية؛ ستكون خائفة قلقة غير قادرة على تربيتهم  بشكل سليم، قد تتحول إلى مربية قاسية ستجد عقد التحكم الزوجية وإرهاصات علاقتها بزوجها طريقاً إلى أولادها ما ينتج جيلا مأزوما نفسياً، وعلاقة بين الأم وطفلها يشوبها التوتر والقلق.

تشير دراسات المنظمة الدولية لحقوق المرأة والطفل أن الأطفال الذين ينشؤون في بيوت تتعرض الأم فيها للعنف الأسري أكثر عرضة للإصابة بالمشاكل النفسية وأقل قدرة على مواجهة التنمر الاجتماعي من قبل اقرأنهم.

يتم تربية المرأة على أنها في درجة أقل من الرجل لجهة قدرتها على المسؤوليات الكبرى أو فيما يتعلق بجدارة عقلها في حمل الدين والعقيدة.. ويرطن الجهلة بتكرار مَثلٍ عنصري في هذا السياق أربأ بنفسي عن ذكره.

التأطير ومفهوم الشرف الملتبس

الشرف والانغلاق(السترة) مواصفات اجتماعية كي تكون عروس مرغوبة ، فتربى العديد من الإناث بين ممنوعات عديدة منها عدم الاختلاط بالذكور والحذر الشديد في التصرف واللباس والخوف الدائم على شرفها (شرف العائلة).

ممنوع أن تختلط أو تجلس القرفصاء وممنوع ركوب الدراجة الهوائية واللعب في الشارع حفاظا، وإذا ما تزوجت عليها أن تكون أنثى كاملة في سرير الزوجية أو كما يقال باللهجة العامية الدارجة ” عاهرة في سرير الزوجية”.

النظام الأبوي لايزال يلقي بثقله على المرأة وحدها. لاتزال الأنثى تعاني عقدة الضلع القاصر في بيت الأبوية. فتيات كثيرات معترفات أو ناكرات ينتظرن الرجل الحلم الذي يملي فراغهن العاطفي الناتج عن ظلم العائلة وقيودها، ما قد يورطها في الوقوع بابتزاز الرجل الحلم نفسه.

أحلام الفتيات، رجل يتفهم تغييراتها الهرمونية الطبيعية ويراعي نقص الاهتمام الذي كبرن معه في بيوتهن لتنظر لمن يعطيها العاطفة على أنه حلم الحياة الكبير والمخلّص لتعود لتنتج هي نفسها نظام أبوي جديد في بيت الزوجية.

يتعرض الكثير من فتيات اليوم للابتزاز الجنسي والنفسي من الرجال، يحاولن الهروب من هذه المآسي وحلها والنجاة من الحصار النفسي وحيدات دون أي دعم اجتماعي أو عائلي. المرأة في المجتمعات العربية بشكل عام في مرحلة النضال لنيل الاعتراف بإنسانيتها الكاملة والاهتمام النفسي والعاطفي الذي هشمته العادات والتقاليد وأحكام الجسد.

وفي الواقع إن هذه النظرة المجحفة والدونية من قبل الرجل للمرأة نابعة من عقد السيطرة والتملك الراسخة في الشرق العربي وليس من العقد الأنثوية. نقطة الضعف التي يرتكز عليها الرجل في محاولته للسيطرة على المرأة لحمايتها بإدعاء الخوف عليها من الرجال الآخرين، بحجة الحماية هذه يستحوذ عليها ويغلق عليها جدران الحياة.

عن الفخر والعار والمبادرة

هناك صورة نمطية للرجولة والفحولة في الثقافة العربية مستمرة حتى اليوم ترى في الرجل كونه ذكراً معياراً كافياً لرجحان الإعلان والفخر بينما المراة/الأنثى كيان يهدد الرجل بالعار لضعفها جسديا.

يمكن تفهّم معاناة المرأة لو عُكس الأمر: لو أن للرّجل حيض ودورة شهرية لكان في أدبيّاتنا ومجالسنا تنافس الرجال على حيضهم؛ ومغالاتهم بفخرهم به، واعتبروا أن من ينزف أكثر، له من الرّجولة أكثر.

كون الرّجولة بأغلب أدبياتها العربية المتوارثة هي شنب ، أو طول ، أو عرض  أو قدرة جنسية .. أي ظواهر طبيعية بشرية بحتة حولها العرب لمقاييس. ولكانت المستحضرات الطّبية المخصصة لتلافي آلام الحيض وعلاج مشاكله مجّانية أو شبه مجّانية.

“في المجتمعات العربية لدم الرجل ثأر ودية، ولايوجد ديّة ولا ثأر لدم المرأة”

ولأن الحيض وتوابعه ظواهر أنثوية وأموميّة ، ورغم أنها طبيعيّة ومفتاح سيرورة الحياة .. لكنّها لاتزال أمراً محرجاً معيباً بثقافتنا، ننكره رغم وضوح وجوده وضروريّته ، متجاهلين الطّب والعلم والطّبيعة؛ ولاتزال مستحضراته وأدويته باهظة الثّمن التي توضع في نهاية قائمة السلع الملحة رغم أهميتها  لذلك تدعو  المحامية “براءة الطّرن”  ناشطة نسوية قائلة:

“لقد أصبح سعر علبة المحارم النسائية ١٥٠٠ ليرة، الأمر لم يخطر على بال كثيرين في خضم الحديث عن أولويات الطعام و الدواء. بنفس الوقت هناك موضوع النظافة الشخصية، والسلامة الصحية فهو مهم جداً. وإذا كنت صبية قادرة على الاستغناء عن ١٥٠٠ ليرة بالأسبوع، أو أقل ستكون بادرة لطيفة منك ان تتركي علبة بحقيبتك، إذا ما رأيتِ سيدة محتاجة لها “.
وهي مبادرة أولى من نوعها، فالمبادرات في هذه الظروف  موجهة لمساعدة الفقراء بالدواء والطعام، وحتى المبادرات الموجهة للنساء فقد تركزت بشكل كبير على مكياج مجاني لعروس فقيرة أو تجهيز عرائس بسعر رمزي أو إعارة مجانية لفساتين عرس أو خطوبة والتي تصب في سياق النظرة الذكورية للمرأة.

تكريس النمطية وقانون الأحوال الشخصية في سوريا

وفوق كل هذا جاءت الدراما السورية أو ما يسمى مسلسلات البيئة الشاميّة لتركز هذه الصورة النمطية عن المرأة الساعية لإرضاء زوجها وأبيها أو حتى أخيها خوفاً من بطشه. عملت هذه الدراما على تركيز هذا الموضوع وعرضه دون الإشارة إلى أنه مشكلة بل حالة أمر واقع طبيعية  وماعزز هذا الأمر هو المشتري الخليجي لهذا الأعمال ليعرضها على مجتمعات “محافظة” فالمنتج سوري لكن المستهلك خليجي.

ومن المثير للانتباه أن العديد من ربات المنازل يفضّلن الهدايا التي تكون (طناجر) جديدة أو فناجين قهوة أو أدوات مطبخ، يعني أن النساء بتن يفضّلن إلى حد ما الهدايا التي تتعلق بعملهن المنزلي بينما أن العديد من النساء يعانين من التعب والأمراض المزمنة كالتهاب المفاصل أو الدوالي بسبب العمل المنزلي والوقوف الطويل.

لقد عملت سوريا على تعديل قانون الأحوال الشخصية لتعديل الوضع الاجتماعي للمرأة بضغوط من الأمم المتحدة دون المس بجوهر المشكلة الاجتماعية  الذي يتعارض تعديله مع التعاليم الدينية بسبب ضغط رجال الدين ووزارة الأوقاف، حيث استطاع المشرعون السوريون إجراء تعديلات طفيفة بعد موازنة ضغوط الأمم المتحدة وضغوط رجال الدين بحجة الشرع.

ورغم أن سورية كانت قد صادقت على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 2002، إلا أنها تحفّظت على مواد أساسية في الاتفاقية بما لا ينسجم مع غرض الاتفاقية وجوهرها ولاينسجم مع الواقع الفعلي للمرأة السورية.

كان التحفظ على بعض المواد  بدواعي مخالفة تلك المواد للشريعة الإسلامية كالعادة ومع العودة إلى تلك التحفظات نجدها تتركز على المساواة أمام القانون وما يتصل بالمرأة لناحية علاقاتها الأسرية وحياتها الخاصة وحقوقها في منح الجنسية لأولادها.

وفي غياب المصادر الرسمية العربية التي تتحدث عن العنف الأسري ضد المرأة في فترة الحجر الصحي بسبب وباء كوفيد 19 سننظر إلى الإحصاءات الأوروبية الرسمية التي نشرتها وكالة الأنباء الألمانية وأشارت إلى إمرأة واحدة من بين ثلاث نساء تعرضت للعنف من قبل زوجها أو طليقها أو أحد أفراد أسرتها.

وفي المتوسط، حوالي 100 إمرأة كل يوم تلفظ أنفاسها بسبب العنف المنزلي في أوروبا. التقرير يؤكد أن ظاهرة العنف داخل الأسرة ازدادت بنسبة 30 بالمئة في البلدان الأوربية منذ بداية الحجر الصحي.
لقد أُطلق على هذه الظاهرة اسم “الجائحة المستترة”. حسب وصف مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة والمديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، فومزيلي موالمبو- نكوكا.

سنصل إلى استنتاج ليس مؤكداً وموثقاً ولكن يبدو بالقياس مع أوروبا فإن وضع المرأة في البلدان العربية ليس جيداً حيث لا قوانين تنصفها، ويعتبر التذمر أو الانتفاض في وجه الأعراف أمر معيباً ومثلبةً إذا ما تم الإعلان عنه ويهدد استقرار الفوضى التي نسميها زوراً نظاماً اجتماعياً مستقراً!

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق