قلم توكموزاييك

عن الكرد وسوريا وزمنين ضائعين في زمن حزب البعث

في عام 1936، عيّنت الحكومة الوطنيّة السوريّة، الأمير بهجت الشهابي، محافظاً على منطقة الجزيرة في كردستان- سوريا. لقد بدأ حكمه على المحافظة بسياسات عنصريّة وشوفينية تجاه الكرد والمسيحيين ونفّذ حملة تعريب لمؤسّسات الدولة الإداريّة في المحافظة. طردت هذه الحكومة الموظّفين الكرد والسريان والأرمن من الدوائر، وبدّلتهم على يد الشهابي بموظفين عرب موفدين من مدينة حلب، ومعها بدأت أولى ملامح تعريب المنطقة الكرديّة في سوريا.

بعد ذلك، في فترة الانقلابات السوريّة، عَمَدَ العقيد أديب الشيشكلي، بعد أن نفّذ الانقلاب الثالث، إلى منع تدوين أي يافطة بغير اللغة العربيّة على المحال التجارية.
ظلّت الحكومات السوريّة المتعاقبة تحاول منع اللغة الكردية وتداولها واختزال سوريا بالعربيّة والقوميّة العربيّة.

سنة 1960، قدّم الراحل الدكتور، نور الدين ظاظا، مذكّرة إلى السلطات السوريّة في حكومةِ الوحدةِ العربيّة، تتحدّث عما تفعله الحكومة العربيّة من ممارسات عنصريّة بحقّ الكرد، وعن أنّ الحكومة العربية تتغاضى وتنكر حقوق الشعب الكردي وتمارس سياسة طمس الحقوق الكردية وسياسة صهر وتعريب الكرد بشتّى الطرق الممكنة.

بعد نهاية الانتداب الفرنسي، كان ربّما ثمّة فرصة أن يتشكّل مشروع دولة في سوريا تكون من حقّ كل السوريين، بمختلف قومياتها ومجتمعاتها وهويّاتها. إلّا أنّ هذا المشروع توقّف قبل أن يبدأ، فسوريا تحوّلت، تباعاً، لأن تمثّل الهويّة القوميّة العربيّة، ويُختزل تاريخها السياسيّ والاجتماعيّ والسكاني بالعرب، وبدأت معها محاربة القوميّات غير العربيّة في سوريا، وعلى وجه الخصوص الكرد، في منع لغتهم وتداول أسماءهم بالكرديّة وتغيير أسماء مناطقهم الكرديّة واعتقال قادتهم السياسيين. توجّهت سوريا، قبل أن يستولي حزب البعث على السلطة، لأن تكون دولة القوميّة الواحدة واللغة الواحدة والهويّة الواحدة.

والحال أنّ القضية الكردية، تبدأ بالنسبة لكثير من السوريين مع استلام حزب البعث للسلطة في البلاد. قبل أن تبدأ الثورة السورية، كانت الغالبية تجد أن القضيّة الكردية لم تبدأ، أو لم تكن ثمّة قضيّة كردية في سوريا، ذاك أنهم كانوا يحرّكون الأجهزة الإعلامية والسياسية والأمنية لحزب البعث ذاته.

يُريد بعض السوريين أن تكون الانتهاكات والقمع الذي حصل للكرد قد فعله حزب البعث فحسب، لسببين جوهريين؛ الأوّل أن تكون مشكلة الكرد هي مشكلة السوريين عموماً وأن المشكلة كانت بين الديمقراطية والدكتاتورية ولا أبعاد قومية لذلك، والثاني أن يحافظ هؤلاء على الإرث السياسي للحركات السياسية والحكومية السورية التي حكمت سوريا قبل حزب البعث.

أما الجانب الأخر من القضية، فإنّ إحدى مشكلات القضية الكردية في سوريا هي عمليات التغيير الديموغرافي التي حدثت في كردستان- سوريا، تلك العمليات التي يريد الكثيرون نفيها، ومناقشة الحزام العربي وحده، والذي لا يعتبره غالبيتهم مشروعاً للتغيير الديموغرافي. أمّا عمليات المحق للغة الكردية ومنع الأسماء الكردية والاستيلاء على أراضي الكرد قبل حزب البعث، فهي قضايا ومسائل ماتت، ولا جدوى من محاولة إيجاد حلول لها في سوريا.

عندما يطرح كثير من السوريين فكرة أنّ صراع الكرد في سوريا مرتبط بحزب البعث، يُفترض حينها، أن تختفي الأثار المدمّرة للهويّة الكرديّة والوجود الكرديّ في سوريا، باختفاء حزب البعث، أو عند حلّ المشكلات التي أسّسها حزب البعث. وفقاً لهذا الافتراض، فإنّ حمولة التغيير الديموغرافي التي نفّذتها المعارضة السوريّة لا تدخل في أجندة حلّ القضيّة الكرديّة، وليست من مشاكلها المفترض حلّها، وكذا ذلك ما خلّفته الأنظمة السوريّة المتعاقبة بعد الانتداب الفرنسيّ من تدمير ونفي ومحق للهويّة والوجود الكرديّ، وعمليات التغيير الديموغرافي التي جرت في فترة الوحدة.

في زمنِ الانقلابات والوحدة العربيّة، تعرّض الكرد لمحاولة الصهر في القوميّة العربيّة، ومنع تداول المفردات الكرديّة وتسجيل الأسماء بالكرديّة، ونُفذت عمليات تغيير ديموغرافي، وتدمير للثقافة الكرديّة. كان ذلك قبل أن يستولي حزب البعث على السلطة.

في زمن المعارضةِ السوريّة، تعرّض الكرد لإبادة جماعيّة وتهجير من أراضيهم وديارهم، وجرت عمليات التغيير الديموغرافي والقتل والخطف والاعتداء بحقّ الكرد، ولا تزال هذه السياسة قائمة ومستمرّة. كان ذلك بعد زمن حزب البعث في السلطة.

وعلى أساس ذلك، فإنّ تدمير الكرد في زمن حزب البعث يقع بين زمنين مختلفين، زمن الانقلابات والوحدة العربيّة، وزمن المعارضةِ السوريّة، ويبدو أنّ السوريين الذين لا يجدون إلا زمن حزب البعث “في بعض القضايا المتعلّقة باللغة والحقوق الثقافيّة فحسب”، ينتمون إلى أحد زمنين، إمّا زمنُ الانقلابات والوحدةِ العربيّة أو زمن المعارضة، والأخيرة أكثر قدرة على استيعابهم.

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق