السلايد الرئيسيتحقيق

حازم نهار للاتحاد برس.. عن الليرة السورية و قانون” قيصر” ومفاعيله.. آثار كورونا على العاصمة دمشق .. الاقتصاد السوري يترنّح بين حاضره ومستقبله المجهول (الجزء الثاني)

خاص _ الاتحاد برس
تحقيقات


استعرض هذا التحقيق في جزئه الأوّل حال العاصمة دمشق قبل أيّام من عيد الفطر السعيد، كما عالج وبحث في قضيتي التدنّي القياسي لسعر صرف الليرة مقابل العملات الصعبة وخلفياته، بالإضافة للشائعات المتداولة حول مجاعة مرتقبة في سوريا معتمدين على البحث الميداني وخلاصات حوارنا مع الخبراء.

أمّا في جزئه هذا فنسلّط الضوء على الآثار المباشرة التي خلّفها الحجر الصحّي  على العاملين والموظفين في القطاعين العامّ والخاصّ راصدين التغيّرات التي طرأت على حيواتهم بعد اتخاذ الحكومة السورية قراراً برفع الحجر في 23/5/2020.

وأيضاً نبحث في مستقبل الاقتصاد السوري في ظلّ اقتراب قانون قيصر من التفعيل في منتصف الشهر الجاري يونيو/حزيران، متسائلين عن مدى جدّيته ومبلغ تأثيره على حياة المواطن السوري واقتصاد البلاد، وعلى مستقبل مشاريع الإعمار والاستثمارات التي لاح الحديث عنها في الأفق مطلع عامّ 2017.

يشهد الاقتصاد السوري منذ مطلع العامّ الجاري وإلى الآن انكماشاً هو الأوّل من نوعه منذ اندلاع الحرب السورية في عامّ 2012؛ فتشهد الليرة السورية اليوم فترة عصيبة سجّلت خلالها أدنى مستويات سعر صرفها مقابل العملات الأجنبية بتسارع وتذبذب أرّق المواطن السوري خاصّة وأنّه لم يخرج بعد من صدمة الحجر الصحّي؛ القرار الذي كلّفه عطالة شهرين لا تعويض عنهما سيّما أنّ البلاد غارقة في أزمة اقتصادية جادّة منذ تسع سنوات.

قانون سيزر لا يرتبط بإدارة أمريكية محدّدة .. والليرة السورية إلى تدهور مستمرّ

في سعيها إلى الإحاطة بكلّ التداعيات التي يمكن لقانون قيصر أن يحملها على الاقتصاد السوري؛ حاورت الاتحاد برس الباحث في وحدة الدراسات السورية المعاصرة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور حازم نهار.

الدكتور حازم نهار
  • دكتور نهار إنّ سعر صرف الليرة يستمرّ في الانهيار أمام باقي العملات حتّى أنّه خرق سقف الثلاث آلاف ليرة للدولار الواحد قبل أن يعود ويتحسّن في الأيام القليلة الماضية، فهل سنرى تدنّياً آخراً وهبوطاً متسارعاً  كالذي عايشناه في الأيام المقبلة؟ وما المنطق الذي تحتكم إليه هذه التذبذبات؟

– تعيش الليرة السورية أدنى مستوى لها في التاريخ السوري، ومن المتوقّع أن نشهد هبوطاً متزايداً في قيمتها أكثر فأكثر خلال المرحلة المقبلة، ما سينعكس بالضرورة على الأسواق السورية، وسيزيد من ارتفاع الأسعار إلى درجة غير مسبوقة، ولا شكّ في أنّ هناك أسباباً عديدة وراء ذلك.

أوّلها، غياب منطق الدولة لدى مؤسّسات النظام، خاصّة بعد أن فرض النموذج الإيراني نفسه في سورية، فتحوّلت الدولة السورية/ النظام، من مؤسسات إلى ميليشيات لا تحترم قانوناً، ولا تقيم وزناً للمصلحة العامّة، وبات الاقتصاد أسير أمراء الحرب، فضلاً عن السياسات النقدية الفاشلة خلال العقد الفائت.

وثانيها، نقص احتياطي النقد الأجنبي والذهب، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين اللتين تستند إليهما عملات الدول من حيث قيمتها، وبات من المعروف أنّ البنك المركزي السوري فارغ من الدولار والذهب بسبب توقّف إيرادات ترانزيت النقل البرّي والبحري والجوّي، وتوقّف حركة التصدير إجمالًا.

وثالثها، إصرار النظام السوري على خيار الحسم العسكري طوال السنوات التسع الماضية، وهذا يحتاج إلى تمويل كبير استنزف قدرات الدولة السورية، ويُضاف إليه تحويل العديد من أمراء الحرب لدولاراتهم المنهوبة إلى خارج سورية، خصوصاً مع تخوّفهم من اقتراب تنفيذ قانون قيصر.

ورابعها، التوقّف شبه الكامل في عملية الإنتاج بسبب المعارك العسكرية التي حوّلت نسبة كبيرة من السوريين إلى مستهلكين عاطلين عن العمل بحكم النزوح في الداخل أو الهجرة إلى الخارج؛ فغياب الإنتاج معناه زيادة وتيرة استيراد المواد والسلع، وهذا يتطلّب صرف النقد الأجنبي المتوافر خارج سورية.

وخامسها، ارتفاع شدّة الخلافات البينية داخل بنية النظام العائلية الأساسية، وهي التي تتحكّم في النسبة الأكبر من الاقتصاد السوري.

وسادسها، العقوبات الاقتصادية على النظام السوري خلال السنوات التسع الماضية، أي قبل قانون سيزر، والعقوبات على الدول الداعمة له، خاصّة العقوبات على إيران، وكذلك تأثير الوضع في لبنان، خاصّة ما يتعلّق بالمصارف والبنوك اللبنانية التي تحتضن أموال كثيرٍ من التجّار السوريين، إذ مُنعت البنوك هذه صرف مبالغ كبيرة لعملائها، ما أدّى إلى أزمة في توفير النقد الأجنبي للنظام.

وسابعها، انخفاض أسعار البترول في السوق الدولية، الذي أثّر في اقتصادات الدول الداعمة للنظام، روسيا وإيران، ما أدّى إلى ضعف في قدرتهما على مساعدته.

ولا شكّ، أخيراً، في أنّه سيكون لقانون #سيزر أثر كبير، خلال المرحلة المقبلة، وسيؤدّي إلى مزيد من التدهور في قيمة الليرة السورية، وإلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، في حال وُضع موضع التطبيق بدءاً من منتصف الشهر الجاري.

  • اندلعت احتجاجات عارمة في الولايات المتحدة على إثر مقتل المواطن فلويد، فهل ستؤثّر هذه الاحتجاجات، كما تشير بعض التقارير، على تنفيذ قانون قيصر؟

– من المبكّر التكهّن بأثر الاضطرابات والاحتجاجات التي اندلعت في الولايات المتحدة، أكان في الداخل الأميركي أو خارجه، لكنّني أعتقد أن السياسة الخارجية الأميركية لن تتأثّر كثيراً؛ فأميركا دولة عظمى، وأثرها يطال العالم كلّه، وتستطيع تدبّر أمورها في الداخل والخارج.

أزيد على ذلك أنّ قانون سيزر هو قانون أميركي، أي أصبح جزءاً من سياستها الرسمية، ولا يرتبط بإدارة أميركية محدّدة، على الرغم من أنّه يعطي “الرئيس الأميركي” صلاحية إعادة تقويم الوضع السوري، والتحكّم في درجة العقوبات أو إيقافها، استناداً إلى تطوّرات الوضع السوري واستجابة النظام السوري لمتطلبات القانون.

  • لو تحدّثنا عن المفاعيل الأكثر إضراراً بالاقتصاد السوري في قانون قيصر؟ ولماذا؟

– تمتد الآثار الاقتصادية لقانون سيزر، في حال تطبيقه، إلى جميع جوانب الاقتصاد السوري؛ فالقانون ينظر إلى المصرف السوري المركزي بوصفه مؤسّسة مالية لغسيل الأموال، وتشمل العقوبات حظر المعاملات المالية والعقارية، وحظر دخول الذين يتجاوزون القانون إلى الولايات المتحدة، ويفرض القانون أيضاً عقوبات على كلّ من يسهم في توفير السلع أو الخدمات أو التكنولوجيا أو المعلومات، أو أيّ دعم من شأنه توسيع الإنتاج السوري المحلّي في مجالات عدّة، مثل الغاز الطبيعي والنفط والمشتقات النفطية.

وعقوبات أخرى على كلّ من يوفِّر أي دعم مالي أو تقني للنظام السوري أو لأيّ شخصية سياسية عليا في النظام، كما سيجبر القانون كثيراً من الدول والشركات الخاصّة والأفراد على إيقاف تعاملاتهم مع النظام السوري، مثل المصارف وشركات التأمين والشحن، وغيرها.

ويضيف الدكتور نهار:
نعلم أن تجارب الحصار والعقوبات في العالم لم تسقط نظاماً واحداً، بل وأدّتْ إلى مزيد من تضييق الخناق على الشعوب المحكومة من الأنظمة المستبدّة، ونعلم أيضاً أنّه على الرغم من قدرة النظام السوري على الالتفاف على العقوبات التي صدرت بحقّه في السابق، إلا أنّ قدرته ستكون ضئيلة أو محدودة جداً اتجاه عقوبات قانون سيزر في حال تطبيقه، كما ستكون تكلفة الالتفاف عالية جدّاً، وهذا كلّه سيزيد بالضرورة من معاناة الشعب السوري وتفاقم الأزمة الحياتية والمعاشية.

في جميع الأحوال، يتحمّل النظام السوري المسؤولية الكبرى عن الوضع الاقتصادي المتردّي، سابقاً ولاحقاً؛ فقانون سيزر مُصمّم لإعادته إلى الحلّ السياسي وتطبيق القرار 2254 الخاصّ بالانتقال السياسي، وبيده أن يوقف معاناة السوريين وتجميد القانون.

اقرأ المزيد:

قيصر ومشاريع إعادة الإعمار ..

في منتصف عام 2017 أخذت بعض الشركات السورية والخارجية تحكي جدّياً بخصوص مشاريع إعادة إعمار كان نصّ عليها المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 القاضي بإحداث منطقتين تنظيميتين في نطاق محافظة دمشق.

ونحاول في هذا المحور العودة إلى هذه المشاريع ومساءلتها بما يتعلّق بضرورتها كمشاريع سكنية، موضوعية تكلفتها المتوقّعة، آثار قانون قيصر عليها، وغيرها من المسائل العالقة والمبهمة.

وعن هذا تحكي الدكتورة رشا سيروب في معرض إجابتها على سؤالنا:

الدكتورة رشا سيروب
  • كيف سينعكس قانون قيصر على مستقبل الاقتصاد السوري وما تأثير ذلك على خطط إعادة الإعمار وما يتعلق بها من مشاريع لها علاقة بالبنية التحتية؟

– في حال تمّ وضع قانون قيصر حيّز التنفيذ، أبسط ما يمكن قوله أنّنا سنقع في كارثة اقتصادية أسوأ ممّا نعيشه اليوم، من أخطر بنوده أن القانون يستهدف عملية إعادة الإعمار وكلّ ما له علاقة بتأمين مصادر الطاقة المختلفة (الغاز الطبيعي أو البترول أو المنتجات البترولية)، وأنّ القانون يجيز فرض العقوبات ليس فقط على الحكومة السورية بل على كل من يتعامل (من الأفراد والشركات الأجنبية) مع الحكومة السورية أو يتعامل مع كيانات وأفراد خاضعين سابقاً للعقوبات.

وكما نعلم فإنّ القسم الأكبر من رجال الأعمال الذين تعتمد عليهم الحكومة في تأمين مستلزمات الاقتصاد هم خاضعين للعقوبات وبذلك فإن الشركات والدول الأجنبية ستعدّ للمليون قبل أن تفكّر في الدخول إلى سورية.

وما حدث مؤخّراً من مشادات بين الحكومة وأحد رجال الأعمال في سورية يعطي صورة حقيقية أن هؤلاء سيتخلّون عن دعم الدولة السورية التي حقّقوا ثرواتهم وراكموها على أرضها.

أمّا الدكتور نهار فيجيبنا عن سؤال:

  • كيف سيؤثّر قانون قيصر على مشاريع إعادة الإعمار ومشاريع الاستثمار التي دارت حولها العديد من النقاشات منذ عامين وإلى الآن؟

– جاء قانون سيزر ليقول لا إعمار في ظلّ نظام الحكم الحالي. فالقانون ينصّ على عقوبات للدول والشركات الخاصّة التي قد تذهب باتجاه إبرام أي عقود تتعلّق بإعادة الإعمار، أو تشارك في صفقات مع النظام السوري، أو الذين يتصرّفون نيابة عنه، أو عن روسيا أو إيران، ويفرض عقوبات على كلّ من يقدّم خدمات إنشائية أو خدمات هندسية كبيرة للنظام السوري، وعلى من يبيعون الطائرات، أو الأجزاء، أو الخدمات ذات الصلة التي تستخدمها القوات العسكرية التابعة للنظام.

الدمار في حلب / طريق الباب

ويردف:

القانون تحذير شديد اللهجة للدول كافّة، وللشركات والمؤسّسات الخاصة، فيما يتعلّق بآمالها في إنجاز أعمال تجارية مستقبلية مع النظام السوري، إذ سيضع القانون تلك الشركات التي كانت تنوي الاستثمار في السوق السورية في مهبّ العقوبات، مثل شركة هواوي الصينية، وشركات النفط والغاز وشركات التأمين والمقاولات والبناء، وغيرها، وكذلك جميع الشركات اللبنانية والخليجية التي أُسِّست لتكون واجهات جديدة للنظام السوري بقصد الاستثمار وإعادة الإعمار.

ويختتم بقوله:

القانون يخبرنا بصراحة، في حال تنفيذه، أنّه لن يكون هناك أي أموال من أي جهة أو دولة لإعادة الإعمار في سورية، وإن على الروس، وغيرهم، إعادة بناء حساباتهم المتعلّقة بسورية، وبالعملية السياسية، إن كانوا مهتمين فعلاً بتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار في سورية.

الدكتور عارف دليلة

ويفضّل الدكتور عارف دليلة معالجة هذه المشاريع من الجوانب الموضوعية والاقتصادية للبلاد منذ السبعينيات ولغاية اللحظة، فيقول:

– من الجيّد أن تعمّ هذه المشاريع البلاد، بمعنى أنّنا في أمسّ الحاجة لها قبل الدمار حتّى، فمنذ السبعينات وحتّى اليوم كانت تنمو الأحياء العشوائية، وفي دمشق قبل 2011 كان هناك 18 حيّ عشوائي، كلّ حيّ يعادل مدينة ويصل عدد سكانه إلى مئة ومئتي ألف.

وهذه الأحياء كانت تبنى بشكل عشوائي انطلاقاً من الضائقة الاقتصادية في سوريا، وفي الأخصّ لأصحاب الدخل المحدود؛ الذين لا يجدون الحاجّة الأساسية التي هي السكن إلا بأسعار غالية جدّاً تفوق مداخيلهم، فكانوا يلجؤون إلى الأحياء العشوائية، وهذه المساكن يصبح لها ثمن بسرعة، وهذا الثمن كان ثروة بالنسبة للفقراء.

ويتابع الدكتور دليلة:

حاجتنا إلى الشركات المستثمرة كانت طبيعية لأسباب اقتصادية وسياسية وغيرها، أمّا الآن يضاف لكلّ ذلك الدمار، الذي لم تعرفه بلد في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، لكنّ هذا الدمار لا يمكن معالجته بمثل هذه المشروعات؛ إذ ستظهر في البلاد أحياء كأنّها في الجنّة فيها أحدث المواصفات العصرية، وذلك بقدرات البرمجة التكنولوجية، لكنّ الشقّة سيكون ثمنها نصف مليون دولار مثلاً.. فأيّ مشكلة ستحلّ هذه المشروعات؟؟”

أمّا فيما يتعلّق بموائمة هذه المشاريع لسوريا كدولة منكوبة يحكي الدكتور دليلة:

– إنّ ألمانيا وفيتنام ودول أخرى تعرّضت لدمار شامل ولم تقم بمثل هذه المشروعات؛ لأنّ هذه المشروعات تصلح لدول ناشئة، ومناطق عمرانية ناشئة كدبي التي هي صحراء واسعة تعمل فيها الشركات على مشروعات كهذه وتسمّى: (تطوير عقاري)، ولكن ليس في موازاة الأزمة الطاحنة التي يعانيها الشعب عن بكرة أبيه، وبالأخصّ المهجّرين بعشرات الملايين، والنازحين الفاقدين للسكن.

إضافة لمن كانوا يسكنون عشوائيات غير صالحة للسكن على الإطلاق وتحتاج إلى إعادة تنظيم، بينما الدولة تغمض عينيها وتنشغل بأعمال المافيات والسرقات. والآن يضاف إلى ما سبق الحاجات الهائلة للضروريات قبل كلّ شيء .. الغذائية والسكنية منها.

ويضيف:

وهذه الشركات تحلّ مشكلتها هي وليس مشكلة الشعب، تستثمر أموالها في مشروعات مربحة تحقّق لها أرباحاً كبيرة، لأنّ المعروض من السلع التي تنتجها، والتي هي السكن، سيكون قليلاً بالنسبة للطلب، فسيكون هناك عدد كبير قد يصل إلى مئات الألوف الذين يستطيعون الدفع.

لكنّ الشعب الذي تعداده 20 مليوناً، وليس عشرة آلاف ولا عشرين ألف، لا يستطيع؛ فهم يحلّون مشكلة عشرة آلاف أو عشرين ألف من القادرين أو الموجودين في الخارج أو ممّن ينهبون ثروة الشعب في الداخل ويبتزونه ويسرقون أمواله ومداخيله ويعتدون على الثروات العامّة.

ويؤكّد:

أمّا عن الكيفية التي يتصوّر بها عملية إعادة الإعمار يقول:

إعادة الإعمار ذات المضمون الوطني والاجتماعي والإنساني لا تتحقّق إلا عبر خطّة وطنية شاملة، وهذه الخطّة لا تنجز على الأرض إلا بمساعدة الشعب بكامله؛ كأن تبادر المجتمعات المحلّية في كلّ منطقة لتنظيم منطقتها، وتجميع الإمكانيات لإعادة بنائها، وهذا ما لا تقوم به شركات خاصّة، ولا مؤسّسات حكومية تخدم مصالح فئة معيّنة من الناس.

واختتم قوله: وإنّما لا بدّ من استنهاض القوى الاجتماعية، قوى الأفراد والمواطنين بجمع الإمكانيات والتشارك والتعاون على إقامة أحياء جديدة ليست على حساب خلق مشكلات جديدة وإنما لحلّ المشكلات القائمة بتخطيط عامّ تقوم به الجهات الوطنية الحقيقة وليست المافيوزية.”

والجدير بالذكر أنّ هذه المشروعات تعرّضت للكثير من الانتقادات الشعبية كما أنّها أثارت سخطاً عاماً بين السوريين لما فيها من رمزية مضمرة تعكس تجاهل الحكومة والسلطة لكلّ الدمار الحاصل في سوريا وتركيزها على عمارات أقلّ ما يقال فيها أنّها عمارات لمليارديرية لا يمثّلون الشعب المنكوب.

اقرأ المزيد:

“كان على الحكومة تعويض الفئات المتضرّرة” .. “وما لحقّنا خلّصنا من كورونا أجانا قيصر!”

تواصلت الاتحاد برس، في معرض كشفها عن الآثار الفعلية لقرار الحجر الصحّي على القطاع الخاصّ، مع السيّدة رولا سليمان، عاملة في ورشة لصياغة الذهب، فحدّثتنا رولا قائلة:

– لقد بدأت الأزمة الفعلية لعملنا قبل أن تبدأ الحكومة في أخذ الاحتياطات الخاصّة بفايروس كورونا، فأنا لم استدع للعمل إلا فيما ندر منذ أكثر من أربعة شهور، ويعود هذا إلى تراجع واضح في إقبال الناس على شراء الذهب المُصاغ، هذا عدا عن التذبذب المتواصل في سعره; ممّا يدفع الناس والتجّار حتّى للتمسّك بالمعدن لأنّه يحافظ على سعره على عكس الليرة.”

  •  إنّ الصاغة حرفة ومهنة ضاربة في القدم خاصّة في دمشق، وتعدّ من أربح التجارات في السوق السورية، وموضوع التذبذب هذا كان حاضراً طوال السنوات الخالية، فكيف تفسّرين هذا “الإضراب الضمني” إذا صحّ التعبير من قبل أرباب العمل؟

– لم تكن الأوضاع قد بلغت هذه المرحلة من السوء بعد. كلّ شيء كان أقلّ تكلفة، من المواد الأوّلية ولغاية أجور العاملين؛ ولكن مع استحداث الآليات الجديدة لبيع المحروقات وغلاء بعض الخامات الضرورية للعمل، بات من الصعب جداً تأمين ظروف مناسبة للإنتاج؛ فمثلاً تحتاج ورشتنا من أربع إلى خمس أسطوانات غاز شهرياً، وإن وجدت هذه الأسطوانات بالسوق الحرّة وتمكّنا من شراءها فعلاً؛ فسيصل سعر الواحدة منها إلى 15 و20 ألف ليرة، وبهذا الشكل لن يتمكّن صاحب الورشة من ضمان حقوقنا، ما يدفعه إلى إراحتنا لمدد يكون فيها العمل متوقّفاً.

أمّا ريم مهنّا، مشرفة أطفال في روضة الرائد _ دويلعة، في حديث لها مع الاتحاد برس تقول:

– كان قرار الحكومة صائباً من حيث المبدأ فهذه الجائحة بإمكانها أن تودي بنا إلى النهاية خاصّة وأنّنا نعاني من مشكلة اقتصادية ليست بجديدة، ولكن باعتقادي كان عليهم تعويض الفئات المتضرّرة التي لم تلقَ أيّة مساعدات طوال الشهرين الماضيين، بالنسبة لنا _كعائلة_ تدبّرنا أمرنا إلى أن انقضت أزمة كورونا؛ ولكن في حيّنا العديد من المهجّرين الذين أؤكّد لك أنّهم امضوا آخر شهر من الحجر يأكلون الخبز والشاي.

وتردف ريم:
وكما ترى الآن بعد كورونا أتانا قانون قيصر، فلا يمكن التنبّؤ حتّى بمصير هذه العائلات المهجّرة.”

وتعدّ دمشق من أكثر المحافظات السورية استقبالاً للنازحين الذين يتعرّضون، في ظلّ هذه الأزمة الطاحنة، إلى خطر فقدان الأمن الغذائي والدوائي بسبب كون معظمهم من المستأجرين، فضلاً عن كون البلاد، منذ إعلان قرار الحجر الصحّي وإلى غاية اليوم، تعاني من ركود على شتّى الأصعدة من الأعمال اليومية وحتّى التجارات الكبرى.

اقرأ المزيد:

“الراتب قبل قيصر ما كان يكفّي فكيف هلّق” .. الموظفون أكثر الفئات تهميشاً

ولأنّ الموظفين الحكوميين هم شريحة واسعة من شرائح المجتمع في دمشق، خصّصنا هذا المحور للإلمام بجوانب معاناتهم في هذه الأيّام التي صار فيها راتبهم لا يتجاوز الـ20 دولاراً، أي ما يعادل ساعتي عملٍ في دولة كالكويت مثلاً أو ألمانيا.

التقينا بنوال الهنيدي، موظّفة في المؤسّسة العامّة لمياه الشرب والصرف الصحّي، والتي حدّثتنا قائلة:

– أنا نازحة من دير الزور إلى جرمانا منذ أربع سنوات، كنت موظّفة في مؤسّسة المياه في دير الزور ثمّ انتقلت إلى مؤسّسة المياه في دمشق بشكل مؤقّت، راتبي 45 ألف ليرة سورية، وأنا مستأجرة لمنزل أجاره 50 ألف ليرة، منذ نزوحي في عام 2016 وإلى غاية اللحظة لم اشتري أيّة قطعة ملابس، أمرّ من السوق عابرة المحال وأرى البضائع التي أحتاج ولا أستطيع الشراء فأشيح بوجهي وأكمل طريقي إلى منزلي.

  • إذا كان راتبك 45 ألف ليرة وإيجار منزلك 50 ألف. فكيف تتدبّرين أمر مصاريف الشهر؟

– أسكن مع أهلي هنا في جرمانا، ووالدتي موظّفة كمُدَرِّسة، أمّا والدي فيعمل كمصلح للأدوات الكهربائية، ولكن أضطر لأن أساهم بمعظم راتبي كإيجار للمنزل، وأبقي ما تبقى من المال في حال تعطّل عمل أبي كما حصل في شهري الحجر الصحّي، وقبل الحجر كنت اتصرّف في ما يبقى من راتبي لشراء الاحتياجات النسائية كالعطور والمراهم الطبّية وغيره من مستلزمات الإناث الأساسية.

أمّا رغيد علبة وهو موظّف سابق في شركة سيرياتيل شبه الحكومية، فصرّح للاتحاد برس قائلاً:

– كان من وفرة الحظّ أن يتم قبولك في شركة كسيريتيل، هذا قبل عام 2011، ولكن الآن فلا يكفيك راتب هذه الشركة عشرة أيّام، وكنت مضطراً لأن أعمل على تكسي لوالدي، وأنا خريج كلية هندسة الاتصالات، حتّى لا أقصّر على منزلي وزوجتي وأطفالي.

ويتابع مجيباً على سؤال حول فترة الحجر الصحّي وقانون قيصر:

– كان وضعي أفضل من كثيرين لأن العمل على التكسي لم يتوقّف، ولكن رصدت العديد من الحالات الصعبة وأنا أدور في طرقات الشام، ولم يكن ذلك غريباً عليّ، ولكن الآن لا يمكنني أن أتصوّر ما سيحدث في الأيّام القادمة؛ فالراتب قبل قيصر لم يكن كافياً فكيف سيكون الأمر بعده!؟”


ويبقى حال موظّفي الدولة السورية بالمقارنة مع دول الجوار هو الأسواء على الإطلاق، ففي العراق يبلغ راتب الموظّف من الـ 800 دولار وحتّى الـ 1500 دولار ما يعادل بالليرة السورية مبلغ 1.940.000 كحدّ أدنى، بينما يبلغ متوسط راتب الموظّف الأردني 1500 دولار أي 1050 دينار أي ما يعادل بالليرة السورية 3.600.000 ثلاثة ملايين ونصف تقريباً.

وأخيرا، تمرّ سوريا بأعتى الأزمات الاقتصادية لها منذ بداية الحرب وإلى غاية اللحظة، وخطر انعدام الأمن الغذائي والدوائي يهدّد حوالي تسعة ملايين سورياً في مختلف المحافظات ويتعدّاها إلى المخيمات الحدودية في الدول المجاورة، ومن المتوقّع أن تتورّط البلاد في مجاعة حقيقية إذا لم تتعامل السلطات جدّياً مع تداعيات قانون قيصر وضرورة الحلّ السياسي تحت إطار قرار مجلس الأمن 2254

اقرأ المزيد:

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق